الحمد لله الملكِ العلام ، القدوسِ الرحيم السلام ، مالكِ الملك وقاضي الأمر ومحيي الموتى من رفات أو عظام ، لا إله إلا هو لم يزل بالمؤمنين رحيماً ، وهو بالكافرين المعتدين عزيز ذو انتقام .
أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، الكريم الحليم العظيم المقام ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم البعث والنشور .
أما بعد ، فقد كنت أزمعت أن أتحدث في خطبتي هذه عن أدب مهم من آداب الإسلام ، وهيَّأتُ لذلك نفسي ، وإذا بالأخبار تتوارد منذ الليلة الفائتة بإقدام بعض عتاة مجرمي هولندا بنشر فيلمه الذي يصف فيه الإسلام والمسلمين بالراديكالية والجمود ، وينسب الإرهاب إلى نصوص القرآن ، ويصوِّر صوراً من واقع المسلمين أو من بعض التطبيقات لأحكام شرعية يريد بها انتقاص الدين وأهله ، والحكم على الإسلام باعتباره إسلاماً دون فرقٍ بين فهم ، وفهم ، ولا بين متطرف ومعتدل = بأنه دين متخلفٌ رجعي ؛ ليخلُصَ في آخر فيلمه الذي عمل إلى تصوير القرآن ، ومن ثُم تسمع صوتَ ورقةٍ تُشق ليأتيك التعليق بأن هذا الصوت إنما كان لورقةٍ من خارج المصحف ، وأنك أنت يا مسلم من تقع عليك تبعة شق وإزالة تعظيم هذه الآيات ، وهذا القرآن من نفسك . إنهم يريدونه قرآنا قد حُذفت منه آيات الولاء والبراء ، يريدونه قرآناً ليس فيه فضحاً وهتكاً لأستار يهود ، يريدونه قرآناً لا يأمر بالتوحيد وتعبيد الناس لرب العالمين ، ولا يأمر بالانتصار من المعتدين ، بل إذا اعتدى عليكم أهل السلام والمحبة من عبادنا الأوروبيين فكونوا أيها الإرهابيين المتوحشين ضأنا مسالمة ، وغنماً لا ترفس حتى عند ذبحها . فحسيبهم الله على ما يقولون وما يفعلون ، والله متم نوره ، ولو الكافرون .
وقفتُ إخوتي في الله عند هذه الضربة الجديدة من سفهاء أوروبا التي لا تستطيع أن تمنع سفهاءها ثم نظرت إلى موضوعي الذي أعددت ، وقلتُ إننا مع حاجتنا لتنبيه إخواننا على ما يحاك ضد ديننا ، وإلى تجييش عواطف المسلمين للتمسك بدينهم ، والعض عليه بالنواجذ ، إلا إننا أيضاً محتاجون لتأصيل الأحكام الشرعية ، والتذكير بتفاصيل ودقائق الفروع الفقهية ، والآداب النبوية لأن البناء القوي يستعصي إن شاء الله على الهادمين ، ولكي لا يشغلنا واجب عن واجب .
ثم إن موضوع خطبتنا في هذا اليوم إنما عن خصيصة من خصائص الإسلام ليس له مثيلٌ عند هذه الأمم المتغطرسة ، المغرورة بحضارتها وتقدمها . عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح وابن خزيمة في صحيحه.
أحبتي في الله إن السلام أصل من أصول دين الإسلام فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير قال " تُطعم الطعام وتقرأُ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " رواه البخاري ومسلم .
والله هو السلام الذي يسلِّم عباده ، ولا يعتريه سبحانه ما يلحق الخلق من العيب أو الفناء {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ}
والملائكة تحيي بالسلام كما قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}
والسلام من حقوق المسلمين على بعضهم البعض ، وإذا سلَّم المسلِمُ على أخيه فإنه يقول له : عليك عنايةُ الله وحفظُه وبركةُ اسمه ، وتسلم مني ومن أذاي.
والسلام هي دار المؤمنين في الجنة {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فهي دار يسلمون فيها بما أسلموا في الدنيا ، وبما يسلم منهم كل من يستحق السلام .
وهو من أسباب دخول الجنة ، وأول ما يدخلون به الجنة {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً }
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا ، فلما خلقه قال : اذهب فسلم على أولئك النفر -وهم نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يحيونك ؛ فإنها تحيتك وتحية ذريتك . فذهب فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله . قال فزادوه ورحمة الله . قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن) متفق عليه .
عن عبد الله بن سلام قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جئتُ ، فلما تبينتُ وجهه عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب . فكان أولَ ما قال : (أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ؛ تدخلوا الجنة بسلام) رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي .
