الحمدلله الحليم الكريم ، العظيم العليم ، الرؤوف الرحيم ذي الجلال والإكرام.
أشهد ألا إله إلا هو ، وأشهد أن محمدا عبدُه ورسوله ، وخير خليقته العدل الكريم ، الرؤوف -صلى الله عليه وسلم- الرحيم ، الذي أدب الأمة كما أدبه ربه ، وعلمها خيرَ ما يعلمُه لها ، وأنذرَها وحذرَها شرَ ما يعلمُه لها فصلوات الله ورحماته وبركاته عليه بما علم وفهم ، واجتهد في النصح وتمم ، وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فيا أيها الناس إنَّ تقوى الله خيرُ لباس ، فاتقوا ربكم يحمدكم عليه الله ، ويرضى عنكم ، ويُرضي عنكم الناس .
كان الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة رجلاً عالماً تقياً حليماً كريماً . وكان قبل وزارته رجلاً فقيراً لا يُؤبه له ، فلما جلس في الديوان أول وزارته أحضر غلاماً من غلمان الديوان ، وقال للناس من حوله : دخلتُ يوماً إلى هذا الديوان فقعدتُ في مكان ، فجاء هذا –وأشار للرجل الواقف بين يديه- فقال : قم فليس هذا موضعُك –قالها احتقاراً له- فأقامني . فما كان منه –رحمه الله- في هذا الموضع الذي تمكَّن فيه من رقبة هذا الغلام بعد توليه للوزارة إلا أن جاء به وأكرمه وأعطاه .
ومن عجيب أمر الوزير العالم ابن هبيرة أنه دخل عليه يوماً تركيٌ ؛ فقال ابنُ هبيرة لحاجبه : أما قلت لك اعطِ هذا عشرين ديناراً ، ووِقراً من طعام وقل له لا تحضر ها هنا ؟ فقال : قد أعطيناه . فقال : عُد وأعطه ، وقل له لا تحضر . ثم التفت إلى الجماعة وقال : لا شك أنكم تريبون بسبب هذا ! فقالوا : نعم . فقال : هذا كان شُحنةً – أي شرطياً- في القرى ، فقُتل قتيلٌ قريباً من قريتنا ، فأخذ مشايخَ القرى وأخذني مع الجماعة ، وأمشاني مع الفرس ، وبالغ في أذاي وأوثقني ، وقال: وسألتُه في الطريق أن يُمهلني حسب ما أصلي الفرض فما أجابني ، وضربني على رأسي وهو مكشوف عدة مقارع ، ثم أخذ من كل واحد شيئاً وأطلقه . ثم قال لي : أي شيء معك؟ قلت : ما معي شيء . فانتهرني وقال : اذهب . قال الوزير : فأنا لا أريد اليوم أذاه ، وأُبغضُ رؤيته ، وأنقمُ عليه حين رأيته لأجل الصلاة ، لا لكونه قبض علي .
وله في ذلك أخبار أخرى من هذا القبيل رحمه الله .
هذا الذي تخلق به هذا الوزير العالم الجليل خلق من أخلاق الأنبياء يسمى بخلق الحِلم والعفو والصفح والتجاوز قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} ، وقال : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} ولما رزقه الله إسماعيل قال : {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} بل إنه صفة من صفات الباري جل جلاله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} ، وقال في معناه: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً}، وتكرر في القرآن في نحو عشر مواضع : (والله عليم حليم) ، (والله غفور حليم) ، (والله غني حليم) ، فهو الذي لا يستخفه عصيان العصاة ، ولا يستفزه الغضب عليهم -سبحانه وبحمد وتقدَّست أسماؤه- ولكنه جعل لكل شيء مقداراً فهو مُنتَهٍ إليه ؛ ثم هو يعفو عن كثير من سيئاتهم ويمهلهم بعد المعصية ويقبل توباتهم بعد ذلك.
