اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :التراحم سبيل تهوين الكربات

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : التراحم سبيل تهوين الكربات

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ،  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }


أما بعد ، فإن خير الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وشرَّ الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة


أيها الناس إن الله خلق الناس في هذه الحياة الدنيا ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، وابتلى بعضهم ببعض لينظر كيف يعملون قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}  الفرقان20  قال ابن جرير رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره: وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض، جعلنا هذا نبياً وخصصناه بالرسالة، وهذا ملِكاً وخصصناه بالدنيا، وهذا فقيرًا وحرمناه الدنيا ؛ لنختبر الفقيرَ بصبره على ما حُرم مما أُعطيه الغنيّ، والملكَ بصبره على ما أُعطيه الرسول من الكرامة، وكيف رضى كلُّ إنسان منهم بما أُعطي وقُسم له، وطاعتُه ربَّه مع ما حُرم مما أُعطي غيرُه.اهـ


وجعل الله هذه الدنيا دار ممر لا مستقر للناس فيها ، ولا تدوم لهم على حال ، فهي إن سرَّت أو غرَّت يوماً فإنها تعود لتبدل وجهها وتلقاك بغير ما عوَّدتك أياماً وأياماً . ولأجل ذلك أيها الناس فإن نُوَبَ الزمان وأكدارَه تحتاج من الإنسان إلى أن يتعامل معها بفقه وصبر .. والصبر مُر .. والفقهُ قليل .. والتوفيق بيد من إليه مقاليد الأمور سبحانه وتعالى .


وكم طحنت الدنيا بقساوتها أُناساً ، وكم أهلكت أو فرَّقت أو أفقرت . ولذا فإن قساوة هذه النائبات لمما يحتاج الناس والمجتمعات معها إلى البلسم الشافي ، والترطيب الرقيق ؛ لتَذهبَ رطوبةُ هذا بقساوةِ هذا ، وليختلط مرارةُ هذا بحلاوة هذا ، فتعود المصائب والأحزان أموراً عادية مقدوراً على التعاطي معها . هذا هو شأن المجتمع المسلم الذي أسَّس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد التراحم والتعاطف بين الناس ، ورفع لواءها بنفسه ، وطبقها في سيرته ، واعتمدتها دولةُ الإسلام في عصور الإسلام الزاهية . إن مجتمعاتِ المسلمين مجتمعاتُ تراحمٍ وتآلُفٍ ، وإن من حق مُصاب المسلمين على إخوانه : المواساةُ ، والنُّصرةُ ، والمعاونةُ ، والعِوَضُ إن كان العِوَضُ مما يقدر عليه البشر . ولذا فإن الأخلاق الإسلامية ليست مما يُصلح شأن الآخرة وحدها ، ولكنها صلاحُ الدين ، وعِمارَةُ الدنيا وجمالُها .


قال تعالى :{ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ} الشورى: ١٩ قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله : يخبر تعالى بلطفه بعباده ليعرفوه ويحبوه، ويتعرضوا للطفه وكرمه. واللطف من أوصافه تعالى معناه: الذي يُدركُ الضمائرَ والسرائر، الذي يوصلُ عبادَه -وخصوصا المؤمنين- إلى ما فيه الخير لهم من حيثُ لا يعلمون ولا يحتسبون. فمن لطفه بعبده المؤمن، أن هداه إلى الخير هداية لا تخطر بباله، بما يسَّر له من الأسباب الداعية إلى ذلك، من فطرته على محبة الحق والانقياد له وإيزاعه تعالى لملائكته الكرام أن يثبتوا عباده المؤمنين، ويحثُّوهم على الخير، ويُلقوا في قلوبهم من تزيين الحق ما يكون داعيا لاتباعه.


ومن لطفه أن أمر المؤمنين، بالعبادات الاجتماعية، التي بها تقوى عزائمهم وتنبعث هممهم، ويحصل منهم التنافس على الخير والرغبة فيه، واقتداء بعضهم ببعض.


ومن لطفه، أن قيض لعبده كلَّ سببٍ يَعُوقُه ويحولُ بينه وبين المعاصي، حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها مما يتنافس فيه أهل الدنيا، تقطع عبده عن طاعته، أو تحمله على الغفلة عنه، أو على معصية صرفها عنه، وقَدَرَ عليه رزقه، ولهذا قال هنا: { يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ } بحسب اقتضاء حكمته ولطفه { وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } الذي له القوة كلُّها، فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين إلا به، الذي دانت له جميع الأشياء. اهـ


والله تعالى أرحم الراحمين ، وقد أوصانا بهذه الرحمة وأخبرنا رسوله أن أولى الناس برحمة الله هم أهل الرحمة في الأرض ، وأن أبعد الناس عن الله وعن رحمته القُساةُ الغِلاظُ الجُفاة ، أهل الفظاظة والفجاجة ؛ فعن الصنف الأول جاء ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ . رواه أبو داود وغيره .