إن ابتداء السلام سنة على الكفاية أي إذا سلَّم الواحد من الجماعة فإنه يُجزئ عن الآخرين ، وأكمل أحواله أن تقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، والمسلَّم عليه مأمور أن يجيب بتحيةٍ أحسن منها أو مثلها {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً}
ورد السلام فرضٌ بالإجماع على الكفاية كذلك في حق المسلَّم عليهم .
وقال جماعة من أهل العلم يقول البادئ السلام عليكم ورحمة الله فقط ؛ ليتمكن المجيب أن يجيبَ بأحسن منها ، ولا يمكنه أحسنَ منها إلا إذا حَذَفَ البادئُ : وبركاته . والأول هو الصحيح لحديث عمران بن حصين قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم ، فرد عليه ثم جلس ، فقال النبي صلي الله عليه وسلم : عشرٌ . ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فرد عليه ، فجلس فقال : عشرون . ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد عليه وجلس ، فقال : ثلاثون " رواه الدارمي وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن .
ولا يزيد على ذلك لما ثبت عن عمر ابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا : انتهى السلام إلى البركة . وأثبت بعض أهل العلم حديثاً فيه أنهم كانوا إذا سلَّم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم يقولون : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته . فإن ثبت فهو محمول على الرد لا على الابتداء والله أعلم .
ويشترط في ابتداء السلام وجوابه رفع الصوت بحيث يحصل الإسماع ، وينبغي أن يرفع صوته رفعاً يَسمعُهُ المسلَّمُ عليهم ، والمردود عليهم سماعاً محققاً ولا يزيدُ في رفعه على ذلك . وإن سَلَّم على أيقاظ عندهم نيامٌ خَفَضَ صوتَه بحيث يسمعُهُ الأيقاظُ ، ولا يستيقظُ النيامُ ثبت ذلك في صحيح مسلم من فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم من رواية المقداد رضي الله عنه ، في قصة لطيفة .
فإن كان السلام على أصم لا يسمع فإن المسلِّمَ يأتي باللفظ الشرعي لقدرته عليه ، ولأنه الذي يحصل به التعبُّد والامتثال ، ويشير كذلك باليد ليحصل الإفهام . فإن لم يضم الإشارة إلى اللفظ لم يستحق جواباً ، وكذا في جواب سلام الأصم يجب الجمعُ بين اللفظ والإشارة . وأما الأخرس فإن جوابه بالإشارة معتدٌ به ، ويُسلَّم عليه باللفظ دون إشارة .
ولا تجزئ الإشارة في حق الناطق لا سلاماً ولا جواباً ، وأما إذا جمع بين اللفظ والإشارة فحسن وسنة ؛ فقد ثبت عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد يوماً وعُصبة من النساء قعود فألوى بيده للتسليم " رواه الترمذي وقال حديث حسن .
ويستحب إذا سلم على واحدٍ أن يكون بصيغة الجمع فيقول : السلام عليكم ؛ لأنه الوارد في السنة ، ولأنه أكمل ، أو خطابا له ولملائكته كما قال بعض أهل العلم ، واتفقوا على أنه لو قال : السلام عليكم ، أو سلام عليك ؛ كفى .
وأما التحية بـ : عليكم السلام فإنها غير مشروعة على الصحيح لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبى جُري رضي الله عنه قال : " قلت : عليك السلام يا رسول الله ، قال : لا تقل عليك السلام ؛ فان عليك السلام تحية الموتى " رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة قال الترمذي حديث حسن صحيح.
فإن قال في جواب السلام : السلام عليكم –أي بلفظ التسليم- أو سلام عليكم –بالتنكير- كان جواباً بلا خلاف والألف واللام أفضل . يدل عليه جواب الملائكة لآدم لما سلَّم عليهم فقالوا : السلام عليك ورحمة الله .
ومن أحكام السلام أنه لو سلم عليه جماعة متفرقين في وقت واحد ؛ فقال : وعليكم السلام ، وقصد الرد على جميعهم أجزأه وسقط عنه فرض الجميع .
ومن أحكام السلام –وهو في أصله مستحب- أنه يكره أن يخص طائفة من الجمع بالسلام إذا أمكن السلام على جميعهم ؛ لأن مقصود السلام المؤانسة وفى تخصيص البعض إيحاش وربما أورث عداوة .
إلا أن يكون بينهم من لا يستحق السلام ككافر ونحوه ، فإنه يسلِّم عليهم ويقصد المسلم دون الكافر .