عِنْد التَّجَاهُرِ مِنْهُ بِالعِصْيَانِ
|
وَهُوَ الحَيِيٌّ فَلَيسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ
|
فَهُو السَّتِيرُ وَصَاحِبُ الغُفْرَانِ
|
لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سَتْرَهُ
|
بِعُقُوبَةٍ لِيتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ
|
وَهُوَ الحَلِيمُ فَلاَ يُعاجِلُ عَبْدَهُ
|
لَولاَهُ غَارَ الأرْضُ بِالسُّكَّانِ
|
وَهُوَ العَفُوُّ فَعَفْوهُ وَسِعَ الوَرىَ
|
شَتَمُوهُ بَلْ نَسَبُوهُ للِبُهْتَانِ
|
وَهُوَ الصَّبُورُ عَلَى أذَى أعْدَائِهِ
|
شَتْماً وَتَكْذِيباً مِنَ الإنْسَانِ
|
قَالُوا لَهُ وَلَدٌ وَلَيْسَ يُعِيدُنَا
|
لَوْ شَاءَ عَاجَلَهُم بِكُلِّ هَوَانِ
|
هَذَا وَذَاكَ بِسَمْعِهِ وَبِعِلْمِهِ
|
يُؤذُونَهُ بالشِّرْكِ وَالكُفْرَانِ
|
لَكِنْ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَهُمْ
|
والحِلم هو ضبط النفس عند ورود أسباب الغضب ، وترك الانتقام مع طمأنينة النفس . وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أوفى الناس اتصافاً بهذا الخلق العظيم فعن أنس قال : "كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرد نجراني غليظُ الحاشية ؛ فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة ؛ يقول أنس : فنظرت إلى صفحةِ عاتقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد أثَّرتْ بها حاشيةُ الرداء من شدة جبذته ، ثم قال الأعرابي : يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك . فالتَفَتَ إليه صلى الله عليه وسلم ثم ضَحِكَ ثم أمر له بعطاء " متفق عليه . وجاء في بعض رواياته عند أبي داود والنسائي : " كنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فإذا قام قمنا ، فقام يوماً وقمنا معه حتى لما بلغ وسط المسجد أدركه رجلٌ فجبذ بردائه من ورائه -وكان رداؤه خشناً- فحمّر رقبتَه فقال: يا محمد احمل لي على بعيريّ هذين فإنك لا تحمل من مالك ولا من مال أبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا وأستغفر الله لا أحمل لك حتى تُقيدَني مما جَبَذتَ برقبتي. فقال الأعرابي: لا والله لا أُقيدُك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات كل ذلك يقول الأعرابي: لا والله لا أقيدك. قال أبوهريرة: فلما سمعنا قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعاً، فالتَفَتَ إلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: عزمتُ على من سمِع كلامي أن لا يبرَح مقامَه حتى آذن له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من القوم: يا فلان احمل له على بعير شعيراً وعلى بعير تمراً. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرفوا " . فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه .
قال خادمه أنس – والخادم من أقرب الناس وأكثرهم اطلاعاً على أخلاق سيده على حقيقتها إذ إن الناس لا تتحفظ عند خُدَّامِها – قال أنس : خدمتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين بالمدينة وأنا غلام ليس كلُّ أمري كما يشتهي صاحبي أن أكون عليه ، ما قال لي فيها أف قط ، وما قال لي لم فعلت هذا ، أو ألا فعلت هذا . هذه رواية أبي داود.
فيا عباد الله أكرِم واللهِ بمن وسع خلُقُه وصدرُه وصيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال : لا تغضب . وطوبى لمن سَلِمَ الناسُ منه فلا يصل إليهم إلا بخير . ونِعمَ والله منزلة من تمنطق بمِنطَقَةٍ لم يَدَعها النبيين ، واتصف بصفةٍ من صفات رب العالمين التي أمرنا بالاتصاف بمثلها ، نعم ، أنعِم به ونَعِمت عينه .
ثم ألم تعلم يا عبد الله أن الله يجازي المرء ويكافئه من جنس عمله !!
فيا من تنتظر رحمة الله بك وقد تديَّنت ديناً ثم عجَزت عن وفائه وترجو عفو الغرماء = اعف عن الناس يُعفَ عنك وقم مع الآخرين بما تقدر عليه يؤدِّي الله عنك.