        وعن الصنف الثاني : قال جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ . رواه البخاري .


وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها ، وأخَّر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة . رواه مسلم


عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحَلَّبَ ثَدْيُهَا تَسْعى ، إِذَ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ . فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا . رواه البخاري .


وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بفقير ويتيم وأسير وبهيمة ، كانت رحمته صلى الله عليه وسلم تسع الموافق والمُخالف ، وكان لُطفه وبره ، يغمر صديقه وعدوَّه . قال تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}  آل عمران: ١٥٩


وقد علَّم صلى الله عليه وسلَّم مجتمع المسلمين هذه الأخلاق ، ونقلها إليهم ، فكان المهاجرون والأنصار أبرع الناس في المواساة والتراحم ، وأجودهم يداً لضيف ومسلم ومهاجر ، وكان الأنصاري ينزل للمهاجري عن نصف ماله ، ولربما نزل له عن زوجه ، وفي بعض المرات أخذ بعضهم ضيف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يجد له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يُطعمه ، فيأُخذَه ويُطعمه قوته وقوتَ صبيانه لينام هو وزوجه وأولاده طاوين دون طعام .


وإننا أيها المسلمون في ظل الظروف التي نعيشها من انتشارٍ للغلاء ، وازديادٍ في الفقر ، وتناقصٍ في أسباب العيشةِ الكريمة ، لا بد لنا من أن تذكر ونتذاكر أخلاق الإسلام وأن نعيد النظر في تقويم أدوارنا الاجتماعية . إن ما ذُكر من أوجه صعوبة العيش في هذه الأيام إنما هو جزء من المشكلة لا كلها ، ويزيدُ هذا الجزء سوءً تسلط الأقوياء على الضعفاء ، وتراجع دور التكافل والتراحم في مجتمعاتنا . أخوتي في الله ، إن نزول الثقل الشديد على الفرد الواحد مع أسرته قد يكسره ، ويعرضَه وأهله للتلف ، ولكنَّ القاعدة النظرية كما القاعدة الفيزيائية- تقول بأن توزيع الأحمال يخفِّف ويهوِّن من الأثقال . ولذا فإن المجتمعات المتراحمة ، المتكافلة تقل فيها الجرائم والسرقات ، وتتناقص فيها نِسَب الطلاق ، وتخف فيها الضغوط النفسية ، ولا وجود فيها للأحقاد فالفقير يحترم الغني ، والغني يحنو على المحتاج .


إننا في غمرة حياتنا المادية المعاصرة ، وفي زخم شيوع النظر للمصالح ، وتقديم المصالح ، وبناء العلاقات على أساس من المصالح نكون بحاجةٍ إلى بناء القيم قبل وأثناء وبعد هذا البناء المصلحي . كم نحن بحاجةٍ إلى معاني : الكرمِ ، والرحمةِ ، والتجاوزِ ، والتغاضي ، والإحسانِ ، والبرِ ، والصبرِ ، واللينِ ، والرفقِ ، والسماحةِ ، والبشاشةِ ، والوفاءِ ، والصدقِ ، والأخوةِ ، وتوفيةِ الكيل والميزان لا تطفيفِه . لا بد من رحمةِ العامة الرحمةَ العامة فعن ابن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَرْحَمُوا ، قَالُوا كُلّنَا رَحِيم يَا رَسُول اللَّه ، قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدكُمْ صَاحِبه ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ النَّاس رَحْمَةُ الْعَامَّة"  أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَاله ثِقَات.


إن من حاجات الإنسان الضرورية : طعامَه الذي يأكلُه ، ولباسَه الذي يستُرُه ، والبيتَ الذي يأوي إليه ، والدواءَ الذي يداوي به علتَه ، المركبَ الذي يستغني به عن الناس ، والزوجَ التي يسكُنُ إليها ، والعملَ أو الوظيفةَ التي يحقق بها قدرا من احترامه لنفسه ، واحترام الناس له ، ثم يكسب بها مدخولاً يُعفُّه ، ويُعفُّ به أهلَه . بل إن من حقوق المواطن في الدول المتقدمة أن يحصل حتى على الراحة والرفاهية اللازمة للعيش الهنيء الواسع . فهل تحققنا من أن الناس من حولنا يلبسون ويأكلون ويتداوون ويتزوجون ، بل ويسكنون بالقدر الذي يحفظ لهم كرامتهم ، ويحفظهم من الذل أو البُؤس .


