اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :من عبادات الافتقار إلى الله... صلاة الاستخارة، وصلاة الكسوف

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : من عبادات الافتقار إلى الله... صلاة الاستخارة، وصلاة الكسوف

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً{61} وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً{62} وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً{63} وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً{64} وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً{65} إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}


سبحان الله وبحمده الملكُ لا شريك له ، والصمدُ لا ند له .


سبحان الله وبحمده {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }.


سبحان الله وبحمده على حلمه بعد علمه ، وسبحان الله وبحمده على عفوه بعد قدرته ، وسبحان الله وبحمده مصالح الخلق كلهم إليه ، واعتمادهم لا يصح إلا عليه {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }


أشهد ألا إله إلا هو إلها قادرا عليماً ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا ابتعثه الله بالرسالة العظمى والدين القيم وبالمؤمنين رحيما ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .


أما بعد : فإن خير الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة.


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ{15} إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ{16} وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}


وقال سبحانه في سورة محمد: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}


إن الله هو الخالق وإنك أنت المخلوق ، وإن الله تعالى هو المالك وأنت المملوك ، وإن الله تعالى هو المتصرِّف وإنك أنت المُتَصرَّفَ فيه ، وإن الله تعالى هو الرازق وأنت المرزوق المحتاج ، المربوب الفقير . خلقه سواك كثير ، ولا رب لك سواه ، هو عنك غني ، وأنت إليه فقيرٌ لا تستغني عن جوده وإمداده وحفظه وفضله طرفة عين . وهو سبحانه يحب من عباده معرفةَ فضله والتقرُّبَ إليه بعبادته ، وهو لك - خيرٌ منك له ، بل لا مقارنة بين الوجهتين ، فأنت مضطرٌ إليه ، ولكنه يجازيك ، ويكافئُك ، ويعطيك بالحسنة عشراً ، وبالإيمان به جنةً عرضُها السماوات والأرض أُعدت للمتقين .


أيها المسلمون لم يزل الموفقون من هذه الأمة يعلمون هذه الحقائق ، وإن عصى الواحدُ منهم ربه فإنه يعصيه ضعفاً وغَلَبَةً وعلى وجل وإشفاق ، حوائجُه بِهِ يُنزِلُها ، وعباداتُه إليه يصرفُها ، واعتمادُ قلبه إنما هو على الحي الذي لا يموت . فهو من الله في نعمة الإيمان وبرد اليقين ، وإن أصابه في الدنيا ما أصابه .


وبضد هذا النوع من المؤمنين من قال الله عنهم: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى{6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}


يظن أنه معجزٌ  ربه ، وما هو بمعجزٍ في الأرض ولا في السماء . خير ربه إليه من السماء نازل ، وشره إليه صاعد . متكبِّر ، مستهترٌ ، لا يرعى لله حرمة ، ولا يعظم من أمره عظيماً ، مضيعٌ للصلوات ، متبِعٌ للشهوات ، فتباً له ، ونحساً ، وتعساً .


وقد جاءت الشريعة الكاملة الحكيمة -أيها المسلمون- بأحكام قلبية ، وقولية ، وعملية تناسب هذه الحقائق ، وتأخذ بيد المؤمن إلى حسن التصرف فيها ، وأنا ملمٌ إن شاء الله ببعض ذلك :


فمن ذلك أن شرع الله صلاة الاستخارة وهي نوعُ توكُّلٍ عليه ، وتفويضٌ للاختيار والعلم إليه . وذلك أنه العليم الذي يعلم عواقب الأمور وبواطنها ، وهو الذي بيده مقاليدُ الأمور ، وقلوبُ العبيد ؛ فناسب أن تُنزل به الحاجات ، وأن يُستأمر في الأمور ، فيفوِّضُ العبدُ أمره ، ويُنزل بالله أمره كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره كلَّ أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له ، فهو يرى أن تدبير أبيه له خيرٌ من تدبيره لنفسه وقيامَه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه هو بمصالح نفسه وتوليه لها ؛ فلا يجدُ له أصلحَ ولا أرفقَ من تفويضه أمورَه كلَّها إلى أبيه ، وراحتِه من حملِ كُلَفِها وثِقل حِملِها مع عجزِه عنها وجهلِه بوجوه المصالح فيها وعلمِه بكمال علم من فوَّض إليه وقدرته وشفقته . ومن هذا الباب ما أخرجه البخاري فقال بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ } ثم أخرج من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ ، يَقُولُ : إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ، ثُمَّ لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الْأَمْرَ -ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ -قَالَ أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ ، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ .


قال أبو عبد الله الزبير بن أحمد الزبيري : لا ينبغي لأحدٍ أن يدع الاستخارة ، وليستعمِلْ كما أُمِر ، فإن فيها اتباعَ أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، والتبرُّكَ بذلك ، مع ما فيها من الدعاءِ ، والردِّ إلى الرب تعالى .


وقد اتفق أهل العلم على مشروعية وسنية هذه الصلاة ، وبيَّن العلماء أن قول جابر في حديثه : (كما يعلمُنا السورة من القرآن) يدل على الاهتمام والتأكُّد في أمر الاستخارة . فإن ورد على المسلم المسلِّمِ لربه أمرٌ من الأمور التي لم يدرِ ما وجهُ الصوابِ فيها فإنه تُشرع له الاستخارة ، فأما الواجب المأمور به ، أو الحرام المنهي عن فعله فلا تُشرع فيه استخارة ، إلا أن يريد أن يستخير في وقت أداء الأمر الواجب مما ليس من الواجبات المعجلة . فيستخير المسلمُ في المرأة التي يريد أن يخطبها ، أو يستخير أهل البنت في الخاطب المتقدِّمِ إليهم ، وكذا يستخير طالبُ الوظيفة قبل قبوله لها ، ويستخيرُ المتردد في السفر ، ويستخير التاجر في وجه تجارته ، وتستخير الأم في بعض وسائل تربية أبنائها ، ويستخير الطالبُ في اختيار تخصصه ، ويستخير من قد حج فرضه إن كان سيحج هذا العام أن يؤخر حجته إلى العام المقبل ... وهكذا فيما أشكل وجهه ، ولم يتضح أي الأمرين أولى بالصواب والتوفيق . ويستخير كذلك فيما قويت رغبتُه فيه فإنه لا يدري فيمَ تكون الخيرة؟ قال تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }.


فيذهب المسلمُ ويركع ركعتين لله من غير الفريضة ، ينوي بهما الاستخارة يقرأ فيهما بما تيسَّر ، وذكر بعضُ أهل العلم أنه يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد) ، وذكر بعضهم أنه يناسب أن يقرأ فيها بنحو قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{68} وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ}.


والأمر في هذا واسع والعلم عند الله ما لم يكن ذلك بالتزام هذه القراءة ، أو ظن أنها سنة من السنن . فإن لم يكن بحالة يستطيع فيها الصلاة فإنه يدعو ويسألُ الله أن يختار له ، والاستخارة بكمالها وصلاتها ودعائها أكملُ من مجرد الدعاء . فإذا صلى العبد ركعتي الاستخارة بما يليق بهما من خضوع واستكانة فإنه يُشرع له أن يدعو بالدعاء الوارد لا يتجاوزه إلى استخارات بدعية استخارة العبد فلان ، ودعاء الشيخ صالح فُلان فلا لفظَ أشرفُ من لفظه ، ولا دعاءَ أسمعُ من دعائه صلى الله عليه وسلم ، وقد كان يعلمَه أصحابَه كما يعلمهم السورة من القرآن . ويجوز في هذا الدعاء أن يكون بعد السلام ، ويجوز أن يكون قبل السلام وهو أفضل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثرُ دعائه قبل السلام ، والمصلي قبل السلام لم ينصرف بل هو بين يدي ربه ، ولذا فهو أحسن ، كما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .


يقول : (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ) فيه البراءة من العلم والقدرة ، واعتراف بعلم الله وقدرته مع التفويض إليه .


(وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)


(اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الْأَمْرَ -ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ-) فتقول : اللهم إن كنتَ تعلم أن في عملي في هذه الوظيفة ، أو تقول : اللهم إن كنتَ تعلم أن في قبولي لزواج ابنتي من هذا الخاطب ، أو غير ذلك خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدُره ويسِّره ...


ووقع في روايات الحديث أنه قال : أو قال عاجل أمري وآجله . فأي الفظين يقولهما المسلم ، أم أنه يجمع بين اللفظين : في ديني ومعاشي وعاقبة أمري , واللفظ الآخر : عاجل أمري وآجله . ذهب بعضُ المحققين كالعلامة ابن القيم رحمه الله إلى أنه لا يجمع بين اللفظين ، لأن التردد فيه إنما  وقع من الراوي ، ولكن يقتصر على اللفظ الأول : خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ؛ فإنه أشمل من قوله عاجله وآجله .


(فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ) إذاً فالفرج والعلم والتيسير والبركة أمورٌ كلها موكولةٌ إليه سبحانه وتعالى .


(اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي)  إذاً فالدعاء يكون بطرفي الأمر المتقابلين خيره وشره .


(فَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ) وفي لفظ ( فاصرفه عني واصرفني عنه) ، وفيه مع طلب صرف الأمر ، وتقدير الخير ، أن يعين الله عبده على الرضى والقبول بما ييسره له من الخيرة ، فكم من إنسانٍ يقاد إلى ما هو خيرٌ له وهو كاره .


وهل يُشرع للمسلم أن يكرر الاستخارة في الأمر الواحد ، نعم إن شاء الله على الراجح من كلام أهل العلم فإن الاستخارةَ صلاةٌ ذات حاجةٍ بصفةٍ مخصوصة ؛ فيجوز تكرارها ما لم تُقضَ الحاجة المستخارُ فيها ، وهي أشبه ما تكون بصلاة الاستسقاء من جهة ارتباط الصلاة بالدعاء ، فلا مانع من تكرارها حتى يُقضى الأمر ، ويتبين وجه الخيرةِ فيه .


ويتبين أمر الاستخارة ونتيجتها بعد فعلها بأن يُقدم المستخيرُ بعد استخارته على أحد الأمرين ، ويفعل بعدها ما أراد ، ولا ينتظر أن ينشرح صدرُه أو أن يرى رؤيا منام ، بل كذلك غير صحيح ، ولا يقع غالباً ، ولكن يمضي لأمره ، فإن كان شراً صرفه الله عنه ، وإن كان خيراً وجد من تيسير الله وتوفيقه ما يلائم الخير الذي فيه . ولا مانع حينئذٍ من أن يقع معه انشراح صدر ، إلا أن انشراح الصدر ليس شرطاً من شروط صحة الاستخارة ، أو معرفة وجه الصواب فيها .


والأظهر والله أعلم- أنه لا يجوز أن يوكِّل أحدٌ غيره بأن يستخير له ، أو أن يعمل له الخيرة كما يقول البعض ، لأن ذلك مما لم يرد عن السلف الصالحين ، وهي عبادةٌ يراد منها الاتصال بالله ، وإنزال الحاجات به ؛ فناسب أن يكون صاحبُ الحاجة هو القائم بالباب يقرعه ، ولأن من يقول مثل هذا إنما يستخير في الغالب بالاستخارات البدعية التي لم ترد في كتاب ولا سنة ، مثل ما يفعله البعض من فتح المصحف كيفما اتفق ليرى فيه ما يدل على الإقدام أو الترك ، أو الاستخارة بالمسبحة أو الرمل أو الودع أو قراءة الفنجان وغيرها من ضروب الكهانة المحرمة .


