اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :مسافرون بهويات مختلفة

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : مسافرون بهويات مختلفة

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

الحمد لله الذي خلق فسوى ، والذي قدَّر فهدى ، والذي أخرج المرعى ، فجعله غثاءً أحوى ، والحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، خلق الليل والنهار ، وخلق الإنس والجان ، وأبدع البحر والأرض والسماء ،  وجعل في كلٍ منها من بديع خلقه وعجيب صنعه ما يُبهر الحكماء ، وأمر الناس بعبادته ، ووعدهم إن أطاعوه بجنته ، وأوعدهم إن عصوه بأليم عقابه فهم منه في كل حين في زيادة أو نقصان . أشهد ألا إله إلا هو الرحيم الرحمن ، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسولُهُ وسيِّدُ ولد عدنان ، المبعوث إليهم بالحكمة والقرآن صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .


أما بعد ، فإن خير الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .


أيها المسلمون ، قد أحكم الله شرعه ، ووضعه للناس على اختلاف أحوالهم ، وكان من حكمة اللطيف الخبير أنه كما وضع للناس أحكاماً في أحوالهم الاعتيادية فإنه لم يُخلِ أوضاعهم الطارئة من تشريعه وأحكامه ، ويختلف ذلك قلة وكثرة بحسب الحاجة والأهمية ... وما إلى ذلك ؛ ترى ذلك في آياتٍ تُتلى ، وسُنَنٍ قولية وعملية تُنقل . ومن ذلك آياتٌ عديدةٌ في كتاب الله تتعلَّقُ بحالةٍ من حالات الناس وظرفٍ من ظروفهم ، قال الله تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ، وقال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} ، وقال : {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} ، وقال عن المنافقين : {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} ، وقصَّ علينا من نبأ موسى وفتاه وسفرهم للقاء الخضر -عليه وعلى موسى وعلى نبينا الصلاة والسلام- ، وأن موسى قال لفتاه : { آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً} . وأما أحاديث وأحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم في السفر ومع السفر فهي كثيرة ، فقد شرع للسفر أحكاماً وآداباً ، وكانت له فيه أحوالٌ وأخبار ، وعقدت كُتُبُ السُنَّة أبوابا عديدة لبيان ذلك . فمن ذلك:


عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه ، فإذا قضى نُهمته من وجهه فليعجل إلى أهله)) متفق عليه .


وعن كعب بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقدم من سفر إلا نهارا في الضحى ، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه للناس. متفق عليه .


وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب)) رواه مالك والترمذي وأبو داود والنسائي .


وعن عبد الله بن جعفر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تُلُقيَ بصبيان أهلِ بيته. رواه مسلم .


وقد كانت أسفاره صلى الله عليه وسلم للحج والعمرة ، وللجهاد في سبيل الله . وخرج بعضُ أصحابه في مبدأ الأمر فارين بدينهم ، وفي منتهاه داعين إلى الله ومجاهدين في سبيل الله ، وخرج بعضهم في طلب العلم ، فعن جابر بن عبد الله قال : بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً -سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم- لم أسمعه منه ، قال : فابتعتُ بعيرا ، فشددتُ عليه رحلي ، فسرتُ إليه شهراً حتى أتيتُ الشام ، فإذا هو عبد الله بن أُنيس الأنصاري ، قال : فأرسلتُ إليه أن جابراً على الباب ، قال : فرجع إليَّ الرسول فقال : جابر بن عبد الله ؟ ، فقلت : نعم ، قال : فرجع الرسول إليه ، فخرج إليَّ فاعتنقني واعتنقتُه . قال : قلتُ : حديثٌ بلغني أنك سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه ، فخشيتُ أن أموتَ أو تموتَ قبل أن أسمعَه ، فقال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « يحشر الله العباد أو قال يحشر الله الناس -قال وأومأ  بيده إلى الشام- عُراةً غُرلاً بُهماً ، قلت : ما بُهماً ؟ قال: ليس معهم شيء . قال : فيناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعُه من قرُب : أنا الملك أنا الديان ، لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمظلمة ، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحدٌ من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطْمة ، قال : قلنا : كيف هو ، وإنما نأتي الله تعالى عُراةً غُرلاً بُهماً ؟ قال : بالحسنات والسيئات » رواه الخطيب في (الرحلة في طلب العلم) ، وغيره .