إننا ، يا أيها الأخوة في الله ، قد لا نشعر بمعاناة كثيرٍ ممن حولنا ، وتزداد الأمور صعوبة وحلوكة ، ونظن أن كل الناس بخير وعافية "وذلك أن القلب يتبلَّد في المجتمعات التي تضج بالمرح الدائم ، والتي تُصبحُ وتُمسي وهي لا ترى من الحياة غير آفاقها الزاهرة ، ونعمِها الباهرة . والمُترفون إنما يتنكَّرون لآلام الجماهير ؛ لأن الملذَّات التي تُيسَّر لهم تُغلِّفُ أفئدتهم ، وتطمسُ بصائرَهم ، فلا تجعلْهُم يشعرون بحاجة المحتاج ، وألم المتألم ، وحُزن المحزون . والناس إنما يُرزقون الأفئدةَ النبيلة ، والمشاعرَ المُرهفة عندما يتقلَّبون في أحوال الحياة المختلفة ، ويَبلُون مسَّ السراء والضراء .. عندئذ يحسون بالوحشة مع اليتيم ، وبالفقدان مع الثَّكلى ، وبالتعب مع البائس الفقير"[1]


إن من الناس إخواني في الله من هم بلسم الجروح ، ودواء العلل ، ومن إذا كانوا طرفاً من النازلة خفف الله بهم ، وجعلهم رحمةً من رحمته ، فما أشرف مكانتهم ، وما أحسن مثابتهم ، يرضى عنهم اللهُ ، ويُرضي عنهم الناس .


وإن منا من هم أطراف في مشاكل الناس ، وشؤمٌ على مجتمعاتهم ، لا ينظرون أبعد من مواضع أقدامهم ، يغلبهم الجشع والشح ، وتغيب عنهم الإنسانية والمراحم .


وإن من صنيع الصنف الأول كثرة الصدقات إذ إن في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم ، قال ابنُ عباس ومجاهد وغيرهم : هو حقٌ معلوم زائد على الزكاة المفروضة ، وتجد منهم من يضع عن المعسر ويتجاوز عنه لأنهم يعلمون قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ . رواه البخاري . وتجدهم يخففون في زمن الغلاء من أرباحهم ؛ لعلمهم بأن القليل المبارَكَ فيه المرحومَ صاحبُه ينفع ما لا ينفع ما سواه من المال . ثم هم يقومون بالمشاريع التي يبتغون بنجاحها تخفيف الخناق عن أهليهم وأوطانهم وإخوانهم ، همُّهم المصلحة العامة ، وشاغلهم صلاح المسلمين ، يؤسسون لمشاريع التوظيف ، والتسكين ، وإرخاص الأسعار ، والمساعدة على تزويج الشباب والشابات رضي الله عنهم ، وبارك الله لهم في أرزاقهم ، وأعقبهم كل خير في أنفسهم ، وأهليهم ، وذريتهم .


عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتضى . رواه البخاري وابن ماجه واللفظ له . ورواه الترمذي ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلا إذا باع سهلا إذا اشترى سهلا إذا اقتضى .


وأما أهل الفضل والسابقة والمعروف على غيرهم فإنهم أولى الناس بالتبرر بهم فعن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى السُّوقِ فَلَحِقَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَكَ زَوْجِي وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا وَاللَّهِ مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا وَلَا لَهُمْ زَرْعٌ وَلَا ضَرْعٌ وَخَشِيتُ أَنْ تَأْكُلَهُمْ الضَّبُعُ وَأَنَا بِنْتُ خُفَافِ بْنِ إِيْمَاءَ الْغِفَارِيِّ وَقَدْ شَهِدَ أَبِي الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَفَ مَعَهَا عُمَرُ وَلَمْ يَمْضِ . ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ كَانَ مَرْبُوطًا فِي الدَّارِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ غِرَارَتَيْنِ مَلَأَهُمَا طَعَامًا وَحَمَلَ بَيْنَهُمَا نَفَقَةً وَثِيَابًا ثُمَّ نَاوَلَهَا بِخِطَامِهِ ثُمَّ قَالَ اقْتَادِيهِ فَلَنْ يَفْنَى حَتَّى يَأْتِيَكُمْ اللَّهُ بِخَيْرٍ . فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرْتَ لَهَا قَالَ عُمَرُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَبَا هَذِهِ وَأَخَاهَا قَدْ حَاصَرَا حِصْنًا زَمَانًا فَافْتَتَحَاهُ ثُمَّ أَصْبَحْنَا نَسْتَفِيءُ سُهْمَانَهُمَا فِيهِ . رواه البخاري .


