اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :من الدرس الاقتصادي عند ابن تيمية

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : من الدرس الاقتصادي عند ابن تيمية

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ،  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }

أما بعد ، فإن خير الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكلَّ بدعة ضلالة .

أيها الناس لم يزل فقهاء الإسلام يَبرزوا لنا في أزمان مختلفة ببراعتهم ، وحُسن انكفائهم على شرع الله استنباطاً وتدقيقاً ، ومراجعةً وتحقيقاً ، وربطاً لمشاكل الناس في زمنهم بالحلول الشرعية ، هذا دأبُهُم ، وعلى الله جزاؤهم ، وبمثله يَعرف فضلهم من لم يكن يعرفه من قبل { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }. وقد ترك لنا فقهاؤنا الأولون مدوناتٍ عظاماً ، تحدثت عن تفاصيل الأحكام الشرعية ، وتفاصيل أحوالِ الناس ونوازلِهم ، مع استحضار الأدلة المختلفة ، واستنطاقِها بما يدل على المقصود . ومر الفقهُ الإسلامي -كحالِ الأمة الإسلامية- بفترات انتعاش ونمو وإبداع ، وفترات ركود وتكرار واجترار . وكان لكل مذهب من المذاهب الإسلامية الفقهية الأربعة : الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية - وقتُه الذي ظهر فيه فقهاءُ أكابرُ اعتمد عليهم من بعدهم ، ورددوا أقوالهم ، واعتمدوا على تصنيفاتهم ، وكان ذلك الوقتُ غالباً في أول زمن نشوء المذهب ، وعلى يد علمائه الأوائل . ومع ذلك فلم يزل الله يُخرج لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ، فربما ظهر في المتأخرين من يفوق بفضله بعضَ الأولين ، ومن يغرف من علومهم ، ويصنع قريباً من صنيعهم ، ويأتي للناس -فيما تحيروا فيه- بالأدوية الناجعة ، والحلول النافعة . وتبقى النصوص الشرعية كتاباً وسنة هي المورد العذب الذي منه يستقون ، فيَسقون الناس ويشربون ؛ ويُروونهم ويرتوون ، ويُظهرون من محاسن الشريعة ، ومن إعجاز القرآن والسنة ما يُبهر العقول والألباب {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }.

أيها الناس ولا زالت أزمةُ العالمِ الماليةُ حديثَ المجالس والصحافة ، وموضوع المؤتمرات والندوات ، وغاب عن كثيرٍ منها صوت الشريعة ، وعرض الحلول الإسلامية بقوة ووضوح ، وبأسلوب عصري قريب يفهمه الشرق والغرب ، قال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } . وكما أسلفتُ فإن في صفحات الكتاب والسنة ، وفي طي كتب أكابر أهل العلم ما يتحيَّر العاقل فيه كيف هُدوا إليه في زمن لم يكن مثل هذا الأمر يشكل لهم تحدياً ، أو لم تظهر فيه الحاجة أو تتضح النظم السياسية والإدارية والاقتصادية المعاصرة ، وسأضرب لذلك في هذه الخطبة بعضَ أمثلة من كلام وفقه الإمام الرباني أحمدَ بنِ عبدِ الحليم ابنِ تيمية الذي كان من أوسع الناس عقلاً ، ومن أوفرهم علماً ، ومن أعلمهم وأعملهم بمقاصد الشريعة مراعاة لمصالح الدين والدنيا ، مع عدم الخروج عن حدودها . فقد كان للشيخ رحمه الله نظرات ثاقبة ، وكلماتٍ نيرة تتعلق بالمسائل الاقتصادية ، وأنا ضارب لذلك أمثلةً إن شاء الله ، تبيِّن لنا روعة العلم النقي ، وحاجة الأمة للعلماء الربانيين ، وتبيِّنُ كذلك أن ما يُتَّهمُ به هذا العالم الجِهبذ من الجمود والتخلف والتشدد ، وعدم معرفة مقتضيات الشريعة ويسرها = أن هذا إنما يدل على قائله ومدى علمه وفهمه - لا يلحق الشيخ –رحمه الله- منه شيء ، فمن ذلك :

