اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :الحِلم سيد الأخلاق

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : الحِلم سيد الأخلاق

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

       الحمدلله الحليم الكريم ، العظيم العليم ، الرؤوف الرحيم ذي الجلال والإكرام.


       أشهد ألا إله إلا هو ، وأشهد أن محمدا عبدُه ورسوله ، وخير خليقته العدل الكريم ، الرؤوف -صلى الله عليه وسلم- الرحيم ، الذي أدب الأمة كما أدبه ربه ، وعلمها خيرَ ما يعلمُه لها ، وأنذرَها وحذرَها شرَ ما يعلمُه لها فصلوات الله ورحماته وبركاته عليه بما علم وفهم ، واجتهد في النصح وتمم ، وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .


أما بعد :


فيا أيها الناس إنَّ تقوى الله خيرُ لباس ، فاتقوا ربكم يحمدكم عليه الله ، ويرضى عنكم ، ويُرضي عنكم الناس .


       كان الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة رجلاً عالماً تقياً حليماً كريماً . وكان قبل وزارته رجلاً فقيراً لا يُؤبه له ، فلما جلس في الديوان أول وزارته أحضر غلاماً من غلمان الديوان ، وقال للناس من حوله : دخلتُ يوماً إلى هذا الديوان فقعدتُ في مكان ، فجاء هذا وأشار للرجل الواقف بين يديه- فقال : قم فليس هذا موضعُك –قالها احتقاراً له- فأقامني . فما كان منه رحمه الله- في هذا الموضع الذي تمكَّن فيه من رقبة هذا الغلام بعد توليه للوزارة إلا أن جاء به وأكرمه وأعطاه .


       ومن عجيب أمر الوزير العالم ابن هبيرة أنه دخل عليه يوماً تركيٌ ؛ فقال ابنُ هبيرة لحاجبه : أما قلت لك اعطِ هذا عشرين ديناراً ، ووِقراً من طعام وقل له لا تحضر ها هنا ؟ فقال : قد أعطيناه . فقال : عُد وأعطه ، وقل له لا تحضر . ثم التفت إلى الجماعة وقال : لا شك أنكم تريبون بسبب هذا ! فقالوا : نعم . فقال : هذا كان شُحنةً – أي شرطياً- في القرى ، فقُتل قتيلٌ قريباً من قريتنا ، فأخذ مشايخَ القرى وأخذني مع الجماعة ، وأمشاني مع الفرس ، وبالغ في أذاي وأوثقني ، وقال: وسألتُه في الطريق أن يُمهلني حسب ما أصلي الفرض فما أجابني ، وضربني على رأسي وهو مكشوف عدة مقارع ، ثم أخذ من كل واحد شيئاً وأطلقه . ثم قال لي : أي شيء معك؟ قلت : ما معي شيء . فانتهرني وقال : اذهب . قال الوزير : فأنا لا أريد اليوم أذاه ، وأُبغضُ رؤيته ، وأنقمُ عليه حين رأيته لأجل الصلاة ، لا لكونه قبض علي .


       وله في ذلك أخبار أخرى من هذا القبيل رحمه الله .


       هذا الذي تخلق به هذا الوزير العالم الجليل خلق من أخلاق الأنبياء يسمى بخلق الحِلم والعفو والصفح والتجاوز قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} ، وقال : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} ولما رزقه الله إسماعيل قال : {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} بل إنه صفة من صفات الباري جل جلاله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} ، وقال في معناه: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراًوتكرر في القرآن في نحو عشر مواضع : (والله عليم حليم) ، (والله غفور حليم) ، (والله غني حليم) ،  فهو الذي لا يستخفه عصيان العصاة ، ولا يستفزه الغضب عليهم -سبحانه وبحمد وتقدَّست أسماؤه- ولكنه جعل لكل شيء مقداراً فهو مُنتَهٍ إليه ؛ ثم هو يعفو عن كثير من سيئاتهم ويمهلهم بعد المعصية ويقبل توباتهم بعد ذلك.