واستمر هذا الأمر فيمن بعدهم ، خصوصاً أصحاب الحديث رضي الله عنهم ، وكان من نعت الواحد منهم أنه جاب الآفاق ، ويقولون لبعضهم (الرُّحلة) ، وهو من يرحل الطلاب إليه للقائه ، ولا يكون (رُحلةً) إلا وقد كان قبلها جوَّابَ آفاق ، قطَّاعَ أودية . قال أحمد بن حنبل رحمه الله : « لم يكن في زمان ابن المبارك أطلبُ للعلم منه ؛ رحل إلى اليمن ، وإلى مصر ، وإلى الشام ، والبصرة والكوفة ، وكان من رواة العلم وأهلِ ذلك ، كتب عن الصغار والكبار كتب عن عبد الرحمن بن المهدي ، وعن الفزاري ، وجمع أمراً عظيماً » يعني من الأحاديث .


ولا تزال هذه الأسبابُ الثلاثة للسفر قائمةٌ ومشروعة : سفرُ النُسُك الشرعي من حج وعمرة إلى بيت الله الحرام ، وسفرُ الدعوة والجهاد ، وسفرُ طلب العلم ، يُضنى بها المولَّعون بأمر الله ونهيه ، فهم لحبهم طاعةَ ربهم تلتذُّ نفوسُهم وقلوبُهم ، بما تُضنى به أجسادُهم ، يحتملون ألمَ السفر لتحصيل لذاتِ الأنسِ بالله ، والعلمِ به ، والزلفى لديه .  وقد يعتري بعضَ هذه الأسفار ما يُخرجه عن حده الشرعي ، ومن ذلك السفر لحج القبور والمشاهد ، وفي بعض كتب أهل البدع أن المجاورة عند قبر علي رضي الله عنه ليلةً - أفضلُ من عبادة سبعِمائةِ سنة ، وعند قبر الحسين رضي الله عنه - أفضلُ من عبادة سبعين سنة . وكذلك الخروجُ والسفر للفتنة وسفك دماء المسلمين باسم الجهاد في سبيل الله ، أو الخروجُ لطلب علم غير مشروع ، ولهذا النوع حديث مستقل نفرده به بعد قليل إن شاء الله تعالى.


أحبتي في الله إن كثيراً من الناس في بلدنا يسافرون فمنهم ظالمٌ لنفسه ، ومنهم مقتصِدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله . فهل فكرتَ أُخيَّ في أن تجعل سَفَرَكَ سَفَرَ السابقين بالخيرات بإذن الله ، أو لا أقل من أن يكون سفرَ المقتصدين ، لأن سفر الظالمي أنفسهم لا يأمنُ معه الإنسان من عقوبة الله ، والمسلمُ الحق هو الذي  يتجنبُ أسباب سخط الله ، ويقي نفسَه وأهلَه النار .


والمسافرون أنواع فمنهم المسافر للدراسة ، ومنهم المسافر للنزهة والسياحة ، ومنهم المسافر للعلاج ، ومنهم المسافر للعمل وطلب الرزق أو التجارة ، ومنهم المسافر لصلة رحمه وزيارة إخوانه في الله ، ومنهم المسافر لحج أو عمرة ، ومنهم المسافر للدعوة وتبليغ دين الله وتعليم العلم النافع ، ومنهم المسافر للزواج ، ومنهم من يسافر لغير لذلك ، والقاعدةُ العامةُ : أنه لا يجوز للمسلم أن يسافر إلى مكان يكون فيه المُنكَر أو الكفرُ بالله ظاهراً بحيث لا يستطيعُ أن يُغَيِّرَهُ ولا أن يُفارقه ؛ إذ إنه من غير المأذون للمسلم أن يبقى في المنكر يشهده ، ولا أن يُشهده أحداً من أهله ، وكذلك فإن المسلمَ لا يمكثُ بين أظهر الكفار بحيث إنه يساكنهم ، ويخالطهم إلا من مصلحةٍ تربو على هذه المفسدة ، فالمسلم أمَّارٌ بالمعروف نهَّاءٌ عن المنكر ، جُبل على حُب الإيمان وأهله ، وبُغض الفسق والكُفر وأهله . فعن الحسن البصري عن سمرة بنِ جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ وَلَا تُجَامِعُوهُمْ فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ) رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما .


وقاعدةٌ أُخرى في هذا الباب أنه لا يجوز أيُّ نوعٍ من أنواع السفر إذا خاف الإنسان على دينه :      فإن كلَّ كسرٍ فإن الله يجبُرُه         وما لكسر قناة الدين جُبرانُ.


فمتى ما كان عند الإنسان دينٌ يدفعُ به الشهوات ، وعلمٌ يدفع به الشبهات ، واعتزازٌ بدينه يمكِّنه من القيام بالواجبات ، وترك المحظورات ؛ فحينئذ يجوز لهذا ما لا يجوز لغيره من الناس .


وإني معرِّجٌ إن شاء الله على أنواع المسافرين الذين أشرتُ إليهم مع التنبيه على بعض الفوائد ، والمتعلقات التي تتعلَّق بكل نوعٍ من هذه الأنواع :


أولاً : السفر للدراسة في بلاد الكفار ، وهو أمرٌ انتشر في السنوات الأخيرة ، وكثُر كثرةً غيرَ محمودة ، نعم إن عند بلاد العالم المتحضِّر علمياً اليوم ما نحن بحاجةٍ إلى تعلُّمه ، ونقله ، ونعم إن في كثير من جامعات تلكم البلدان من الرقي البحثي والأكاديمي ما ليس في كثير من جامعاتنا ، ونعم ثالثة لبيئة العمل ، والوسط العلمي . ولكني أقول وبملء الفم : إن كثيراً من هذه الأمور لا تعني شيئاً لكثيرٍ من شبابنا ، وهم لم يسافروا من أجلها . فالبعض يسافر ليحل مشكلة عدم قبوله في جامعات بلده ، والبعض يسافر للنزهة والتفرُّج ، والبعض الآخر يريد الزنى والخمر والفجور ، وهذا لا يعني نفي وجود الصنفِ الصالح المتميز إلا أنه ليس بالتيار الغالب ، ولا بالكثير . وأي خيرٍ أو نفعٍ في بعث ألوفٍ أو عشرات الألوف من خريجي الثانوية دون خبرة في الحياة ، ولا صلابةٍ في الدين ، ولا حصانة في العرض ؟! ، ثم إلقاؤهم في مجتمعات لا تؤمن بدينهم ، ولا تحل حلالا ولا تحرِّمُ حراماً ، دون رقيب من إيمان ، ولا نصح من أهل ، ولا متابعة من الجهات المسؤولة :


ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتلَّ بالماء


وإذا كان بعضكم يعلم ما صنعه بعضُ الشباب في أزمنة مضت ، وقد ذهبوا خليين عن إرادة الشر والمنكر ، فإن شباب اليوم يذهبُ كثيرٌ منهم قد هيَّجته القنوات ، والبلوتوثات ، ومواقع الانترنت للفحشاء ، فما يلبث بعد زمن يسير أن يضيع دينه ودنياه {خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} . وإن قلنا هذا في شأن الأولاد ، فما الظن بإلقاء الفتيات إلى التهلكة ، وتركهن مطمعاً لكل فاسق ومارق ، والبنتُ رقيقةُ الطبع ، قويةُ العواطف ، وهي في غربتها في وحشةٍ من تركها لأهلها وصويحباتها ، فما الظن حينئذ إذا جاءها اللئيم بمعسول الكلام ، يريد مالها أو عرضها؟


نعم إنه لا يجوز لنا أن نأخذ الناس بالظِّنَّة ، ولا أن نتَّهم أحداً في عرضه دون برهان وحجة ، ولكنما من الواجب أنْ إذا علمنا المقدِّمات ، وعلمنا النتائج ألا نجعل فلذات أكبادنا في محل التجربة ؛ نجربَ دينَهم ، وأخلاقَهم ، وانتماءَهم لهويتهم ، ويكون الأمر كما قال زهير في المنايا :


رأيت المنايا خبط عشواء من تُصب            تُمِته ومن تُخطئ يُعمَّر فيهرمِ


فمن كان محظوظا سلم له بنوه في دينهم ودنياهم ، ومن لم يكن محظوظاً ذهبت على بنيه الاثنتان .