وإذا مشى المسلم في طريق أو سوق ، أو دخل مكاناً يكثر فيه الناس فإن من أخوة الدين أن يفشي السلام بين الناس ، وكان ابن عمر يغشى أسواق الناس يُفشي السلام . ولكن إذا شق ذلك وأحرج هذا الماشي أو شغله عن حديثه مع صاحبه ، أو عن شأنه الذي هو مشتغل به ؛ فلا حرج عليه حينئذٍ إن شاء الله أن يخص بالسلام بعض الناس دون بعض .
ومن السنن المهجورة اليوم أنه إذا سلم على إنسان ثم فارقه ثم لقيه على قُرب ، أو حال بينهما شيء ثم اجتمعا = فالسنة أن يسلِّم عليه ، وهكذا لو تكرر ذلك ثالثاً ورابعاً وأكثر سلَّم عند كل لقاء ، وإن قَرُب الزمان ؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا لقي أحدُكم أخاه فليسلم عليه ، فان حال بينهما شجرةٌ أو جدارٌ أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه " رواه أبو داود . وعن أنس رضي الله عنه قال " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة فتفرقوا يميناً وشمالاً ثم التقوا من ورائها سلَّم بعضهم على بعض " رواه ابن السني .
ومن السنن المهجورة كذلك السلام عند القيام من المجلس للحديث الصحيح عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم ، فإذا أراد أن يقوم فليسلم ؛ فليست الأولى بأحق من الأخرى) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد حسنة .
وجاءت السنة ببيان الحق والأولوية في السلام ، وذلك بأن يسلم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والصغير على الكبير ، والقليل على الكثير . فلو ابتدأ الماشي بالسلام على الراكب ، أو القاعدُ على الماشي ، أو الكبيرُ على الصغير ، أو الكثير على القليل =لم يكره ؛ لأنه ترك حقه . وهذا الاستحباب فيما إذا تلاقيا أو تلاقوا في طريق ، فأما إذا ورد الوارد أو دخل على قاعد أو قوم فان الواردَ يبدأُ بالسلام سواء كان صغيرا أو كبيرا قليلاً أو كثيراً .
ومن السنن المهجورة التسليم على الصبي والصبيان لحديث أنس رضي الله عنه " أنه مر على صبيان فسلم عليهم ، وقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله" رواه البخاري ومسلم . ولأن في ذلك إنزالاً لهم منازل الكبار ، وتعويداً لهم على فاضل الأخلاق ، وكمالات الأمور .
وسلام النساء على النساء كسلام الرجال على الرجال في كل ما سبق .
اللهم هب لنا من لدنك غنى يغنينا ، وأدِّبنا بالأدب الذي ترضى به عنا ، واجعلنا من خيار أوليائك سلماً لأوليائك ، وحرباً على أعدائك ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
ومن آداب السلام كذلك وضع الضوابط ، وبيان الحقوق ، فمن ذلك أنه إذا دخل الرجل إلى بيته استُحب له إلقاء السلام على أهله وولده كما قال تعالى: َإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون }. ولكن سلام الرجل على المرأة الأجنبية غير جائز لما يُخشى فيه من الفتنة ، واستثنى عدد من أهل العلم ما لا مجال للفتنة فيه ، كأن تكون امرأةً عجوزاً ، أو يكن جماعةً من النساء وفي التحفظ في إبداء السلام ورده بين الرجل والمرأة الشابة أكبر تحذير لمن يعملون مع النساء ، ويتساهلون في الحديث ، والأخذ والرد ، فضلا عن الممازحة والضحك ، عافانا الله وإياكم .
ثم إن السلام –أيها المسلمون- حق للمسلم على أخيه المسلم ؛ فلذا لا يجوز ابتداء الكافر بالتحية الخاصة بالمسلمين وهي تحية السلام ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدَهم في طريق فاضطروه إلي أضيقه " رواه مسلم
ولا بأس بمؤانسته في الحديث أو ابتدائه بغير تحية الإسلام عند جمع من أهل العلم ، خصوصاً إذا وُجدت المصلحة أو خيف منه الضرر ، ولكن يجب أن يكون ذلك بغير السلام .
أما إن ابتدأك هو بتحية الإسلام ، وقال لك : السلام عليكم ، فهل تقول له : وعليكم السلام أم لا ؟ ورد في ذلك حديث عن أنس رضي الله عنه قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم " رواه البخاري ومسلم ، وقال بعض أهل العلم : إن ذلك إذا ما كانوا يُضمرون غير السلام كما كانت اليهود تفعله ، وتقول : السام عليكم . أما إذا تيقنَّا السلام ؛ فإننا يُشرع لنا الرد عليهم بالسلام .
ومما ذكر أهل العلم فيه استحباب رد السلام رد السلام على الغائب الذي بعث به رسوله ، ويستحب له حينئذ أن يسلم عليه ، وعلى الرسول بينهما .