 





























عِنْد التَّجَاهُرِ مِنْهُ بِالعِصْيَانِ


وَهُوَ الحَيِيٌّ فَلَيسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ


فَهُو السَّتِيرُ وَصَاحِبُ الغُفْرَانِ


لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سَتْرَهُ


بِعُقُوبَةٍ لِيتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ


وَهُوَ الحَلِيمُ فَلاَ يُعاجِلُ عَبْدَهُ


لَولاَهُ غَارَ الأرْضُ بِالسُّكَّانِ


وَهُوَ العَفُوُّ فَعَفْوهُ وَسِعَ الوَرىَ


شَتَمُوهُ بَلْ نَسَبُوهُ للِبُهْتَانِ


وَهُوَ الصَّبُورُ عَلَى أذَى أعْدَائِهِ


شَتْماً وَتَكْذِيباً مِنَ الإنْسَانِ


قَالُوا لَهُ وَلَدٌ وَلَيْسَ يُعِيدُنَا


لَوْ شَاءَ عَاجَلَهُم بِكُلِّ هَوَانِ


هَذَا وَذَاكَ بِسَمْعِهِ وَبِعِلْمِهِ


يُؤذُونَهُ بالشِّرْكِ وَالكُفْرَانِ


لَكِنْ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَهُمْ


 


والحِلم هو ضبط النفس عند ورود أسباب الغضب ، وترك الانتقام مع طمأنينة النفس . وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أوفى الناس اتصافاً بهذا الخلق العظيم فعن أنس قال : "كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرد نجراني غليظُ الحاشية ؛ فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة ؛ يقول أنس : فنظرت إلى صفحةِ عاتقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد أثَّرتْ بها حاشيةُ الرداء من شدة جبذته ، ثم قال الأعرابي : يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك . فالتَفَتَ إليه صلى الله عليه وسلم ثم ضَحِكَ ثم أمر له بعطاء " متفق عليه . وجاء في بعض رواياته عند أبي داود والنسائي : " كنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فإذا قام قمنا ، فقام يوماً وقمنا معه حتى لما بلغ وسط المسجد أدركه رجلٌ فجبذ بردائه من ورائه -وكان رداؤه خشناً- فحمّر رقبتَه فقال: يا محمد احمل لي على بعيريّ هذين فإنك لا تحمل من مالك ولا من مال أبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا وأستغفر الله لا أحمل لك حتى تُقيدَني مما جَبَذتَ برقبتي. فقال الأعرابي: لا والله لا أُقيدُك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات كل ذلك يقول الأعرابي: لا والله لا أقيدك. قال أبوهريرة: فلما سمعنا قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعاً، فالتَفَتَ إلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: عزمتُ على من سمِع كلامي أن لا يبرَح مقامَه حتى آذن له. فقال  رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من القوم: يا فلان احمل له على بعير شعيراً وعلى بعير تمراً. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرفوا " . فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه .


قال خادمه أنس – والخادم من أقرب الناس وأكثرهم اطلاعاً على أخلاق سيده على حقيقتها إذ إن الناس لا تتحفظ عند خُدَّامِها – قال أنس : خدمتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين بالمدينة وأنا غلام ليس كلُّ أمري كما يشتهي صاحبي أن أكون عليه ، ما قال لي فيها أف قط ، وما قال لي لم فعلت هذا ، أو ألا فعلت هذا  . هذه رواية أبي داود.


فيا عباد الله أكرِم واللهِ بمن وسع خلُقُه وصدرُه وصيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال : لا تغضب . وطوبى لمن سَلِمَ الناسُ منه فلا يصل إليهم إلا بخير . ونِعمَ والله منزلة من تمنطق بمِنطَقَةٍ لم يَدَعها النبيين ، واتصف بصفةٍ من صفات رب العالمين التي أمرنا بالاتصاف بمثلها ، نعم ، أنعِم به ونَعِمت عينه .


       ثم ألم تعلم يا عبد الله أن الله يجازي المرء ويكافئه من جنس عمله !!


فيا من تنتظر رحمة الله بك وقد تديَّنت ديناً ثم عجَزت عن وفائه وترجو عفو الغرماء = اعف عن الناس يُعفَ عنك  وقم مع الآخرين بما تقدر عليه يؤدِّي الله عنك.


ويا من ابتُلي بعقوق أبنائه ، أو أذى زوجته -والمرأةُ التي تكون كذلك- أينتظر الواحد منكم فرج الله ، وإصلاح الأهل والذرية  وهو غضوبٌ لجوجٌ ، كثيرُ الخصام ، سريعُ الانتقام ، فاحشُ القول ، سيءُ العمل .