وإنه من واجب الجهات المسؤولة في وزارة التعليم العالي وغيرها من جهات الابتعاث متابعة هؤلاء النشء ، واشتراط إتمام المرحلة الجامعية في بلاد المسلمين قبل السفر إلى الخارج . ومن واجب الأهل ألا يسمحوا له بالسفر إلا وقد تزوَّج ، ومن المستحسن أن لا يُوصَلَ الزواجُ بالسفر ، فبعضُهم لا يصلح لا لسفر ولا لزواج ، فإذا سافر ببنت الناس هناك كسرها ، أو طلَّقها ، أو عرَّضها للفتنة ، فليُختبر المرء بعد زواجه ، فإن غلب على الظن عقله وحلمه ودينه تُرك ليسافر ببنات المسلمين .


وإن من الواجب ألا نبقى معتمدين على من هو أقوى منا علمياً وتقنياً ، وإنما نراجع سياساتنا التعليمية ، وننظر في حركات الابتعاث السابقة وأسباب ضمور دورها عن تحقيق مطالبنا وأمانينا العالية ، وأن نجعل من حركة الابتعاث القائمة الآن مقدمةً للريادة ، ونهايةً لمشروع الاغتراب ، لا أن نبقى ندور في حلقة إفساد الأفكار ، واغتراب الأجساد ، وضعف المُخرج ، دون مستقبلٍ يُزهر ، ولا حضارةٍ تُشاد .


ثانياً : السفرُ للسياحة : والمسافرون للسياحة إما أن يسافروا شباباً دون أهليهم ، ويقصدوا بيروت والقاهرة وباريس ولندن وغيرها ، فهؤلاء العجَبُ كل العجب منهم إن كانوا متزوجين إذ يتركون أمانة الله التي في أعناقهم ، ويسارعوا إلى إشباع شهواتهم ، وتسلية أنفسهم مع ترك أهليهم حبيسي البيوت ، أو في عهدة السائقين ، وأي أنانية أكبر من هذه الأنانية .


والعجب من الأهل والوالدين إن كان هؤلاء المسافرون عزاباً كيف يتركون الحبل على غاربه لشاب أعزب ، مع أصدقاء قد يكون بعضهم عونا وَرِدأً للبعض الآخر في المعصية ، ثم هم بعد سُنيَّات يطوفون على بيوت الناس يُثنون على خلق ولدهم ودينه ، يلتمسون له بنت الحلال!! . ألا فليتقوا الله في أنفسهم وأولادهم ، وليعلموا أنه ما يعتاد ركوبَ الجسر ومقاعدَ الطيران في كل فرصةٍ إلا وفي الأمر ما يستحقُّ الوقوفَ والاستجلاء ، ولا والله لا تقفُ مسؤوليتهم ، ولا تبرأُ ذِممهُم إلا أن ينهوهم عن المنكر ، ويحولوا بينهم وبينه .


وأما الأسر والعوائل فإن ذهب بهم وليُّهم إلى حيثُ لا يشيعُ المُنكر ، ولا يُخدش الحياء من متنزهات البر والبحر ، ومن الأماكن التي تُعرف فيها الحشمة والأدب ، فحيَّهلاً . وإن أخذهم إلى السينما ، والكافيات ، والكازينوهات ، وكنائس النصارى ، ومهرجانات الاختلاط فلا يجوز له ذلك ، وهو يتحمَّل وزره ، ووزر ولده ، ووزرهم من بعده إذ عوَّدهم عوائد السوء ، فهم من بعده بها مستمسكون ، ولأوزاره مُثَقِّلون ، فاللهم غُفراً .


