الحمد لله الكريم الرحيم، الغفور الشكور، العليم العظيم، الحمد لله الكبير المتعال، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً
والله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أشهد ألا إله إلا الله الكبير المتعال، وأشهد أن سيدنا محمداً رسولُ الله صاحب الأيادي والأفضال، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ صَاحِبَةٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلَدٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ في الْمُلْكِ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا .
أيها المسلمون، تتوالى علينا نِعم الله الكريم، ويغمرنا بجوده وفضلِه العظيم، ويشرع لنا ربُّنا ديناً سمحاً قِيَماً ملة إبراهيم حنيفاً. ديناً عظيماً، وصراطاً مستقيماً.
ها نحن إخواني نصيب من نعمة الله علينا ببلوغ هذا العيد= ما يستوجب علينا أن نشكره، وأن نحمده، وأن نذكره. ففي العيد يفرح المحزون، ويستروح المطيع، ويشاهد المفرِّط أثراً من حلاوة آثار الطاعات.
إن العيدَ -أحبتي- عيدُ المسلمين –كلُّ المسلمين- ، إلا إنه للطائعين عيدان، وفرحتان. هو عيدٌ لكل مسلم بنعمة الله عليه، وهو عيد له كذلك يذوق فيه وبه ذواقاً من أنوار الطاعة على أهلها، وبركتها وسعادتها، وربح تجارتها، فاللهم اجعلنا في مواسم الزمان من المعتبرين، وبسوانح الذكرى مدَّكرين معتبرين.
أيها المسلمون، حجاجُ بيتِ اللهِ الحرامِ أكملُ الناس عيداً، لأنهم أسعدُهم برحمة الله ورضوانه، نشهد عيدنا هذا وجموعُهم تجأر بالتلبية والتكبير، يؤمُّون الجمرة الكبرى يرمونها بسبع حصيات يعلنون فيها انقيادهم لله، وكمالَ طواعيتهم لأمره وشرعه، يرمون ما لا تدرك عقولهم حكمتَه، أو سببَه، ولكن الذي لا يعزب عن أحدٍ منهم أنهم في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم متبعون، ولمنار شرعه آمّون، فهو درسٌ من دروس الإسلام الكبرى أنك يا أخي عبدٌ لله، أنك يا أخي تابعٌ لرسول الله، باب الاعتراض على دينه وشرعِه ليس بابك، لأنك توقن بأن شرع الله كلُّه صوابٌ وإن أضللت منه جوابَك.
عباد الله، إن من فتنة هذا الزمان كثرةَ الاعتراض على دين الله وشرعه، تارةً بالآراء ومقاييس العقول، وتارةً بالمصالح المزعومة التي يَظن نُجحَ المقاصد بها كلُّ جهول، وتارةً بتدجيل أهل الباطل من مبهوري حضارات الأمم بالكلام المعسول. والله عز وجل يقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }، ويقول: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}، وقال: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }، ويقول: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ}فيا من جاءك من ربك البينات والحق لا تعبد الذين يدعون من دون الله، ويا من خلقك الله من نطفة ثم من علقةٍ ولم تك قبلُ شيئاً، ثم جعلك طفلا لا تعقل غير بعضَ ما يُلقى إليك، ثم بعد بلوغِك الأشُدَّ يُعيدك شيخاً هرِماً ضعيفاً، ثم يسلُبُك ذلك كلَّه فيُميتَك، ثم يُبلِّغَك أجلاً مسمَّىً بعده، هل تجادلُ نبيَّك الذي بعثه الله إليك، أم تُخاصم ربك الذي تتابَعُ نعمُه عليك؟! يا هذا أما ترعوي، أما تنزجر، أما تكُفَّ عن الزهو والخيلاء، أما تعلم أن كبار العلماء وحذاق الفلاسفة وأذكياء العالم يقفون عند بعض مظاهر جلال الله مبهوتين، ويُرينا الله من سنته فيهم أنهم في بعض الشأن يتحيَّرون، وأنه ما منهم من أحدٍ إلا وله كبوة، وزلة وعيٌ من عيِّ البشر. ألم يأتك من نبأ نبيِّك خير البشر، وأعقل البشر، وأزكاهم عقلاً وقلباً وجناناً، فالزم غرزه يا موفقُ تهتدي، وإياك إياك وبنيَّات الطريق. قال تعالى: { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }.