ومن العبادات التي فيها لجوء وهرب إلى الله تعالى صلاة الكسوف ، فقد ثبت في الصحيح عن أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ ؛ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ؛ فَانْجَلَتْ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ . وَذَاكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاسُ فِي ذَاكَ . رواه البخاري . ونحن نعلم بالتجربة أن خسوف القمر أو الشمس لا يُحدثُ بنفسه بالناس كبيراً من الأمر ، ولا يُنزلُ عليهم عذاباً ، ولكنه علامةٌ على غضب الجبار جل جلاله ، وتقدَّست أسماؤه . ومن يستطيع أن يغير السنة الجارية في الكون في جريان الشمس والقمر قادرٌ على أن يغيِّر معايش الناس ، وأن يقلب عليهم أرضها وسماءها  {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ{63} قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ{64} قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}


وصلاة الكسوف أو الخسوف ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان . والسنة أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها يجهر فيها بالقراءة ثم يركع ويسبح بقدر مائة آية ، ثم يرفع ويقرأ فاتحة الكتاب ويقرأ بقدر مائتي آية ثم يركع ويسبح بقدر تسعين آية ثم يسجد كما يسجد في غيرها ، ثم يصلي الركعة الثانية فيقرأ بعد الفاتحة قدر مائةٍ وخمسين آية ثم يركع بقدر سبعين آية ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة آية ثم يركع بقدر خمسين آية ثم يسجد . هكذا قال بعض العلماء ، أخذا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، قَالَ : انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ . ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ . فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا ، وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ . قَالُوا : بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِكُفْرِهِنَّ ، قِيلَ : يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ . رواه البخاري .


فإن فات المأموم الركوعُ الأول من ركوعي الركعة فقد فاتته الركعة ، فيقضيها بعد سلام الإمام ، كما أفتى به جماعةٌ من أهل العلم .


والسنة أن يعظ الإمام الناس ويذكِّرهم بأسباب سخط الله ونزول عقابه ، ويذكرهم بالتوبة والاستغفار .


ولا يشرع أن يصلى الكسوف ولا الخسوف إلا أن يراهم الناس بالأبصار ، فلا يُعتمد على التوقعات والحسابات فإن الأمر أشبه ما يكون ولله المثل الأعلى ببطاقات الدعوة فلا بد أن يُعد لك صاحب الوليمة بطاقة ، ولكنك لا يصح منك الذهاب ما لم تصل إليك هذه البطاقة ، ولو علمت بوجودها ، فإنهم لا يدعوك عند البوابة تدخل ما لم تكن البطاقة بحوزتك . أعني أن وجود الخسوف أو الكسوف لا يعني المبادرة إلى الصلاة ما لم نره بأعيننا ، وربما صرفه الله عن أناس بغيم أو غبار فلم يروه مع أنه موجود ، فهذا يدل على أن حكم الخسوف أو الكسوف لم يشملهم . وهكذا فإن هذه الحسابات التي يعتمدها الفلكيون قد تُخطئ ، والحكم الشرعي ليس معلقاً بها ، بل هو معلَّقٌ بالأمر الظاهر الذي يدركه الكبير والصغير ، والطفلُ والشيخُ الكبير ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا ، وعقد الإبهام في الثالثة . ثم قال : الشهر هكذا وهكذا وهكذا ، يعني تمام الثلاثي . يعني مرة تسعا وعشرين ومرة ثلاثين . متفقٌ عليه .


وَيُسَنُّ أَنْ يُنَادَى لَهَا : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُودِيَ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .


وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ .


وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالدُّعَاءُ ، وَالتَّكْبِيرُ ، وَالِاسْتِغْفَارُ ، وَالصَّدَقَةُ ، وَالْعِتْقُ ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعَ ؛ لِخَبَرِ عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، وَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ ، وَكَبِّرُوا ، وَصَلُّوا ، وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاَللَّهِ مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .


ونحن اليوم إن شاء الله إن وقع الكسوف مجمعون ، والتوقعات تشير إلى قبل الساعة الثانية ظهراً بربع ساعة تقريبا لمدة عشرين دقيقة إلى نصف ساعة بمشيئة الله . ولكن ذلك بشرط اتضاح الأمر للعين المجردة ، وإلا فلن نصليها إن شاء الله تعالى .


اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم.

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 7 /5 ( 1 صوت )

تاريخ الاضافة: 28-12-2008

الزوار: 891

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
بيوت غير مطمئنة
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
شبابنا.. ثروتنا المهدرة
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44666
[يتصفح الموقع حالياً [ 12
الاعضاء :0 الزوار :12
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3