ويا من ابتُلي بعقوق أبنائه ، أو أذى زوجته -والمرأةُ التي تكون كذلك- أينتظر الواحد منكم فرج الله ، وإصلاح الأهل والذرية وهو غضوبٌ لجوجٌ ، كثيرُ الخصام ، سريعُ الانتقام ، فاحشُ القول ، سيءُ العمل .
ويا كل من ألمَّ بكبيرة من الذنب أو فاحشة من الفواحش لم الضيقُ وسرعةُ الغضبِ والشططُ والتعنتُ وإيذاءُ الآخرين بألسنة حِداد؟ ألم يكن لك بما نزل بك شغل ؟ ألا تتعرض لعفو الله بعفوك عن خلقه ، ألا ترجو رحمته وتتقرب وتزدلف إليه ، إذ "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء !!
استمع أخي إلى قول نبي الله صلى الله عليه وسلم : "ما من جُرعة أعظمُ أجراً عند الله من جُرعةِ غيظٍ كظمها عبدٌ ابتغاء وجه الله " هـ . أو ما علمت بالحديث الذي حسنه الشيخ الألباني رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء " د ، ت ، هـ ، ك .
فهَلُمَّ حبيبي إلى بابٍ كبيرٍ لخير الدنيا ، ومحمدةِ الناس ، وسرعةِ الفرج ، وطيّبِ الحمد والأرج ، وحورٍ عينٍ كأمثالِ اللؤلؤِ المكنون . من شتمك فارحمه إذ كان جاهلاً ، فإن احتَدَّ وأصرَّ فأَدِر له ظهرك وستجد أن الله يقيِّضُ لك من الناس مَن يدفعُه عنك ويكُفَّ أذاه ؛ ثم يحمدوك ويذموه ، وتكتسب الفضائل وتُجنَّب الأذى . وإن قدرتَ على الانتصار فهنا موضع التجاوز عن العثار. واستحيِ واستعفف وخف عقوبة الجبار جل جلاله واحذر الطغيان . ثم إن استطعت أن تكون أعظَمَ من ذلك منزلة فكن من خير الناس فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أي الناس أفضل ؟ قال : كلُّ مخمومِ القلب صدوقِ اللسان . قالوا : صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثمٌ فيه ولا بغيٌ ولا غلٌ ولا حسد " هـ ، والبيهقي في الشعب.
قال ابن تيمية في معرض ذكر بعض أنواع الصبر : (( النوع الرابع : ما يحصل له بفعل الناس في ماله أو عِرضه أو نفسه ، فهذا النوع يصعبُ الصبرُ عليه جداً ، لأن النفسَ تستشعرُ المؤذيَ لها ، وهي تكرهُ الغلبة ؛ فتطلبُ الانتقام ؛ فلا يصبرُ على هذا النوع إلا الأنبياءُ والصديقون . وكان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا أُوذي يقول : (يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) ... ثم قال : وهذا النوع من الصبر عاقبته : النصرُ ، والهدى ، والسرورُ ، والأمنُ ، وزيادةُ محبةِ الله ومحبةِ الناس له ، وزيادةُ العلم )) اهـ كلامه رحمه الله .
ومما يُعين على هذا النوع من فاضل الأخلاق أمورٌ منها :
· أن يشهد المسلمُ أن الله سبحانه وتعالى هو خالقُ أفعال العباد حركاتِهم ، وسكناتهم ، وإراداتِهم ، فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فلا يتحرك في العالم السفلي ولا العلوي ذرةٌ إلا بإذنه ومشيئته ؛ فإذا نظر العبد إلى الذي سلَّطهم عليه سبحانه ، ولم ينظر إلى فعلِهم به = استراح من الهم ومن الغم .