ويا كل من ألمَّ بكبيرة من الذنب أو فاحشة من الفواحش لم الضيقُ وسرعةُ الغضبِ والشططُ والتعنتُ وإيذاءُ الآخرين بألسنة حِداد؟ ألم يكن لك بما نزل بك شغل ؟ ألا تتعرض لعفو الله بعفوك عن خلقه ، ألا ترجو رحمته وتتقرب وتزدلف إليه ، إذ  "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "


ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء


ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء !!


استمع أخي إلى قول نبي الله صلى الله عليه وسلم : "ما من جُرعة أعظمُ أجراً عند الله من جُرعةِ غيظٍ كظمها عبدٌ ابتغاء وجه الله " هـ  . أو ما علمت بالحديث الذي حسنه الشيخ الألباني رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء " د ، ت ، هـ ، ك .


فهَلُمَّ حبيبي إلى بابٍ كبيرٍ لخير الدنيا ، ومحمدةِ الناس ، وسرعةِ الفرج ، وطيّبِ الحمد والأرج ، وحورٍ عينٍ كأمثالِ اللؤلؤِ المكنون . من شتمك فارحمه إذ كان جاهلاً ، فإن احتَدَّ وأصرَّ فأَدِر له ظهرك  وستجد أن الله يقيِّضُ لك من الناس مَن يدفعُه عنك ويكُفَّ أذاه ؛ ثم يحمدوك ويذموه ، وتكتسب الفضائل وتُجنَّب الأذى . وإن قدرتَ على الانتصار فهنا موضع التجاوز عن العثار. واستحيِ واستعفف وخف عقوبة الجبار جل جلاله واحذر الطغيان . ثم إن استطعت أن تكون أعظَمَ من ذلك منزلة فكن من خير الناس فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أي الناس أفضل ؟ قال : كلُّ مخمومِ القلب صدوقِ اللسان . قالوا : صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثمٌ فيه ولا بغيٌ ولا غلٌ ولا حسد " هـ ، والبيهقي في الشعب.


قال ابن تيمية في معرض ذكر بعض أنواع الصبر : (( النوع الرابع : ما يحصل له بفعل الناس في ماله أو عِرضه أو نفسه ، فهذا النوع يصعبُ الصبرُ عليه جداً ، لأن النفسَ تستشعرُ المؤذيَ لها ، وهي تكرهُ الغلبة ؛ فتطلبُ الانتقام ؛ فلا يصبرُ على هذا النوع إلا الأنبياءُ والصديقون . وكان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا أُوذي يقول : (يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) ... ثم قال : وهذا النوع من الصبر عاقبته : النصرُ ، والهدى ، والسرورُ ، والأمنُ ، وزيادةُ محبةِ الله ومحبةِ الناس له ، وزيادةُ العلم )) اهـ كلامه رحمه الله .


ومما يُعين على هذا النوع من فاضل الأخلاق أمورٌ منها :


·  أن يشهد المسلمُ أن الله سبحانه وتعالى هو خالقُ أفعال العباد حركاتِهم ، وسكناتهم ، وإراداتِهم ، فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فلا يتحرك في العالم السفلي ولا العلوي ذرةٌ إلا بإذنه ومشيئته ؛ فإذا نظر العبد إلى الذي سلَّطهم عليه سبحانه ، ولم ينظر إلى فعلِهم به = استراح من الهم ومن الغم .


·  أن يشهد ذنوبَه ، وأن الله إنما سلَّطهم عليه بذنبه ، كما قال تعالى : {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} فإذا شهد العبدُ ذلك اشتغل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلَّطهم الله عليه بسببها - عن ذمِّهم ولومِهم والوقيعةِ فيهم . فإذا رأيتَ العبد يقعُ في الناس إذا آذوه ، ولا يرجِعُ إلى نفسه باللوم والاستغفار فاعلم أن مصيبتَهُ مصيبةٌ حقيقية ، وإذا تاب واستغفر وقال: هذا بذنوبي ؛ صارت في حقه نعمة . قال علي رضي الله عنه : لا يرجوَنَّ عبدٌ إلا ربَّه ، ولا يخافنَّ عبدٌ إلا ذنبه .