أن الشيخ رحمه الله كان شديد القناعة والتمسك بهداية الوحي ، في عبادات الناس ومعاملاتهم ، ولذا تجده يقول: (وَالْإِنْسَانُ مُضْطَرٌّ إلَى شَرْعٍ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَرَكَةٍ يَجْلِبُ بِهَا مَنْفَعَتَهُ ، وَحَرَكَةٍ يَدْفَعُ بِهَا مَضَرَّتَهُ ؛ وَالشَّرْعُ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَنْفَعُهُ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي تَضُرُّهُ وَهُوَ عَدْلُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ ، وَنُورُهُ بَيْنَ عِبَادِهِ ؛ فَلَا يُمْكِنُ لِلْآدَمِيِّينَ أَنْ يَعِيشُوا بِلَا شَرْعٍ يُمَيِّزُونَ بِهِ بَيْنَ مَا يَفْعَلُونَهُ وَيَتْرُكُونَهُ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّرْعِ مُجَرَّدَ الْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ بَلْ الْإِنْسَانُ الْمُنْفَرِدُ لَا بُدَّ لَهُ مَنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ ...) (التدمرية)

ويقول: ( والشرع نور الله في أرضه ، وعدله بين عباده ، وحِصنُه الذي من دَخَله كان آمناً ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّرْعِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الضَّارِّ وَالنَّافِعِ بِالْحِسِّ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِلْحَيَوَانَاتِ الْعُجْمِ ؛ فَإِنَّ الْحِمَارَ وَالْجَمَلَ يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الشَّعِيرِ وَالتُّرَابِ بَلْ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَضُرُّ فَاعِلَهَا فِي مَعَاشِهِ وَمُعَادِهِ كَنَفْعِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ ؛ وَالْعَدْلِ وَالْبِرِّ وَالتَّصَدُّقِ وَالْإِحْسَانِ ؛ وَالْأَمَانَةِ وَالْعِفَّةِ ؛ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحُلْمِ ؛ وَالصَّبْرِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانِ إلَى الْمَمَالِيكِ وَالْجَارِ ؛ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ ؛ وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ؛ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَالرِّضَا بِمَوَاقِعِ الْقَدَرِ بِهِ ؛ وَالتَّسْلِيمِ لِحُكْمِهِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ ؛ وَمُوَالَاةِ أَوْلِيَائِهِ وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ ؛ وَخَشْيَتِهِ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ؛ وَالتَّقْوَى إلَيْهِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ ؛ وَاحْتِسَابِ الثَّوَابِ عِنْدَهُ ؛ وَتَصْدِيقِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ ؛ وَطَاعَتِهِ فِي كُلِّ مَا أُمِرُوا بِهِ ؛ مِمَّا هُوَ نَفْعٌ وَصَلَاحٌ لِلْعَبْدِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ ؛ وَفِي ضِدِّ ذَلِكَ شَقَاوَتُهُ وَمَضَرَّتُهُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ . وَلَوْلَا الرِّسَالَةُ لَمْ يَهْتَدِ الْعَقْلُ إلَى تَفَاصِيلِ النَّافِعِ وَالضَّارِّ فِي الْمَعَاشِ وَالْمُعَادِ فَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَأَشْرَفِ مِنَّةٍ عَلَيْهِمْ : أَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ ؛ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ ؛ وَبَيَّنَ لَهُمْ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ بَلْ أَشَرَّ حَالًا مِنْهَا) ولا شك أن هذه الخصلة من مميزات فقهه رحمه الله على فقه كثيرين من المعاصرين الذين قصَّروا في معرفة الأدلة ، وراحوا يستحلون محارم الله بأدنى الحيل.

