اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :الغبار مأمور

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : الغبار مأمور

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ،  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }

أما بعد ، فإن خير الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكلَّ بدعة ضلالة .

أيها المسلمون ، نعيش منذ أسبوعين أو أكثر موجة من الغبار ملأت الفضاء والهواء ، وعمَّت جميع الأرجاء . غبارٌ متطايرٌ يُضيِّقُ النَّفَس ، ويُعشي العينَ ، ويُشعثُ الشعرَ ، ويوسِّخ الجسد والثياب . ويَعظُمُ الخطبُ عند الأطفال ، والمصابين بأمراض التنفُّس والربو وغيرِه وقد ضاقت بالألوف منهم المستشفيات ، وعند الفقراء وأشباه الفقراء الذين ليس لبيوتهم من أبواب موصدة ، ونوافذ مُحكمة .. فتجدُ الواحدَ منهم يلحقه الغبار وأذاه حتى وهو في بيته أو في فراشه .

والكون لله ، والمُلكُ مُلكُه ، والخلقُ خلقُه ، والأمرُ أمرُه ، ونحن عبيدُه يصنع فينا ما يشاء سبحانه وتعالى ، وهو الكبير المتعال . ولكنما للمؤمن مع أكثر ما يُلِم به من أحداث ونوائب وقفاتٌ ؛ يستلهمُ فيها الدروسَ والعِبَر ، ويتأمَّلُ في حكمةِ الله ووجوهِ تصريفه لخلقه ، ويبحثُ عن عبادةٍ تناسب هذه الوقتَ والظرفَ يتعبَّدُ بها لسيِّدِهِ ومولاه ، ينظُرُ في أمره ، ويُصَدِّقُ خَبَرَه ، ويرجو خيرَه ، ولا يأمنُ غِيَرَه .

وأول ذلك أننا نعلم جميعاً ، يا عباد الله ، أنه ما نزل بلاءٌ إلا بذنب ، ولا رُفع إلا بتوبة ، وأننا في هذا الزمان قد كثُرت ذنوبُنا ، ونحن نعلم ، وزاد إعراضُنا عن الله ، ونحن نعلم ، وبارزْنا الله بأنواعٍ من المعاصي والآثام منها الكثيرُ ومنها القليل ، وأقدمنا عليها بإصرار وطُمأنينة نفس وكأننا لا نبارز جبار السموات والأرضين بما يُغضبه ، وكأن الواحد منا لم يسمع إلى قول الله تعالى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ، أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ ، أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ، أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } . أحبتي في الله ، أيها المسلمون ، ومعنى المسلم أنه المستسلم لله ، المستسلم لأمره ونهيه ، والراجي لوعده ، والمُحاذرُ من وعيده ، الذي يُقدم على الذنب إن أقدم عليه غفلةً أو غَلَبَةً ، ويقعُ في الذنب ثم يتوبُ منه ، ويقع في الذنب ثم يتوبُ منه ، فلا يزال هكذا ، كلَّما أذنب خاف واستغفر ، لا يمنعُهُ ذنبُه من معاودته ربَّه ، حتى يقول الله له : قد غفرتُ لك ذنوبَك ، وأمَّنتُك مما تخاف . نعم إن كل بني آدم خطاء ، وإن الذنوب لم يسلم منها أشرفُ جيلٍ عرفته الأرض ، ولكن قولوا لي بربكم أذنوبُنا مثل ذنوبهم ، قولوا لي بربكم أقلوبُنا مثلَ قلوبهم ، يفعل الواحدُ منا من الكبائر عشراً ، ويخرب من عمران حسناته مِصرا ثم يقول بقلب بارد اللهم غفرا غُفرا ، لم تُحرق المعصيةُ قلبَه ، ولم تغيِّر العقوباتُ له طريقةً في حياته ، مالُه في الربا ، ونساؤه في التبرج والسفور ، أمانته ضائعة ، وعهوده غادرة ، الكذب ديدنه ، ومشاهدة الحرام وسماعه ومخالطة النساء جزءٌ من يومياته ، فروضه ضائعة ، وإن قام للصلاة صلى فرضاً أو يوماً وأضاع أسبوعاً {لاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ } . فقل لي بربك أهذه حال يحبها الله من مسلم ؟