· أن يشهد ذنوبَه ، وأن الله إنما سلَّطهم عليه بذنبه ، كما قال تعالى : {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} فإذا شهد العبدُ ذلك اشتغل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلَّطهم الله عليه بسببها - عن ذمِّهم ولومِهم والوقيعةِ فيهم . فإذا رأيتَ العبد يقعُ في الناس إذا آذوه ، ولا يرجِعُ إلى نفسه باللوم والاستغفار فاعلم أن مصيبتَهُ مصيبةٌ حقيقية ، وإذا تاب واستغفر وقال: هذا بذنوبي ؛ صارت في حقه نعمة . قال علي رضي الله عنه : لا يرجوَنَّ عبدٌ إلا ربَّه ، ولا يخافنَّ عبدٌ إلا ذنبه .
· أن يشهد العبدُ حُسنَ الثواب الذي وعده الله لمن عفا وصبر ، كما قال تعالى : {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} يوم القيامة ينادي المنادي كما ورد عن ابن عباس: ليَقُم من وجب أجره على الله ، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح .
· أن يشهد أنه إذا عفا وأحسن أورثه ذلك من سلامة القلب لإخوانه ، ونقاءَه من الغِش والغِل وطلبِ الانتقام وإرادة الشر ، وحصل له من حلاوة العفو ما يزيد لذَّته ومنفعته عاجلاً وآجلاً على المنفعةِ الحاصلةِ له بالانتقام أضعافاً مضاعفة .
· أن يعلم أنه ما انتقم أحدٌ لنفسه إلا أورثه ذلك ذلاً يجده في نفسه كما قال بعض العلماء ، ولكنه إن عفا أعزَّه الله تعالى ، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول : ( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً) فالعز الحاصل له بالعفو أحبُّ إليه وأنفعُ له من العز الحاصلِ له بالانتقام .
· أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل ، وأنه نفسُه ظالمٌ مذنب ، وأنه من عفا عن الناس عفا الله عنه ، ومن غفر لهم غفر الله له . فإذا شهد أن عفوَه عنهم ، وصفحَه وإحسانَه مع إساءَتهم إليه سببٌ لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله فيعفوَ عنه ويصفح ويُحسن إليه على ذنوبه ، ويسهِّل عليه عفوَه وصبرَه ، ويكفي للعاقل هذه الفائدة .
· أن يعلم أنه إذا اشتغلت نفسُه بالانتقام وطلبِ المقابلة ضاع عليه زمانه ، وتفرَّق عليه قلبُه ، وفاته من مصالحه ما لا يمكن استدراكه ، ولعل هذا أعظمُ عليه من المصيبة التي نالته من جهتهم ، فإذا عفا وصفح فرَّغَ قلبَه وجسمَه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام .
· أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط ؛ فإذا كان هذا خير خلق الله وأكرمهم على الله لم ينتقم لنفسه ، مع أن أذاه أذىً لله ، ونفسُه أشرف الأنفس وأزكاها وأبرُّها ، ومع فلم يكن ينتقم لهذه النفس الشريفة ؛ فكيف ينتقم أحدُنا لنفسه التي هو أعلمُ بها ، وبما فيها من الشرور والعيوب ، بل الرجل العارف لا تُساوي نفسُهُ عنده أن ينتقم لها ، ولا قدرَ لها عنده يوجب انتصاره لها .
· من أوذي على ما فعله لله أو على ما أَمَر به من طاعة الله أو نَهى عنه من معصيته فالصبر في حقه أوجب ، وليس لمثل هذا أن ينتقم ؛ فإنه قد أُوذي في الله فأجرُهُ على الله . ولهذا لما كان المجاهدون في سبيل الله ذهبت دماؤهم وأموالهم في الله لم تكن مضمونةً ؛ فإن الله اشتراها منهم ، اشترى منهم أنفسَهم وأموالهم ؛ فالثمن على الله لا على الخلق ؛ فمن طلب الثمن منهم = لم يكن له على الله ثمن . فإنه مَن كان في الله تَلَفُه كان على الله خَلَفُه .
· أن يشهد أن الصبر نصفُ الإيمان ، فلا يبدِّد من إيمانه جزاءَ نصرته لنفسه ، وتركه للصبر . فإذا صبر فقد أحرزَ إيمانه ، وصانه من النقص ، والله يدافع عن الذين آمنوا .