ومن حسنات فقهه أنك تجد فيه ربط السوق وسائر أعمال المسلم بالقيَم والأخلاق ، فتجد الحث على الصبر والصدق والأمانة ، والوفاء بالعهد ، وتجد الأمر بالعمل والنهي عن القعود والكسل ، ومن كلامه في تعظيم قيمة العدل ، قوله رحمه الله: (إنَّ جِمَاعَ الْحَسَنَاتِ الْعَدْلُ وَجِمَاعَ السَّيِّئَاتِ الظُّلْمُ وَهَذَا أَصْلٌ جَامِعٌ عَظِيمٌ ) ، ويقول: (والله تعالى بعث الرُسُلَ وأنزلَ الكتُبَ ليقوم الناس بالقسط ، وأعظم القسطِ عبادةُ الله وحده لا شريك له ، ثم العدلُ على الناس في حقوقهم ، ثم العدل على النفس) ، ويقول: (الْعَدْلَ نِظَامُ كُلِّ شَيْءٍ ؛ فَإِذَا أُقِيمَ أَمْرُ الدُّنْيَا بِعَدْلِ قَامَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمَتَى لَمْ تَقُمْ بِعَدْلِ لَمْ تَقُمْ وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِهَا مِنْ الْإِيمَانِ مَا يُجْزَى بِهِ فِي الْآخِرَةِ ) . ويمزج رحمه الله بين هذا الأصل العظيم وبين المعاملات المالية قائلا: (فَمِنْ الْعَدْلِ فِيهَا في الشريعة- مَا هُوَ ظَاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ بِعَقْلِهِ كَوُجُوبِ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ عَلَى الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي ، وَتَحْرِيمِ تَطْفِيفِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ ، وَوُجُوبِ الصِّدْقِ وَالْبَيَانِ ، وَتَحْرِيمِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغِشِّ ، وَأَنَّ جَزَاءَ الْقَرْضِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ . وَمِنْهُ مَا هُوَ خَفِيٌّ جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ أَوْ شَرِيعَتُنَا - أَهْلُ الْإِسْلَامِ - فَإِنَّ عَامَّةَ مَا نَهَى عَنْهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ يَعُودُ إلَى تَحْقِيقِ الْعَدْلِ وَالنَّهْيِ عَنْ الظُّلْمِ : دِقِّهِ وَجِلِّهِ ؛ مِثْلَ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، وَجِنْسِهِ مِنْ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ ، وَأَنْوَاعِ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِثْلَ بَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَالْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمًّى وَبَيْعِ الْمُصَرَّاةِ وَبَيْعِ الْمُدَلِّسِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالنَّجْشِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ، وَمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُشَارَكَاتِ الْفَاسِدَةِ : كَالْمُخَابَرَةِ بِزَرْعِ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ الْأَرْضِ . ... وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا إلَّا مَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا لَا يُشَرِّعُ لَهُمْ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّهِ إلَّا مَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى شَرْعِهِ ؛ إذْ الدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ ؛ بِخِلَافِ الَّذِينَ ذَمَّهُمْ اللَّهُ حَيْثُ حَرَّمُوا مِنْ دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَأَشْرَكُوا بِهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَشَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ . اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِأَنْ نَجْعَلَ الْحَلَالَ مَا حَلَّلْته وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمْته وَالدِّينَ مَا شَرَعْته ).

وتجد في فقه هذا العالم التوسعةُ في المعاملات المالية ، بما قد يخالفُه فيه جُملةٌ من غيره من الفقهاء ، بل إنه ليشتد عليهم في مواضع تتعلق بالمبالغة في تحريم بعض الصور ، وإدخالها في بيع الغرر ونحوه ، مراعياً صلاح دنيا الناس ، فتجده يقول عن بعض أقوال الفقهاء: (فَمَا يُمْكِنُ الْمُسْلِمِينَ الْتِزَامُ ذَلِكَ إلَّا بِفَسَادِ الْأَمْوَالِ الَّذي لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ قَطُّ فَضْلًا عَنْ شَرِيعَةٍ قَالَ اللَّهُ فِيهَا : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وَقَالَ تَعَالَى : {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " { إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ } " {يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا } " { لِيَعْلَمَ الْيَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا سِعَةً } فَكُلُّ مَا لَا يَتِمُّ الْمَعَاشُ إلَّا بِهِ فَتَحْرِيمُهُ حَرَجٌ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا . وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا : أَنَّ تَحْرِيمَ مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْأُمَّةُ الْتِزَامَهُ قَطُّ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ الَّذِي لَا يُطَاقُ . فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامِ ؛ بَلْ هُوَ أَشَدُّ مِنْ الْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَوَضَعَهَا اللَّهُ عَنَّا عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) . ويقول رحمه الله: (وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ إنَّمَا خَلَقَ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ فِي الْأَصْلِ لِتَمَامِ مَصْلَحَةِ الْخَلْقِ ؛ فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَجْتَلِبُونَ مَا يَنْفَعُهُمْ كَمَا خَلَقَ الْغَضَبَ لِيَدْفَعُوا بِهِ مَا يَضُرُّهُمْ وَحَرَّمَ مِنْ الشَّهَوَاتِ مَا يَضُرُّ تَنَاوُلُهُ وَذَمَّ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا ، فَأَمَّا مَنْ اسْتَعَانَ بِالْمُبَاحِ الْجَمِيلِ عَلَى الْحَقِّ فَهَذَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ) السياسة الشرعية.