وإن من الناس صنف هم الصنف الثاني مما ذكرنا يُغلون الأسعار ، ويأكلون أموال اليتامى ، ويخرجون اللقمة من بين أضراس المحتاجين ، لا تحرِّكُ قلوبَهم الخطوب ، ولا تدكدك قاسيَ أفئدتهم الكروب ، لا يُنظرون مُعسِراً ، ولا يُقرضون مُحتاجاً ، إذا سلِمَت لهم معايِشَهم وهيهات- فلتذهب الدنيا وأهلَها إلى الجحيم وفي مثلهم يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم داعياً ربَّه عليهم : اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به . رواه مسلم . إنها عقبةٌ أيها المسلمون إيُّما عقبة ، فاللهم رحماك رحماك ، اللهم اغفر لنا الذنب ، وأدِرَّ لنا الضرع ، وبارك لنا فيما رزقتنا ، وأعنا وأعن بنا ، واجعلنا مفاتيح للخير ، مغاليق للشر ، آمين ، آمين ، والحمد لله رب العالمين .


 



 


الحمد لله الملك المعبود ، ذي الكرم والجود ، والصلاة والسلام على خير الوجود ، النبي الرؤوف الرحيم ، وأشهد ألا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله .


{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ{11} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ{12} فَكُّ رَقَبَةٍ{13} أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ{14} يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ{15} أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ{16} ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ{17} أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}  البلد: ١١ – ١٨ يقول: وممن أوصى بعضهم بعضا بالصبر على ما نابهم في ذات الله( وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) يقول: وأوصى بعضهم بعضًا بالمرحمة. عن ابن عباس (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) قال: مَرْحَمةَ الناس.


ثم هذه وصية للضعيف الذي ابتلاه الله بنائبة من نوائب الدهر من فقر أو مرض أو تسلُّط ظالم بأن الله يحب المؤمن القوي الذي يحتال لحاجته ، ويبتغي أسباب نجاته ، ويكره سبحانه وتعالى الضَّعف والعجز والخور ، فاعمل لنفسك ، واترك مسألة الناس ، وابتغ عند الله الرزق والحاجات ، فإن من أنزل حاجاته بالناس لم تُقضَ حاجاته ، ومن أنزلها برب الناس جعل الله له من كل هم فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً . أخي المحتاج توكَّل على الله ، فإن من توكَّل على الله كفاه وآواه ، وحينئذ تكون قد آويت إلى الركن الشديد ، واعلم أنك تكتسب بالتوكل عليه ثباتا تظل تقاوم به المحن حتى يلقاك فضلُ الله ، فتبرُقَ لك بشائر النصر والفرج .


إننا نطالب في ضوء هذه الظروف بإعادة فتح الباب للجمعيات الخيرية بعد ترشيدها ، وتوجيهها التوجيه الصالح ، ونطالب بتفعيل دور المساجد والجهات التطوعية ، فلعلنا أن ندرأ عنا سخط الله وعذابه .


وأطالبكم من هاهنا أخوتي أن ينظرَ الواحد منا في دوره تُجاه هذه النوازل ، وألا يبقى مكتوف اليدين عاجزاً ، لا نريدها آهةً تُصدرها وقت الخطبة ثم تنساها ، أو زفرة يأتي من قد يأتي بعد الخطبة ليجنيها وقد لا يكون مستحقاً ثم يشعر الواحدُ منا أنه قد أدى ما عليه . لا ، فانظر ماذا يمكنك أن تفعل ، وشاور من تصل إليه من أهل الرأي ، وكن من أهل الحق المعلوم الذين يوصلونه للسائل والمحروم ، من الذين يقتحمون العقبة ، ويصنعون المستقبل .


وأختم خطبتي بما أخرجه البخاري عن  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ . وأقول : لئن كانت الرحمة بكلبٍ تغفرُ ذنوب البغايا ، فإن الرحمة بالبشر تسوق المراحم والهدايا .


فاللهم ارحمنا برحمتك ، وارحم المسلمين مما ينزل بهم ، ادفع الكربة ، واكشف الغمة ، وأصلح الحال ، ووفق ولاة أمور المسلمين لصالح بلدانهم وأوطانهم .


 








[1] خلق المسلم للغزالي : 215 .

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 7 /5 ( 1 صوت )

تاريخ الاضافة: 24-10-2008

الزوار: 1452

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
قضية المرأة.. ثلاثون عاما ضد الفطرة
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
تجويع العالم وإهدار إنسانيته
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44669
[يتصفح الموقع حالياً [ 17
الاعضاء :0 الزوار :17
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3