عن أبي وائل عن أبي مسعود قال : خط لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم خطا فقال : ( هذا سبيل الله ) ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال : وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا : {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} رواه أحمد وابنُ حبان وغيرُهما.
وعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى شَيْبَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَالَ: جَلَسَ إِلَيَّ عُمَرُ فِي مَجْلِسِكَ هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ!! قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ. قَالَ: هُمَا الْمَرْءَانِ يُقْتَدَى بِهِمَا. رواه البخاري
وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنْ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ الْمَأْدُبَةِ. فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. فَقَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ. وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ. رواه البخاري.
يا أيها المسلم المطيع لربك، خذ من أحكام الشريعة وأوامرها العِبَر، واستعن عليها بأحوال الناس وعاقبة الله لهم، واعلم أنك كلما ازددت علما، ازددت علماً بجهلك، وأن ربك إنما أمرك بطاعة نبيِّك الذي هو فرقٌ بين الناس، أي به يفترق الناس من مطيعٍ له وصادٍ عن سبيله، والذي قالت الملائكة: مَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ.
وخذ هذه الشهادات من بعض علماء الحضارة الغربية: قال الفيلسوف الانجليزي فرانسس بيكون منذ أكثر من ثلاثة قرون: إن قليلاً من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد، أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين.
وقال كلاود هاثاوي أحد مخترعي أجهزة العقل الآلي وهي الخطوات الأولى للكمبيوتر: إن المهندس يتعلم كيف يمجد النظام، وكيف يقدِّر الصعاب التي تصاحب التصميم عندما يحاول المصمم أن يجمع بين القوى والمواد والقوانين الطبيعية في تحقيق هدف معين، إنه يقدر الإبداع بسبب ما واجهه من الصعاب والمشكلات عندما يحاول أن يضع تصميما جديداً.
ثم قال: لقد اشتغلت منذ سنوات عديدة بتصميم مخ الكتروني يستطيع أن يَحُل بسرعةٍ بعضَ المعادلات المعقدة المتعلقة بنظرية (الشد في اتجاهين). ولقد حققنا هدفنا باستخدام مئات من الأنابيب المفرغة والأدوات الكهربائية والميكانيكية والدوائر المعقدة ووضعها داخل صندوق بلغ حجمه ثلاثة أضعاف حجم أكبر (بيانو). وبعد اشتغالي باختراع هذا الجهاز سنة أو سنتين، وبعد أن واجهت كثيرا من المشكلات التي تطلبها تصميمه ووصلت إلى حلها، صار من المستحيلات بالنسبة إلي أن يتصور عقلي أن مثل هذا الجهاز يمكن عمله بأية طريقة أخرى غير استخدام العقل والذكاء والتصميم. وليس العالم من حولنا إلا مجموعة هائلة من التصميم والإبداع والتنظيم. وبرغم استقلال بعضها عن بعض، فإنها متشابكة متداخلة، وكل منها أكثر تعقيدا في كل ذرة من ذرات تركيبها، من ذلك المخ الالكتروني الذي صنعته. فإذا كان هذا الجهاز يحتاج إلى تصميم أفلا يحتاج ذلك الجهاز الفسيولوجي الكيميائي البيولوجي الذي هو جسمي، والذي ليس بدوره إلا ذرة بسيطة من ذرات هذا الكون اللانهائي في اتساعه وإبداعه= إلى مبدع يبدعه؟
إن التصميم أو النظام أو الترتيب، أو سمها ما شئت لا يمكن أن تنشا إلا بطريقين: طريق المصادفة أو طريق الإبداع والتصميم. وكلما كان النظام أكثر تعقيدا، بعُد احتمال نشأته عن طريق المصادفة. ونحن في خضم هذا اللانهائي لا نستطيع إلا أن نسلم بوجود الله.اهـ
أرأيت –يا رعاك الله- {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } ، أيها المسلم، إن إسلامك وإيمانك بالاعتقاد، وبالعمل والانقياد أكبرُ من أن تزعزعه قنوات الشبهة، ومواقع الفتنة، ومشايخ السوء، وعملاء السلاطين، وإن ما بنا من ضعف وهوان إنما هو بأسبابٍ، أولُها: بُعدنا عن الله، وعن كتابه وشرعه، وابتغاؤنا الهدى عند غيره، وضرب الأمثال.