واعتبار المقاصد في تصرفات الناس مبدأٌ إسلامي عظيم ، قال رحمه الله: (وَكَذَلِكَ اللِّبَاسُ : فَمَنْ تَرَكَ جَمِيلَ الثِّيَابِ بُخْلًا بِالْمَالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ ، وَمَنْ تَرَكَهُ مُتَعَبِّدًا بِتَحْرِيمِ الْمُبَاحَاتِ كَانَ آثِمًا ، وَمَنْ لَبِسَ جَمِيلَ الثِّيَابِ إظْهَارًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ وَاسْتِعَانَةً عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ كَانَ مَأْجُورًا ، وَمَنْ لَبِسَهُ فَخْرًا وَخُيَلَاءَ كَانَ آثِمًا . فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ).

ومن هذا الباب ، أعني مراعاة المقاصد ، مع النظر لمصلحة المسلمين العامة تكلَّم الشيخ كثيراً عن دور ولي الأمر في التسعير ، وإلزام التجار بالسعر الذي يكون لهم فيه مصلحةٌ دون إضرارٍ بالمشترين ، ولا بالتجار بحيث يربحوا ربح مثلهم لا وكس ولا شطط ، ولا يكون ربحهم أو جشعهم سبيلا للتضييق على الناس في مصالحهم ، ومثل ذلك تحريم الاحتكار  ، ومما يدخل في هذا الباب قوله: (وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْتَاجَ النَّاسُ إلَى صِنَاعَةِ نَاسٍ ؛ مِثْلَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى الْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَايَةِ : فَإِنَّ النَّاسَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ طَعَامٍ يَأْكُلُونَهُ وَثِيَابٍ يَلْبَسُونَهَا وَمَسَاكِنَ يَسْكُنُونَهَا فَإِذَا لَمْ يُجْلَبْ لَهُمْ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَكْفِيهِمْ...احْتَاجُوا إلَى مَنْ يَنْسِجُ لَهُمْ الثِّيَابَ . وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ طَعَامٍ إمَّا مَجْلُوبٌ مِنْ غَيْرِ بَلَدِهِمْ وَإِمَّا مِنْ زَرْعِ بَلَدِهِمْ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ . وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَسَاكِنَ يَسْكُنُونَهَا ؛ فَيَحْتَاجُونَ إلَى الْبِنَاءِ ؛ فَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ : كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ ؛ وَأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إلَّا بِهَا) . ويقول: (إذَا اُضْطُرَّ النَّاسُ ضَرُورَةً عَامَّةً وَعِنْدَ أَقْوَامٍ فُضُولُ أَطْعِمَةٍ مَخْزُونَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَيْعُهَا وَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَبِيعَهَا عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ فَيَجِبُ إلْزَامُهُمْ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ شَرْعًا وَهُوَ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُمْ فَيَجِبُ اسْتِنْقَاذُهُ مِنْهُمْ . وَهَكَذَا كُلُّ مَا اُضْطُرَّ النَّاسُ إلَيْهِ : مِنْ لِبَاسٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَغْنِي عَنْهُ صَاحِبُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ بَذْلُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ).

