إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله ،، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }
أما بعد ، فإن خير الحديث كتابُ الله ، وخير الهدي هديُ محمدٍ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وشرَّ الأمور محدثاتها ، وكل بدعةٍ ضلالة .
تعودنا في خطابنا الإسلامي والدعوي أن نذكر تكريم الإسلام للمرأة ، وأن نقارن ذلك بالوضع الذي أخرجها الإسلام منه ، ونظرته إلى مكانتها ، وكثيرا ما تمَّت المقارنة بما وصلت إليه النساء في البلدان الغربية من الامتهان ، وهدر الكرامة في أحايينَ كثيرة ، وإن غُلِّفَ ذلك بغلاف الحرية ، وروِّج له بأنه غاية التحضُّر والتقدم ، وكل ذلك حق ، إلا أنه برأيي يجب ألا يُشغلنا عن واقعنا العملي في التعاطي مع هذه القضية الكُبرى من قضايا المجتمع ، ومعالجة الضعف ، ومداواة الجراح ، بل وبتر العادات والتصرفات التي تغلغل فيها المرض فلم يعد يجدي فيها العلاج .
إذاً فنحن اليوم نريد أن نفتح جرحاً ، وأن نحرِّك ساكناً في قضية تحتاج إلى علاج حيناً ، وإلى جراحة حيناً ، وإلى بتر في أحيان أخرى ، وإن أُلبست بعض تلكم التصرفات لباس الدين ، أو باركها بعض المنتسبين إلى الدين ، فإن اللهَ بريء من الظلم وأهلِه ، ودينُه وشرعُه ورسولُه بريئون منهم .
إن نصوص الكتاب والسنة في الوصية المرأة ، والرفق بها ، والتقرب إلى الله بالإحسان إليها بله الحديث عن مكانتها لا تعوز خبيراً ولا حسيراً فهي من الوفرة والكثرة ما يملأ الصحائف والمجلدات ، ويشغل المحافل والمنتديات ، ويؤسس لحقوق واضحات .
وإن في الهدي النبوي للمصطفى صلى الله عليه وسلم في تعامله مع النساء لمناراً يُؤم ، وفخاراً إلى مجد الإسلام ومجد نبيه صلى الله عليه وسلم يُضم .
فهذه امرأة جعل الله فيها للعالمين معجزة ، وأخبرت الملائكة عن اصطفاء الله لها فقالت: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} آل عمران: ٤٢ – ٤٣
وقال تعالى مبيناً حق المرأة في مهرها ومالها ، وأنها أحق به من زوجها ووالدها: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } النساء: ٤
وقال مبيِّناً بعض الحقوق ، ومبيناً العشرة الواجبة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } النساء: ١٩
وأما الهدي النبوي في هذا فكثير كثير ، ومع المرأة بكل تنوعات علاقة المرأة بالرجل ، فأما أُمُّه صلى الله عليه وسلم التي توفيت وهو صغير بالأبواء فقد روى البيهقي وغيره أنه انتهى صلى الله عليه وسلم إلى رسم قبر فجلس ، وجَلَسَ الناسُ حوله فجعل يحرك رأسه كالمخاطِب ، ثم بكى ؛ فاستقبله عمر فقال : ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال : ( هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنتُ ربي في أن أزور قبرها فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليّ ، وأدركتني رقتها فبكيت ) قال : فما رأيت ساعةً أكثرَ باكياً من تلك الساع .
وأما بناته فاسمع العجب : عن الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ : (إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَلَا آذَنُ لَهُمْ ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ ؛ فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي ؛ يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا ، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا) متفق عليه
وفي لفظ للبخاري قال صلى الله عليه وسلم : (فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي) ، وعند الترمذي : (يؤذيني ما آذاها ، ويُنصبني ما أنصَبَها)
وأما زوجاته صلى الله عليه وسلم : ففي البخاري عن عمر رضي الله عنه قال: َكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الْأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ؛ فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ . يقول: فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي ، فَرَاجَعَتْنِي ؛ فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي . فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليُرَاجِعْنَهُ ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ . فَأَفْزَعَنِي!! فَقُلْتُ: قد خَابَ مَنْ فَعَلَ ذلك مِنْهُنَّ . ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ . فَقُلْتُ: قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ ، أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَهْلِكِي ، لَا تَسْتَكْثِرِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ ، وَلَا تَهْجُرِيهِ ، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ عَائِشَةَ . فانظر إلى رحمة هذا النبي الكريم ، وصبره على ما يكون في البيوت عادة من مثل هذه الشجارات اليسيرة ، ولطفه أن لم يكن يُخبر بذلك أحداً ، وهو أقوى الناس ، وأعظمُ الناس ، وأهيَبُ الناس ، ولكنه أوفرُهم مروءة ، وأتمُّهم معروفاً ، وأوفاهم ذماماً فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه .
وحدثته مرة عائشة رضي الله عنها أو حدثها بخبر نسوةٍ اجتمعن وحدَّثت كل امرأة منهن عن زوجه إلى أن قالت المرأة الحادية عشرة عن زوجها أبي زرع : زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ ، أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي . وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ ... الخ ما قالت وذكرت من جميل عشرته ، ثم ذكرت في آخر قصتها أنه طلقها واستبدل بها غيرها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : (كنت لك كأبي زرعٍ لأم زرع) رواه البخاري ، وجاء في بعض روايات الحديث الصحيحة : (إلا أن أبا زرع طلَّق وأنا لا أُطلِّق) .
وأما سائر نساء المسلمين وأحيائهم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَبْصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءً وَصِبْيَانًا مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ فَقَامَ مُمْتَنًّا فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ . رواه البخاري ، يعني الأنصار .
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ : أَنَّ مِسْكِينَةً مَرِضَتْ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرَضِهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ الْمَسَاكِينَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي بِهَا . فَخُرِجَ بِجَنَازَتِهَا لَيْلًا ، فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهَا ، فَقَالَ: أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِهَا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْنَا أَنْ نُخْرِجَكَ لَيْلًا ، وَنُوقِظَكَ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . رواه مالك في موطئه والنسائي في السنن.
وأما الوصاة العامة فما أكثرها ، ومنها على سبيل الاختيار والإيجاز :
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا . رواه البخاري .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ . رواه أحمد وابن ماجه .
عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ) فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ . فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ) أبو داود والنسائي وغيرهما .
بعد هذا التَطواف مع هذه الشمائل النضرة أكرر فأقول :
اللهم إني أحرِّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة .
اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة .
اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة .
أحبتي في الله ، جعل الله للرجل من الحق على المرأة ما تطيعه به ، وتأتمر فيه بأمره على أن يكون ذلك بالقسط وترك الجور ، وبالمصلحة وترك الحيف ، وعلى أن يكون ذلك مما يُتَّقى اللهُ تعالى فيه .
إن من يتعرض للناس في هذه الأيام ليطلع على أمور من أمور البيوت ، ومصائب مما يدور في الشُرَط وأقسام التحقيق ، بل ويسمع عن قضايا في المستشفيات فضلاً عن المحاكم ما يُنذر إن لم يُنهَ عنه ، ويبيَّن للناس هديُ الإسلام فيه أن يُنذرَ بخطر عظيم .
إن بيوتنا –أخوتي في الله- هي معاقلنا وحصوننا التي إليها نأوي ، وعنها ندافع ، وفيها نطمئن ونسكن {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } الروم: ٢١ ، وإن أي إصابة من أعدائنا لنا في بيوتنا لهي إصابة في مقتل ، وأي مقتل ، بل إنها المقتل الذي لا وراءه .
وقد أمر الله بالعدل والإنصاف ، وعجَّل عذاب الظلم ، وما لم نحصِّن صفوفنا ، وننق أعمالنا من الظلم ، ونجتنبه مع البعيد ، كيف القريب ؛ فإن غضب الله قد يعاجل ، ونقمته قد تحل ، ألم نستسق في عامنا هذا المرة تلو الأخرى ، ولا زالت السماء تمسك مطرها ، أفليس لنا في هذا يدٌ أو تسبب؟
((اللهم إني أحرِّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة)) ، فارحم الضعيف يرحمك جبار السماوات والأرضين ، وتذكَّر إنك إن كنت قادراً عليها فاللهُ أقدرُ عليك منك عليها .