ثالثاً : السفر للعلاج ، وهو جائزٌ ما دام لعلاجٍ لا يوجد في بلاد المسلمين ، أو لا يوجد مثله عندهم ، ويشترط فيه القدرةُ على إظهار الدين ، والمحرمُ للمرأة ، وظنُ السلامة من المنكرات ، فلا يخلو بامرأة ، ولا يجلسُ في منتجعات العري بدعوى النقاهة ، ويقيمُ فروضه كما أمر الله ، فإن زال سبب المرض وجبت العودة ، قال صلى الله عليه وسلم عن المسافر : ((فإذا قضى نُهمته من وجهه فليعجل إلى أهله)) متفق عليه . وينبغي هنا التنبيه على أن أبواب العلاج وهي من أبواب الرفق والرحمة إلا أنها -مع الأسف- كثيراً ما يقع فيها الغش والكذبُ والتدليس ، فإن أردت الذهاب للعلاج فاستشر قبل ذهابك أهلَ الشأن ، واستخر ، فما ندم من استشار ولا خاب من استخار ، وما كل من تطبب كان عالماً بالطب .


رابعاً : السفر للعمل أو التجارة ، وهو جائزٌ ما لم يُؤدِّ إلى معصية ، ويُراعى في العمل أن لا يكون بحيث يساكنُ الكفارَ ويركنُ إليهم ، ولكن ليعمل في بلاد المسلمين ما لم تضق به ، ولا حرج عليه أن يسافر للتجارة ، والفرق بينهما أن التجارة وإن تكررت سفراتُها فهي تكون في المُدة بعد المُدة ، وأما العمل فربما استدعى المُكثَ الطويل ، فإن كان ذلك لمصلحة من مصالح المسلمين جاز ذلك حتى تنقضي المصلحةُ ، وإن كان لغير ذلك من مصلحةٍ شخصية ، فلعل في بلاد المسلمين ما يكون خيراً له في نفسه ودينه ، وتربية أولاده . عن جرير بن عبد الله :  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((أنا برئ من كل مسلم يقيمُ بين أظهر المشركين)) قالوا : يا رسول الله ولم؟ قال : ((لا تراءى ناراهما)) رواه أبو داود وغيره . قال ابن الأثير رحمه الله : يَقُول نَارَاهُمَا مُخْتَلِفَتَانِ هَذِهِ تَدْعُو إِلَى اللَّه وَهَذِهِ تَدْعُو إِلَى الشَّيْطَان فَكَيْف تَتَّفِقَانِ .اهـ


ثم على المسافر للعمل والتجارة إن ترك أهله ألا يتركهم أكثر من أربعة أشهر إلا بإذنهم ، وقد سأل عمرُ ابنته حفصة أُمَّ المؤمنين رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك . رواه عبد الرزاق في مصنفه .


ومن عيون شعر المتأخرين قصيدة ابن زريق البغدادي ، التي يقول فيها مخاطباً زوجته التي ذهب وتركها :


لا تعذليه فإن العذل يولِعُه ... قد قلتِ حقاً ولكن ليس يسمعه


جاوزتِ في لومه حداً أضرَّ به ... من حيثُ قدَّرتِ أن اللوم ينفعه


فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً ... من عذله فهو مُضنى القلب مُوجَعُه


ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأي إلى سفر ٍبالبين يجمعه


تأبى المطالب إلا أن تُجشِّمَه ... للرزق كدحاً وكم ممن يودعه


كأنما هو من حِل ومرتحل ... موكَّلٌ بفضاء الأرض يذرعه


قد وزَّع الله بين الخلق رزقَهُمُ ... لم يخلق اللهُ من خلقٍ يضيِّعُه


لكنهم كُلِّفوا حرصاً فلستَ ترى ... مسترزقاً وسوى الغايات تُقنعه


والحرص في الرزق -والأرزاق قد قسمت- ... بغيٌ ألا إن بغي المرء يصرعُهُ


أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه


ودعتُه وبِوُدي لو يودِّعُني ... صفوُ الحياة وأني لا أودعه


كم قد تشفع بي أن لا أفارقه ... وللضرورات حال لا تُشَفِّعه


وقد تشبث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلاتٌ وأدمعُه


لا أكذِبُ الله ثوبَ الصبر منخرقٌ ... عني بفُرقته لكن أُرقِّعُه


إني أوسِّعُ عذري في جنايته ... بالبين عني وجُرمي لا يوسعه


خامساً : السفر لصلة الرحم أو  زيارة أخ في الله ، وهو أمر وارد في الشريعة في حديث صحيح جليل فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى ، فأرصد الله له على مدرجته ملكا ، قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخا لي في هذه القرية . قال:  هل لك عليه من نعمة ترُبُّها ؟ قال : لا غير أني أحببته في الله . قال : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه . رواه مسلم .


اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة ، واجعلها يا ربي لوجهك خالصة ، ولا تجعل لأحدٍ فيها شيئاً ، اللهم وفِّقنا لسداد القول والعمل ، ونعوذ بك اللهم من أن نضل أو نُضل ، أو أن نزل أو نُزَلَّ ، أو أن نجهل أو يُجهل علينا ، والحمد لله رب العالمين .



 


الحمد لله خلقنا وهدانا ، وأطعمنا وكسانا ، وأنعم علينا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي ، أحمده سبحانه وأشكره ، وأشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبدُ الله ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً :


سادساً : السفر للدعوة إلى الله وتعليم العلم النافع ، ويُشترط له أمن الفتنة في الدين ، ووجود الحصيلة العلمية الشرعية الكافية ، وفي بلاد المسلمين من الحاجة لمثل هذا النوع مثل ما في بلاد الكفار ، وأكثر . ولا زلنا نسمع بأُناسٍ نذروا أنفسهم لمثل هذه الأعمال الجليلة ، ومن منا لم يسمع بالدكتور عبد الرحمن السميط وفقه الله لكل خير؟ ، وكيف أنه نذر حياته كلها لمشروعه الدعوي في أفريقيا ، وكيف أن الله بارك له وعليه بما نحسبه -والله حسيبه- من إخلاصه وصدقه ، وكذلك من جمعه لهمه ، واستفراغه لكل وقته في خدمة مشروعه ، وإنا لنرجو له عند الله المنازل العالية ، ويكفيه أن يلقى اللهَ بعشرات الألوف من الناس وقد دخلوا الإسلام يكونون يوم القيامة في موازينه إن شاء الله . ولا يزال في الأمة من هذا الصنف خيرٌ كثيرٌ . ولي زميل من المشايخ الفضلاء يقوم على مشروع دعوي في بلدٍ مسلم ، في جُزُر نشط فيها التنصير ، ولم يصل إليها دُعاة الإسلام والتوحيد ، والجهل منتشر ، والكنائس تُبنى وتتكاثر ، وجهد الحكومة شبه معدوم . فذهب هذا الأخ ، وأقام مشروعاً ناجحاً ، يذهب إليهم في كل سنة مرتين أو ثلاثة ، ويحضر عنده الألوف منهم يُفيدُهم ، ويرفقُ بهم ، ويثبِّتُهم على دينهم . العجيب من الأمر أنه بعد مدة من بقائه في تلك الجزر وجد رجلاً سوري الجنسية ذا علمٍ ودين ، كان يعمل في السعودية ، وبقي فيها مدة من الزمان ، حتى اجتمع له مبلغاً متوسِّطاً من المال ، فهاجر وانتقل بالكلية ليسكن هناك في تلك البلاد البعيدة جداً ، محتسباً ، يعلم الناس القرآن ، والدين ، ويدعو إلى الله {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }.