·  أن يشهد العبدُ حُسنَ الثواب الذي وعده الله لمن عفا وصبر ، كما قال تعالى : {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} يوم القيامة ينادي المنادي كما ورد عن ابن عباس: ليَقُم من وجب أجره على الله ، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح .


·  أن يشهد أنه إذا عفا وأحسن أورثه ذلك من سلامة القلب لإخوانه ، ونقاءَه من الغِش والغِل وطلبِ الانتقام وإرادة الشر ، وحصل له من حلاوة العفو ما يزيد لذَّته ومنفعته عاجلاً وآجلاً على المنفعةِ الحاصلةِ له بالانتقام أضعافاً مضاعفة .


·  أن يعلم أنه ما انتقم أحدٌ لنفسه إلا أورثه ذلك ذلاً يجده في نفسه كما قال بعض العلماء ، ولكنه إن عفا أعزَّه الله تعالى ، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول : ( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً) فالعز الحاصل له بالعفو أحبُّ إليه وأنفعُ له من العز الحاصلِ له بالانتقام .


·  أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل ، وأنه نفسُه ظالمٌ مذنب ، وأنه من عفا عن الناس عفا الله عنه ، ومن غفر لهم غفر الله له . فإذا شهد أن عفوَه عنهم ، وصفحَه وإحسانَه مع إساءَتهم إليه سببٌ لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله فيعفوَ عنه ويصفح ويُحسن إليه على ذنوبه ، ويسهِّل عليه عفوَه وصبرَه ، ويكفي للعاقل هذه الفائدة .


·  أن يعلم أنه إذا اشتغلت نفسُه بالانتقام وطلبِ المقابلة ضاع عليه زمانه ، وتفرَّق عليه قلبُه ، وفاته من مصالحه ما لا يمكن استدراكه ، ولعل هذا أعظمُ عليه من المصيبة التي نالته من جهتهم ، فإذا عفا وصفح فرَّغَ قلبَه وجسمَه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام .


·  أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط ؛ فإذا كان هذا خير خلق الله وأكرمهم على الله لم ينتقم لنفسه ، مع أن أذاه أذىً لله ، ونفسُه أشرف الأنفس وأزكاها وأبرُّها ، ومع فلم يكن ينتقم لهذه النفس الشريفة ؛ فكيف ينتقم أحدُنا لنفسه التي هو أعلمُ بها ، وبما فيها من الشرور والعيوب ، بل الرجل العارف لا تُساوي نفسُهُ عنده أن ينتقم لها ، ولا قدرَ لها عنده يوجب انتصاره لها .


·  من أوذي على ما فعله لله أو على ما أَمَر به من طاعة الله أو نَهى عنه من معصيته فالصبر في حقه أوجب ، وليس لمثل هذا أن ينتقم ؛ فإنه قد أُوذي في الله فأجرُهُ على الله . ولهذا لما كان المجاهدون في سبيل الله ذهبت دماؤهم وأموالهم في الله لم تكن مضمونةً ؛ فإن الله اشتراها منهم ، اشترى منهم أنفسَهم وأموالهم ؛ فالثمن على الله لا على الخلق ؛ فمن طلب الثمن منهم = لم يكن له على الله ثمن . فإنه مَن كان في الله تَلَفُه كان على الله خَلَفُه .


·  أن يشهد أن الصبر نصفُ الإيمان ، فلا يبدِّد من إيمانه جزاءَ نصرته لنفسه ، وتركه للصبر . فإذا صبر فقد أحرزَ إيمانه ، وصانه من النقص ، والله يدافع عن الذين آمنوا .


اللهم ارزقنا طاعتك ، والإحسان إلى خلقك ، ونعوذ بك اللهم من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته ، ونسألك العافية من البلاء ، فإن ابتليتنا فثبِّتنا حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا .



 


الحمد لله على فضله وواسع رحمته ، نحمده حمد الشاكرين ، ونستغيث به ونلتجيء إليه محتاجين مضطرين ، ونفوض جميع حاجاتنا إليه مستعينين متوكلين . ونشهد ألا إله إلا الله ,وأن محمداً  عبد الله ورسوله .