إن المراقب ليلحظ تفشي الكثير من المنكرات لم تكن تُعرف بهذا الحجم فينا من قبل ، ومن ذلك قضايا الزنا واللواط والاختطاف وأنت ترى في الصحف في كل يوم من ذلك خبراً ، ومن ذلك القنواتُ الإباحية التي تموَّل بأموالنا وتدخُلُ بيوتنا وأمرها وشررها في ازدياد ، ومن ذلك ارتفاع وتيرة الخلط المتعمَّد للنساء بالرجال ، وإجبارُ الناس وإحراجُهم في ذلك ، ومن ذلك انتشارُ الخمور والمخدرات ووصولُها إلى شرائح واسعة من الناس ، ومن ذلك أكل أموال الناس بالباطل بالمساهمات الكاذبة وتلاعباتِ سوق الأسهم ، التي عادت أشبهَ ما تكون بأسواق القمار بسبب تصرفات هؤلاء المحتالين ، ومن ذلك الجشعُ والطمع ، ورفعُ أسعار أمورٍ وسِلَعٍ كثيرةٍ لا مبرر لها إلا الطمعَ والتضييقَ على الناس في معايشهم ... أفبعد هذا وغيرِ هذا مما لم أذكر نأمن من عقوبة الله . نعم إنه في الوقت الذي طال فيه انتظارنا لنزول المطر من السماء أمطرت السماء غباراً وتراباً ، ونعوذ بالله من أن تمطر علينا حجارة من السماء .  ولبعضهم يذم بغداد :

زاد هذا الزمانُ شرا وعسرا * عندنا إذ أحلنا بغداذا

بلدة تمطر الغبار على الناس * كما تمطر السماءُ الرذاذا

توبوا إلى الله يا عباد الله واستغفروه ، وراجع نفسك أخي ، وأعِدَّ قائمةً هي مكتوبةً عليك بسيئاتك ، نعم هي مكتوبة لكنك لا تصلُ إليها في الدنيا ، فاكتُبها لتنظُرَ فيها ، ولتعلم هل أنت أقرب إلى رحمة الله أم إلى سخطه وأليم عقابه . يجب أن نبدأ بأنفسنا ، وأن لا نجعل الخطأ على غيرنا ، نعم أنا يجب عليَّ أن أُراجع نفسي وأعمالي ، وأنت أنت يا من تستمع إليَّ الآن قد لا تكون شر عباد الله ، ولكني ولكنك عندنا ما يستوجب أن ننظر معه إلى أنفسنا ، لا أن ننظر إلى غيرنا ، ونحمِّلَه المسؤولية لنخرج نحن من التبعة .

ثم اعلم أن غضب الله إذا نزل فليس تنفعُ معه الحيل ، وأنه إذا تأخَّر فإنما ذلك استدراج ، عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يُحب فإنما هو استدراج ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} رواه أحمد.

فاللهم إنا نستغفرك ، ونتوب إليك ، اللهم إنا ذنوبنا قد عظُمت ، وأنت أرحم الراحمين ، اهدنا ، وعافنا ، واعفُ عنا ، واكشف ما بنا من بلاء ، إلهي لا تعذبنا فإنك غنيٌ عن تعذيبنا ، ونحن عبيدُك الفقراء إليك ، المعترفون بالذنب بين يديك ، رحمتك نرجو أن تكشف ما بنا ، وأن تغفر لنا ذنوبنا ، وأن تسلكنا في عبادك الصالحين . اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أحيي بلدك الميت ، واسقِ أرضك وبهائمك ، واطرح بالمطر عنا هذا الغبار يا ذا الجلال والإكرم .