سابعاً ، وأخيراً : السفر لأجل النكاح ، والزواج أمرٌ مشروعٌ مرغَّبٌ فيه في الشريعة الإسلامية ، ولا حرج أن يكون من شرق البلاد أو غربها من مسلمة ، أو كتابية محصنةٍ عفيفة ، ولكنما قصدتُ ما يسميه بعضُ الناس بالزواج الصيفي ، أو بما أطلق عليه البعض اسم (زواج المسفار) ، وهو ضربٌ من الزواج أصبح ثقافة معروفة ومقبولة عند بعض الناس ، ويستدلون عليه بفتاوى لبعض أهل العلم تتضمن جواز أن يتزوَّج الرجل المرأة وقد استحضر نية الطلاق ، وهو قولٌ له اعتباره عند أهل العلم ، ولكنما الذي لا ينتبه له هؤلاء أنه لا يمكن لأحدٍ من أهل العلم ، حتى من أباح الزواج بنية الطلاق أن يبيحوا الصورة الموجودة الآن ، والتي فيها من الغش والخداع والتحايل من الزوج والزوجة ، وفيها تدخُّلٌ لسماسرة الربح ، وتجار الأعراض ما الله به عليم . وفي بعض بلدان العالم الإسلامي التي انتشر فيها هذا الأمر ، وعُرفنا به نحن العرب والخليجيون مع بالغ الأسف- إذا نزلتَ المطار ابتدرك من يعرض عليك فتياتٍ للزنى ، أو للزواج المؤبد ، أو للزواج بنية الطلاق ، أو للسهرات ... وما إلى ذلك ، وفي عدد من المرات يكُنَّ هُن هنَّ فإذا جاءها الزبون للزنى زنى بها ، وإن كان طلب الزبون الزواج تزوَّج ، وربما تزوَّجها وهي متزوجة ذات بعل ، لا يسألُ عن أصلها ، ولا عفافها ، ولا دينها ، إنما همُّه (سياحةُ الفروج) ، والتنقُّل بين الحسناوات ، ولا عليه إن كان هذا من حلال أم من حرام ، وإنما يضع لنفسه فتوى لبعض أهل العلم ، يحملها على غير وجهها ، ليُفسد ويلعب ، ويتنقل بين النسوة . وفي الحالات التي يهتدي فيها لأسر صالحةٍ أو محافظةٍ تحافظ على بناتها فإنه يُدلِّسُ عليهم ويغُشَّهم ، ويوهمَهم نيته في بناء أُسرةٍ مستقرة ، ثم لا يلبث أن يطلِّق ابنتهم ، ويترك ابناً أو بنتاً في أحشائها ، لا يصرفُ عليه ، ولا يسألُ عنه ، ولا يترك لهم عنواناً صحيحا ليتصلوا به من بعد ، فينشأ جيل من الأبناء أيتامٌ وآباؤهم أحياء ، قد بخلوا عليهم بالحب ، والنفقة ، والزيارة ، وحتى الاعتراف . وفي أروقة المحاكم من ذلك قصصٌ تشيب لها الرؤوس ، وقد نُشرت حديثاً تقارير تفيد بوجود أكثر من ثمانمائة وخمسين طفلا من هذا النوع ، ولدوا لآباء سعوديين من أمهات غير سعوديات ، دون معرفة هوية آبائهم ، هذا غير الأطفال الذين حمل أهلوهم فضيحتهم ، وسكتوا على مصابهم فلم يبلغوا الدوائر المختصة ، وغير بنات الهوى اللواتي يحسبهم البعض زوجات ، ثم هن يلقين بالأجنة إلى المزابل {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}


وفيهم متدينون وغير متدينين ، وأُفٍ والله لمثل هذا التدين يستحلون به محارم الله بأدنى الحيل ، ويُفسدون في الأرض ولا يُصلحون .


اللهم أصلح فساد قلوبنا ، واهدنا سبل السلام ، اللهم اغفر الذنب ، واستر العيب ، وتجاوز عن الزلة ، واجعلنا بحبلك مستمسكين ، وعلى صراطك مستقيمين ، والحمد لله رب العالمين .


 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 24-10-2008

الزوار: 731

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
حرمة الدماء والأموال المعصومة
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
الغبار مأمور
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44666
[يتصفح الموقع حالياً [ 12
الاعضاء :0 الزوار :12
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3