ومن دقيق فقهه رحمه الله قوله وهو يتحدَّث عن حديث النبي صلى الله عليه وسلَّم: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام)) حم ، قال: (وإنما يسبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة بنصف يوم لعدم فضول الأموال التي يحاسبون على مخارجها ومصارفها فمن لم يكن له فضل كان من هؤلاء وإن لم يكن من أهل الزكاة. ثم أرباب الفضول إن كانوا محسنين في فضول أموالهم فقد يكونون بعد دخول الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم كما يقدم أغنياء الأنبياء والصديقين عن السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم )

ومن جهة تمسكه بدلالات الوحيين تجده يقول: (إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ أَشْيَاءَ مِمَّا يَخْفَى فِيهَا الْفَسَادُ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْفَسَادِ الْمُحَقَّقِ - كَمَا حَرَّمَ قَلِيلَ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا - مِثْلُ رِبَا الْفَضْلِ ؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ قَدْ تَخْفَى إذْ الْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ ؛ إلَّا لِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ . مِثْلَ : كَوْنِ الدِّرْهَم صَحِيحًا ، وَالدِّرْهَمَيْنِ مَكْسُورَيْنِ أَوْ كَوْنِ الدِّرْهَمِ مَصُوغًا أَوْ مِنْ نَقْدٍ نَافِقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ) ، ويقول عن التحيُّل على الربا ، وما يفعله بعضُ الناس عند اختلاف المفتين في بعض مسائل الحلال والحرام: (فَالْمُسْلِمُ الْمُتَأَوِّلُ الَّذِي يَعْتَقِدُ جَوَازَ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْمُبَايَعَاتِ وَالْمُؤَاجَرَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ الَّتِي يُفْتِي فِيهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إذَا أُقْبِضَ بِهَا أَمْوَالٌ وَتَبَيَّنَ لِأَصْحَابِهَا فِيمَا بَعْدُ أَنْ الْقَوْلَ الصَّحِيحَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ : لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ مَا قَبَضُوهُ بِالتَّأْوِيلِ كَمَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْكُفَّارِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ مَا اكْتَسَبُوهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ بِالتَّأْوِيلِ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَنْ يُعَامِلُوهُمْ فِيهِ ؛ كَمَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعَامِلَ الذِّمِّيَّ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ ؛ لَكِنْ عَلَيْهِمْ إذَا سَمِعُوا الْعِلْمَ أَنْ يَتُوبُوا مِنْ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَلَا يَصْلُحَ أَنْ يُقَلِّدَ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ يُفْتِي بِالْجَوَازِ تَقْلِيدًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ ؛ فَإِنَّ تَحْرِيمَ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ ثَابِتٌ بِالنُّصُوصِ وَالْآثَارِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الصَّحَابَةُ فِي تَحْرِيمِهَا وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ شَاهِدَةٌ بِتَحْرِيمِهَا . وَالْمَفَاسِدُ الَّتِي لِأَجْلِهَا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبَا مَوْجُودَةٌ فِي هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ مَعَ زِيَادَةِ مَكْرٍ وَخِدَاعٍ وَتَعَبٍ وَعَذَابٍ . فَإِنَّهُمْ يُكَلِّفُونَ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَةِ وَالْقَبْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الْبَيْعِ الْمَقْصُودِ - وَهَذَا الْبَيْعُ لَيْسَ مَقْصُودًا لَهُمْ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَخْذُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ ؛ فَيَطُولُ عَلَيْهِمْ الطَّرِيقُ الَّتِي يُؤْمَرُونَ بِهَا فَيَحْصُلُ لَهُمْ الرِّبَا ، فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الرِّبَا الْمُعَذَّبِينَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ وَقُلُوبُهُمْ تَشْهَدُ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُونَهُ مَكْرٌ وَخِدَاعٌ وَتَلْبِيسٌ ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَيُّوبُ السختياني : يُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَانَ فَلَوْ أَتَوْا الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ ).

وأختم هذه الجولة المباركة بكلام الشيخ رحمه الله عن الذين يوليهم ولي الأمر مصلحةً من مصالح الناس بحيث يكونون قائمين عليها مسؤولين عنها وربما كانوا غير أكفاء، يقول: (وَمَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْأَهْلِ لِلضَّرُورَةِ إذَا كَانَ أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ فَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ السَّعْيُ فِي إصْلَاحِ الْأَحْوَالِ حتَّى يَكْمُلُ فِي النَّاسِ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ أُمُورِ الْوِلَايَاتِ وَالْإِمَارَاتِ وَنَحْوِهَا ؛ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ السَّعْيُ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَالِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ)