وإنه من خبر الاستسقاء أنه وكان سنة من السنين قحطٌ فخرج الناس إلى الاستسقاء إلى المصلى فلما ارتفع النهارُ جاء غبارٌ وريحٌ وظُلمةٌ لا يستطيع أن يرى أحدٌ أحداً من شدة الغبار . فقال بعض الصالحين : جئنا بأبدان مظلمة ، وقلوب غافلة ، ودعاءٍ بلسانٍ مثلِ الريح ، فنحن نكيل ريحا فيُكالُ علينا ريح . فلما كان الغد خرج وكان فقيرا ليس وراءه دنيا ولكن له جاهٌ عند الناس فدخل على أبناء الدنيا وأخذ منهم شيئاً ، وأمر بشراء بقرة وكثير من لحم الغنم والأرز والحلواء ، وأمر مناديا في البلد : ألا من كان له حاجة في الخبز واللحم والحلوى فليمض غدا إلى المصلى . وأمر بالطعام حتى حُمل إلى المصلى . فلما كان الغد خرجوا وأمر بطبخ المرقة والأرز والحلواء وجاؤوا بخبز كثير ، وجاء الفقراءُ من الرجال والنساء والصبيان وأكلوا وحملوا إلى وقت العصر . يقول القائل : فلما صلينا العصر إذا قطعة سحاب . فقال لنا : شمروا حتى نرجع . فجاء الحمالون فأخذوا الآلات ورجعوا وأصحابه معهم وبقي هو وهو صائم ومعه أحد أصحابه صائمٌ مثله.  يقول : فرجعنا فلما بلغنا إلى محلة جودي كان قريبا من صلاة المغرب فمُطرنا مطرا لا نستطيع المضي بحال ، فطلبنا مسجدا فدخلناه وجاء المطر كأفواه القِرَب والمسجد يَكِفُّ بالمطر.

وقال الحسن بن محمد: قُحط الناس في بعض السنين آخر مدة الناصر، فأمر القاضيَ منذرَ بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس، فصامَ أياماً وتأهب، واجتمع الخلق في مصلى الربَض، وصعد الناصر في أعلى قصره ليشاهد الجمع، فأبطأ منذر، ثم خرج راجلا متخشعا، وقام ليخطب، فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته بأن قال: سلام عليكم، ثم سكت شبه الحسير، ولم يكن عادته، فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه، ثم اندفع، فقال: (سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة) الآية [ الانعام: 54 ] استغفروا ربكم وتوبوا إليه، وتقربوا بالاعمال الصالحة لديه، فضج الناس بالبكاء، وجأروا بالدعاء والتضرع، وخطب فأبلغ، فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم.

واستسقى مرة، فقال يهتف بالخلق: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ،إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وما ذلك على الله بعزيز}   فهيج الخلق على البكاء.

قال: وسمعتُ من يذكر أن رسولَ الناصر جاءه للاستسقاء، فقال للرسول: ها أنا سائر، فليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة في يومنا هذا ؟ فقال: ما رأيته قط أخشع منه في يومه هذا، إنه منفرد بنفسه، لا بس أخشن الثياب، مفترش التراب، قد علا نحيبه واعترافه بذنوبه، يقول: رب هذه ناصيتي بيدك.

أتراك تعذب الرعية وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم، أن يفوتك مني شئ.

فتهلل منذر بن سعيد، وقال: يا غلام احمل المِمْطَرةَ معك، إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء.

 

وإن هذا الغبار والدخان أيها المسلمون لمما يتذكر به المسلم ما حذَّر به النبي صلى الله عليه وسلَّم مما يكون بين يدي الساعة من الدخان ، قال تعالى : {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ، يغشى الناس هذا عذابٌ أليم}

عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر . فقال ما تذكرون ؟ . قالوا نذكر الساعة . قال إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم . وفي رواية نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر . رواه مسلم

وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال ستا . الدخان والدجال ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم . رواه مسلم

وهو دخان يعُمُّ الأرض ورد في بعض الآثار أنه يكون على المؤمن مثلَ الزكمة ، وأنه يكون آخذا بنفس الكافر .

 

ومما يتذكره المسلم في مثل هذه الأجواء قول الله تعالى في سورة عبس : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)}  يقول تعالى ذكره:( وَوُجُوهٌ) وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر( تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة.

 

ومما يتذكره المؤمن حينما يؤذيه الغبار أن يتذكر يوم يُملأ أنفُه وجسدُه غُباراً وتُراباً ، عن علي بن الحسن قال كان عمر بن عبد العزيز في جنازة فنظر إلى قوم في الجنازة قد تلثموا من الغبار وعدلوا من الشمس إلى الظل ، فنظر في وجوههم وبكى وقال  :

من كان حين تصيبُ الشمسُ جبهتَه * أو الغبارُ يخافُ الشَينَ والشَعَثا

ويألف الظل كي تبقى بشاشتُه * فسوف يسكن يوما راغما جَدَثا

في قعر مُقفرة غبراءَ مُظلمةٍ * يطيلُ تحت الثرى في جوفها اللَبَثا

 

اللهم اجعلنا في ذلك اليوم من السعداء ، واكتُب لنا من فضلك ما تحفظنا بما تحفظُ به عبادك الصالحين ، يا رب العالمين ، والحمد لله رب العالمين .