اللهم ارزقنا طاعتك ، والإحسان إلى خلقك ، ونعوذ بك اللهم من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته ، ونسألك العافية من البلاء ، فإن ابتليتنا فثبِّتنا حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا .
الحمد لله على فضله وواسع رحمته ، نحمده حمد الشاكرين ، ونستغيث به ونلتجيء إليه محتاجين مضطرين ، ونفوض جميع حاجاتنا إليه مستعينين متوكلين . ونشهد ألا إله إلا الله ,وأن محمداً عبد الله ورسوله .
ومما يعين النفس على تحمُّل مرارة الصبر على أذى الآخرين :
· أن يشهد أن صبره حُكمٌ منه على نفسه ، وقهرٌ لها ، وغلبَةٌ لها ، فمتى كانت النفسُ مقهورةٌ معه مغلوبة لم تطمع في استرقاقه وأسره ، وإلقائه في المهالك ، ومتى كان مطيعاً لها ، سامعاً منها ، مقهوراً معها لم تزل به حتى تُهلكه ، أو تتداركَهُ رحمةٌ من ربه ، فلو لم يكن في الصبر إلا قهره لنفسه ولشيطانه فحينئذٍ يظهر سُلطانُ القلب وتثبُتُ جنوده ، ويفرح ويقوى ، ويطردُ العدوَّ عنه .
· أن يعلم أنه إن صبر فالله ناصره ولا بُد ، فالله وكيل من صبر ، ويكون قد أحال ظالمه على الله ، ومن انتصر لنفسه وكَلَهُ الله على نفسه ، فأين من ناصِرُه اللهُ خيرُ الناصرين إلى من ناصرُه نفسُهُ أعجزُ الناصرين وأضعفه .
أن صبره على من آذاه واحتماله له يوجب رجوع خصمِهِ عن ظلمه ، وندامته ، واعتذاره ، ولومِ الناسِ له ؛ فيعود بعد إيذائه له مستحيياً منه ، نادماً على ما فعله ، بل يصير موالياً له ، وهذا معنى قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ{34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}
· ربما كان انتقامه ومقابلته سبباً لزيادة شرِّ خصمِهِ ، وقوةِ نفس هذا الخصم ، وتفكيره في أنواع الأذى التي يُوصلُها إليه كما هو المُشاهَد ؛ فإذا صبر وعفا أمِنَ من هذا الضرر . والعاقل لا يختار أعظم الضررين . وكم قد جلب الانتقام والمقابلة من شر عجز صاحبه عن دفعه ، وكم قد ذهبت نفوس ورئاسات وأموالٌ لو عفا المظلوم لبقيَت عليه .
· أن من اعتاد الانتقام ولم يصبر ؛ فلا بد أن يقع في الظلم ؛ فإن النفس لا تقتصر على قدر العدل الواجب لها لا علماً ولا إرادة ، وربما عجزت عن الاقتصار على قدر الحق ؛ فإن الغضب يخرج بصاحبه إلى حدٍّ لا يَعقل معه ما يقول ويفعل . فبينما هو مظلومٌ ينتصر النصر والعز ، إذ انقلب ظالماً ينتظر المقتَ والعقوبة .
· أن هذه المظلمة التي ظُلِمَها هي سبب إما لتكفير سيئاته أو رفع درجته ، فإذا انتقم ولم يصبر لم تكن مكفرةً لسيِّئته ولا رافعةً لدرجته .
أخي في الله تفقّد نفسك ، لا تبت الليلة وفي قلبك غل على مسلم أو تكونَ بينكم فسادُ ذات البين فإنها الحالقة التي تحلق الدين كما يحلق الموسى الشعر . اتصل بوالديك وإخوانك ، تفقد أعمامك وعماتك وأخوالك وخالاتك ، تياسر مع جيرانك ، بل اعفُ عن خصومك . بادر فعسى يُبادَر لك بالفرج ، وتملّق الله بهذا الباب من أبواب الخير فنِعم المسؤول ونِعم الوسيلة .