 

وبعد ، فهذه شذرة من فقه وبُعد نظر عالمٍ واحدٍ من علماء المسلمين الكبار ، وليس هو القائم في الساحة وحده ، ولا هو الذي إليه المنتهى في كل شيء ، ولكنه عقلية عبقرية من جملة علماء أكابر أكرم الله بهم الأمة ، يقف على رأسهم الصحابةُ والتابعون ، والأئمة الأربعةُ المتبوعون ، وغيرهم ، وغيرهم ، وكلهم من رسول الله مستمدٌ ، وعن معينه صادر . رحم الله علماء المسلمين ، ورزقنا من مثلهم من يكون عوناً للعالم على تجاوز أزماته ، واستنباط هدايات الكتاب والسنة لنفع العالمين.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين.


 

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى ، وأشهد ألا إله إلا الله الخالق العظيم ، والبديع الكريم {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } .

أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبدُ الله ورسولُه وأزكى بريتِه ، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً .

أيها المسلمون إن من وظيفة المنبر أن ينصح للناس في دينهم ودنياهم ، وأن يعظهم وينبههم من الغفلة التي تعتري الإنسان ، ومن وظيفته كذلك تحذير الناس مما يُلبَّس به عليهم من أمر دينهم ودنياهم ، وبقي أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ومن أهداف بعثته أنه كان مبشراً كما كان نذيراً ؛ ولذا فلا حرج علينا إن شاء الله إن سقنا الإنذار والتحذير ، أو فرحنا بالإنجاز وسلكنا به طريق التبشير ، ومن المنجزات التي يفرح بها عقلاءُ الأمة ، ومن يريد بها ولها الخير أن يكون التعليم عندنا آخذاً لمكانته الصحيحة ، متميِّزاً ، قوياً ، إذ إنه أول الطريق لقوة الأمة خصوصاً في هذا الزمان ، وتميُّز قطاع أو إدارة أو جامعة إنما هو لبنةٌ من لبنات بنياننا الحضاري الذي يجب أن تجتمع عليه السواعد . ولذا فمن دواعي الغبطة والبشرى أن تتصدر جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في التصنيف العالمي للجامعات (التايمز كيو اس) أن تتصدر سائر الجامعات العربية لتكون الأولى عربياً ، والثلاثمائة وثمانٍ وثلاثين عالمياً من بين ما يقارب الثلاثين ألف جامعة ومؤسسة تعليم عالي في العالم ، بمعنى أنها تعتبر بالنسبة المئوية في الواحد في المائة الأولى على مستوى العالم . وهذا إنجازٌ يُذكر فيُشكر ، ويدفع للمزيد من العمل ، ويدفع كذلك للاقتداء ، نعم إن مثل هذا الإنجاز لا يكون وليد يومٍ وليلة ، ولكنه إنجازُ عمل دؤوب ، وجهد جماعي منسَّقٌ منظَّم ، وهو ها هنا قريب منا ، فالدرس أخي في الله أن الكثير من مؤسساتنا ، ومصالحنا إذا أخلصنا ودأبنا في العمل يمكنها أن تتميَّز على مستوى العالم . وليس بالضرورة أن يُرتكب المُنكر لكي نعيش الانفتاح ، أو أن نصارع بالعلم ، ولكن الجد في المقصد ، والبُعد عن بنيات الطريق هو الطريق القصير للنجاح . ففي الوقت الذي تسابق فيه إعلامنا وكثير من مؤسساتنا على التغريب ، والزج ببنات المسلمين في مواقد الفتنة ، سعت جامعة الملك فهد بالعلم دون الفتنة ، وبالجهد بعيداً عن المزايدة فحقق الله لها ما تمنَّت ، ولكل مجتهد نصيب ، وإن أمة الإسلام كالمطر خير كله ، والعزة والنصر لها في الدين والدنيا والآخرة ، إن هي أخذت بأسباب ذلك .

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ...

 

 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 4 /5 ( 2 صوت )

تاريخ الاضافة: 17-10-2008

الزوار: 578

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
دروس من أزمة الاقتصاد العالمي
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
مشروعك في رمضان
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44669
[يتصفح الموقع حالياً [ 16
الاعضاء :0 الزوار :16
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3