 

{َوالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً{1} فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً{2} فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً{3} فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً{4} فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً{5}}

أقسم الله تعالى بالخيل الجاريات في سبيله نحو العدوِّ، حين يظهر صوتها من سرعة عَدْوِها  { فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) }فالخيل اللاتي تنقدح النار من صلابة حوافرها؛ من شدَّة عَدْوها { فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) }فالمغيرات على الأعداء عند الصبح. { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) } فهيَّجْنَ بهذا العَدْو غبارًا. { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5)} فتوسَّطن بركبانهن جموع الأعداء.

إن تقلُّب الأحوال لا تمنع عباد الله الصالحين من القيام بواجباتهم من جهادٍ في حقه ، ومن تعليمٍ للعلم ، ومن دعوةٍ إلى الله ، ومن القيام بطاعة الله المستحقة في الوقت من لزوم الجمعة والجماعة ، ومن القيام بأمر الله في كل وقت بما يناسبه . وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرتجز وهو يُشاركُ في بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ، أول الهجرة ، يقول :

لا يستوي من يعمر المساجدا * يدأب فيه قائماً وقاعداً *

ومن يُرى عن الغبار حائدا

وقالت صفية بنت عبد المطلب عندما حوصر النبي صلى الله عليه وسلم في الشِّعب :

وإنا والسواع يوم جمع * بأيديها وقد سطع الغبارُ

لنصطبرنْ لأمر الله حتى * يبيِّن ربنا أين القرار

وعن عبد الرحمن بن جبر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار .  رواه البخاري واللفظ له ،  ورواه النسائي والترمذي في حديث ولفظه : من اغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ، ولا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم .  رواه الترمذي واللفظ له وقال حديث حسن غريب صحيح والنسائي والحاكم والبيهقي إلا أنهم قالوا :  ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبدا .

وقد كان الغبار في معارك المسلمين في عدة مرات جنديا من جند الله يعاون المسلمين على النصر ، ففي عام تسعة وأربعين وثمانمائة حصل للمسلمين نصرٌ على الروم لم يكن على الخاطر؛ وذلك أن الكفار كانت لهم مدةٌ في التجهيز لأخذ بلاد السواحل من المسلمين والتوصل إلى الاستيلاء على بيت المقدس، فاجتمع منهم من جميع أمصارهم من يستطيع القتال، ولم يشكُّوا هُم ولا مَلِكَ المسلمين في أخذ السواحل وانكسار عساكر المسلمين، ففتح الله للمسلمين بالنصر ، بأن ملك الكفار لما رأى قلة عسكر المسلمين طمع فيهم ؛ فحمل بنفسه وكان شجاعاً بطلاً، فقتل من المسلمين عدة أنفس ورجع، ثم حمل ثانياً فصنع ذلك، ثم حمل ثالثاً فاستقبلوه بالسهام فأصابه سهم فسقط، فنزل فارسٌ من المسلمين فحز رأسه وسار به إلى ملك المسلمين، فنصب رأسه على رمح ونادى في الكفار بقتل ملكهم، فانهزموا بغير قتال وتبعهم المسلمون فبادروهم أسراً وقتلاً، وصادفهم في تلك الحالة اجتماع عدة من الوحوش الكاسرة على جماعة من الغزلان اجتمعت في مكان، فثار بين الفريقين غبرة عظيمة وظنها الكفار نجدة من بلاد المسلمين من مصر أو غيرها، فاشتد رعبهم وانهزموا لا يلوي أحد على أحد، واشتد الغبار فقتل بعضهم بعضاً وكفى الله المؤمنين القتال.              إنباء الغمر

وفي معركة أُخرى سابقة على هذه في عام ثلاثة وستين وأربعمائة خرج أرمانوس ملك الروم في مائتي ألف من الروم، والفرنج، والغرب، والروس، والبجناك، والكرج، وغيرهم، من طوائف تلك البلاد، فجاؤوا في تجمل كثير، وزي عظيم، وقصدوا بلاد الإسلام، فوصلوا إلى ملاذكُرد. فبلغ السلطان ألب أرسلان الخبر، وهو بأذربيجان، قد عاد من حلب، وسمع ما فيه ملك الروم من كثرة الجموع، فلم يتمكن من جمع العساكر لبُعدها وقُرب العدو، فسار هو فيمن عنده من العساكر، وهم خمسة عشر ألف فارس. وجَدَّ في السير، وقال لهم: إنني أقاتل محتسباً صابراً، فإن سلمتُ فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإن ابني ملكشاه وليُّ عهدي، وساروا.