إن المسلم يزل ويخطئ، ويزيِّنُ له الشيطان المعصية فيقعُ منه الزلة والهفوة، زيَّنها له شيطانُه، وغلبه عليها طبعُه. ولكنَّ الاعتراضَ على أمر الله وشرعه، واستحسانَ ما وافق الهوى والتضجرَ مما خالفه ليس من شأن المسلم قال تعالى: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}
عقلُ المسلم قائده إلى الجنة، وعقلُ المنافق قائده إلى جهنَّم. وإن المسلم الحق يعبد ربه، ويطيعُ رسوله، ويسخِّر عقله لخدمة الشريعة بمعرفة مراد الله ومراد رسوله، وأكمل الوجوه لتحقيق مرادهما في واقع الناس ولا يكون كقوم شعيب الذين قال لهم نبيهم: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. وإن أهل العلم مؤتمنون على دين الله، وواجب المسلم العادي، والمثقَّف أن يتعاون معهم للوصول إلى بر الأمان، حيث الدليل الشرعي وإعمال دلالات النصوص، وقواعد فهم الشريعة مع مفاتيح فهم الواقع والتعامل معه، تعاونٌ لا تعاند، وانسجام دون انفصام، وتكاملٌ للوصول إلى واقع كامل.
الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله والله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد
أختي في الله، أيتها المسلمة، إن لك في الدين نصيبٌ أي نصيب، إن سلفك من قبل قد حرصن على مزاحمة الرجال ألا يستأثروا عليهن برسول الله وبعلم الشريعة، فكان لهن من رسول الله يوماً ومشهداً، وكان لهن من التسليم لأمر الله رأياً وفعلاً مسدداً. فرضي الله عنهن، ورضي الله عنكن إن استمسكتُن بهديهِن، وقد كان علمُ رسول الله مما علَّمه الله. فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ. فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ اثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ. بوَّب البخاري رحمه الله على هذا الحديث بقوله: بَاب تَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ لَيْسَ بِرَأْيٍ وَلَا تَمْثِيلٍ.
فاحرصن -رعاكن الله- على الازدياد علما وإيماناً، تزدادُ الواحدة من حفظ القرآن، وتزداد من سماع الخير من الإذاعة والتلفاز، وتشاركُ في المدارس والأنشطة النسائية تؤثِّرُ وتتأثَّر، وتزرع الخير وتعينُ عليه.
أيتها المؤمنة، ولا نزال نُذكِّرَك بالنشء الطاهر الذي استأمنكِ الله عليه، ارعيهم يرعاكِ الله، أدبيهم يُحببك الله، ارحميهم يُكرمكِ الله. فيا من جعل الله عليها الرجلَ قواماً أما تشعرين أنه جعل منهم طائفةً أخرى عند قدميك خُداماً، ولكن لكل مجتهد نصيب، فمن ربَّت وأثمرت، ومن تعبت وسهرت لن تكون في المرتبة والبر وحسن العاقبة كالكسولة الملولة، يراعيها أهلُ بيتها ولا تراعيهم، أبداً يصبرون عليها ولا تصبر عليهم. أُعيذُك بالله أن تكوني منهن. {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }
فاعملي –بارك الله فيك- وأبشري، وأمِّلي، واعلمي أنَّك بقليل من العمل، وكثيرٍ من الإخلاص والحياء، وبين ذلك من البذل والصدقة تبلغي من فضل الله فوق ما تؤمِّلين، وتحوزي من رضوانه خيراً مما ترتجين.
الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله والله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد
اللهم اجعلنا في عيدنا هذا من السعداء، واحفظنا اللهم بحفظك، اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا، اللهم يسِّرنا لليسرى ويسِّر اليسرى لنا، اللهم خذ بنواصينا إليك، واجعلنا من عبادك المخبتين، وأعنا على أداء أماناتنا يا رب العالمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبد ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه وسلِّم.