ومما يعين النفس على تحمُّل مرارة الصبر على أذى الآخرين :


·  أن يشهد أن صبره حُكمٌ منه على نفسه ، وقهرٌ لها ، وغلبَةٌ لها ، فمتى كانت النفسُ مقهورةٌ معه مغلوبة لم تطمع في استرقاقه وأسره ، وإلقائه في المهالك ، ومتى كان مطيعاً لها ، سامعاً منها ، مقهوراً معها لم تزل به حتى تُهلكه ، أو تتداركَهُ رحمةٌ من ربه ، فلو لم يكن في الصبر إلا قهره لنفسه ولشيطانه فحينئذٍ يظهر سُلطانُ القلب وتثبُتُ جنوده ، ويفرح ويقوى ، ويطردُ العدوَّ عنه .


·  أن يعلم أنه إن صبر فالله ناصره ولا بُد ، فالله وكيل من صبر ، ويكون قد أحال ظالمه على الله ، ومن انتصر لنفسه وكَلَهُ الله على نفسه ، فأين من ناصِرُه اللهُ خيرُ الناصرين إلى من ناصرُه نفسُهُ أعجزُ الناصرين وأضعفه .


أن صبره على من آذاه واحتماله له يوجب رجوع خصمِهِ عن ظلمه ، وندامته ، واعتذاره ، ولومِ الناسِ له ؛ فيعود بعد إيذائه له مستحيياً منه ، نادماً على ما فعله ، بل يصير موالياً له ، وهذا معنى قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ{34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}


·  ربما كان انتقامه ومقابلته سبباً لزيادة شرِّ خصمِهِ ، وقوةِ نفس هذا الخصم ، وتفكيره في أنواع الأذى التي يُوصلُها إليه كما هو المُشاهَد ؛ فإذا صبر وعفا أمِنَ من هذا الضرر . والعاقل لا يختار أعظم الضررين . وكم قد جلب الانتقام والمقابلة من شر عجز صاحبه عن دفعه ، وكم قد ذهبت نفوس ورئاسات وأموالٌ لو عفا المظلوم لبقيَت عليه .


·  أن من اعتاد الانتقام ولم يصبر ؛ فلا بد أن يقع في الظلم ؛ فإن النفس لا تقتصر على قدر العدل الواجب لها لا علماً ولا إرادة ، وربما عجزت عن الاقتصار على قدر الحق ؛ فإن الغضب يخرج بصاحبه إلى حدٍّ لا يَعقل معه ما يقول ويفعل . فبينما هو مظلومٌ ينتصر النصر والعز ، إذ انقلب ظالماً ينتظر المقتَ والعقوبة .


·  أن هذه المظلمة التي ظُلِمَها هي سبب إما لتكفير سيئاته أو رفع درجته ، فإذا انتقم ولم يصبر لم تكن مكفرةً لسيِّئته ولا رافعةً لدرجته[1] .


 


أخي في الله تفقّد نفسك ، لا تبت الليلة وفي قلبك غل على مسلم أو تكونَ بينكم فسادُ ذات البين فإنها الحالقة التي تحلق الدين كما يحلق الموسى الشعر . اتصل بوالديك وإخوانك ، تفقد أعمامك وعماتك وأخوالك وخالاتك ، تياسر مع جيرانك ، بل اعفُ عن خصومك . بادر فعسى يُبادَر لك بالفرج ، وتملّق الله بهذا الباب من أبواب الخير فنِعم المسؤول ونِعم الوسيلة .


اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 28-12-2008

الزوار: 1016

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
شبابنا.. ثروتنا المهدرة
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
السلام تحية الإسلام
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
موالد المحروسة-خـطبة الجمعة مكتوبة
من أحكام الإحداد-خـطبة الجمعة مكتوبة
الخطبة المرورية-خـطبة الجمعة مكتوبة
أمة التحريف والاحتيال.. وصنيعهم بالمسجد الأقصى -خـطبة الجمعة مكتوبة
أمة العلم أمتي-خـطبة الجمعة مكتوبة
من شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم-خـطبة الجمعة مكتوبة
الحكماء -خـطبة الجمعة مكتوبة
أن يفخر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم..... لمحات من سيرة سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه -خـطبة الجمعة مكتوبة
الأدباء-خـطبة الجمعة مكتوبة
مسؤولية فضح الفساد والمفسدين (الفساد الإداري والمالي)-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :26823
[يتصفح الموقع حالياً [ 14
الاعضاء :0 الزوار :14
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3