فلما قارب العدوَّ جعل له مقدمة، فصادفت مقدَّمته مقدَّمَ الروسية في نحو عشرة آلاف من الروم، فاقتتلوا، فانهزمت الروسية، وأُسر مقدَّمُهم، وحُمل إلى السلطان، فلما تقارب العسكران أرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة، فقال: لا هدنة إلا بالري، فانزعج السلطان لذلك، فقال له إمامُه وفقيهُه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي: إنك تقاتلُ عن دينٍ وَعَدَ اللهُ بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة، بعد الزوال، في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة.

فلما كانت تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطانُ، فبكى الناسُ لبكائه، ودعا ودعوا معه، وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمرُ وينهى، وألقى القوس والنُشاب، وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذَنَبَ فرسه بيده، وفعل عسكرُه مثلَه، ولبس البياض، وتحنط، وقال: إن قُتلت فهذا كفني. وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجَّلَ وعفَّرَ وجهه على التراب، وبكى، وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل وحملت العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاؤوا، وأنزل الله نصره عليهم، فانهزم الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى، وأُسر ملك الروم، أسره بعض الغلمان وأراد قتله ولم يعرفه، فقال له خادمٌ مع الملك: لاتقتله، فإنه الملك.

اللهم انصر دينك وكتابك ، وسنة نبيك وعبادك الصالحين ، اللهم اكشف الكربة ، وأنزل المطر ، وادفع عنا أسباب سخطك . اللهم اغفر لنا ، وتب علينا ، ووفق أبناءنا لكل خير . اللهم اعصمنا من الذنوب والكبائر ، ووفقنا مع كل ذنب لتوبة ، واقبل منا ، واعفُ عنا ، وسخِّرنا للهدى والخير ، وسخر الهدى الهدى لنا ، والحمد لله رب العالمين .


 

ملاحق:

لا يعجبنك من يصون ثيابه  * حذر الغبار وعرضه مبذول

ولربما افتقر الفتى فرأيته * دنس الثياب وعرضه مغسول

وبمعناه قول الشافعي :

علي ثياب لو يباع جميعها              بفلس لكان الفلس منهن أكثرا

وفيهن نفس لو تقاس ببعضها   نفوس الورى كانت أجل وأكبرا

وما ضر نصلُ السيف إخلاقُ غِمده إذا كان عضبا حيث وجهتَه فرى

 

 

وَالدَمعُ يَغسِلُ ما بِالقَلبِ مِن وَضِر       كَما يَزولُ غبارَ الأَرضِ بِالمَطَر

 

وعن يزيد بن أبي مريم رضي الله عنه قال

 لحقني عباية بن رفاعة بن رافع رضي الله عنه وأنا أمشي إلى الجمعة فقال أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله سمعت أبا  عبس يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  من اغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار .  رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ،  ورواه البخاري وعنده :  قال عباية أدركني أبو عبس وأنا ذاهب إلى الجمعة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :  من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار  وفي رواية  ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار

 

عن عائشة -زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي ، فياتون في الغبار ، يصيبهم الغبار والعرق ، فيخرج منهم العرق ، فأتى إنسان منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهو عندي - ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا)) خ

 

ونقل أبو علي الغساني الجياني أن عبد الله بن المبارك المذكور سئل: أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا

 

وكان سيف الدولة قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً وعمله لبنة بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده، فنفذت وصيته في ذلك.

سنة432 في هذه السنة كان بإفريقية غلاء شديد، وسببه عدم الأمطار، فسميت سنة الغبار، ودام ذلك إلى سنة أربع وثلاثين، فخرج الناس فاستسقوا.

 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 7 /5 ( 1 صوت )

تاريخ الاضافة: 24-10-2008

الزوار: 1109

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
مسافرون بهويات مختلفة
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
من فقه الدعوة
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44669
[يتصفح الموقع حالياً [ 17
الاعضاء :0 الزوار :17
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3