نعم والله إن في بيوتنا لعدل كثير ، ولكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن هناك أنواعاً من الظلم هنا وهناك .
نعم إن في بيوتنا براً كثيراً ، إلا أن حوادث العقوق وعقوق الأمهات لا تكاد تخطئها أذُن .
نعم إن كثيراً من الآباء ليحدبون على بناتهم ، ولكنك ترى وتسمع ، وتعايش من قصص بنات أخَّر آباؤهن -عن عمد- زواجهن وعضلوهن دونما حق من الله يخولهم بذلك ، ولا مصلحة دين أو دنيا ؛ لتبقى البنت بين مصيبتين عظيمتين لا يطيق أكثر نساء تحملهن: إما أن تصبر على كُرهٍ وظلمٍ وفوات حظها من أجمل ما في هذه الدنيا ، أو أن تشتكي أباها إلى المحكمة لتقف معه في خصومة أمام القاضي ، وكثيرات لا يستطعن ذلك لما جَبَلَ الله النساء عليه أولاً ، ولأنها تعود بعد الخصومة وفي أثنائها إلى بيت هذا الظلوم الجافي ثانياً ، فما ظنك حينئذٍ .
تأمل رحمك الله في هذه الآيات ، وتأمل التعقيب القرآني الرائع عليها ، يقول الله تعالى : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } النساء: ٣٤
نعم إن كنت تضرب أو تبغي على زوجتك أو ابنتك أو أختك فضلا عن أمك فلا تنس أن الله عليٌ فوق خلقه لا يغيب عليه من أمرهم شيء ، كبير متعالٍ متكبِّر ينتقم للمظلوم من ظالمه ، فإياك ثم إياك أن يكون الجبار تعالى خصمُك يوم القيامة .
من العناية بمولياتك من النساء :
1. القيام بالواجب الشرعي بكفالتها وحمالتها ، نعم فقد علل الله الحكمة من القوامة بأنها {بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} النساء: ٣٤ ، فالنفقة واجب الزوج والأب ولو كان الزوج أو الأب محتاجاً فقيراً ، والزوجة أو البنت –غير المتزوجة- ميسورة الحال ، كثيرة المال. وأحسب أن لو قام كل الرجال بواجباتهم في ذلك ، لكُفي كثيرات من النساء هم الوظيفة ، وصداع العمل خارج البيوت ، وإن كان لذلك أسبابٌ أخرى .
2. اجتناب الظلم والاحتقار ، فكلمات مثل : الأهل أكرمكم الله ، أو العيال أعزك الله تليق بالبهائم ولا تليق بالبشر ، قد تليق بعباد البقر ، ولكنها لا تليق بأتباع خير البشر . وهكذا عند البعض أن لا تأكل المرأة إلا متأخرة ، وأن يستأثر الرجال بالأكل الطيب النظيف ، والباقي الدون لمن يرونهن من الدون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وأذكر رجلا من الناس كنتُ أتحدَّث معه فجرى ذكر والدته ، وبيَّن أنهم يأكلون في بيتهم بصورة يُفصل فيها الرجال عن النساء ، ولا بأس بذلك إن كان له سبب ، ولكني سألته قائلاً : هل يعني هذا أنك لا تأكل مع أمك؟ ، فأجابني مُغضباً متعجِّباً : وكيف تريدني أن آكل مع أمي؟ وكأنه أمر يخدش رجولته !! فقلتُ له : والله إنك لمحروم ، من نعمةٍ من النِّعم الكبيرة ، وأنت تظن العقوبة خيراً وكمالاً .
فتباً والله لعادة أورثت هذه الحال ، وهذا الاعتقاد .
الخطبة الثانية :
ومن الظلم كذلك :
إيذاؤها جسدياً أو معنوياً ، جسدياً بالضرب من غير سبب ، والضرب الذي وردت به الشريعة ضربٌ بسبب ، ومرحلة علاجية تسبقها مراحل ، وهو ضربٌ غير مبرِّح لا يكسر عظماً ، ولا يجرح أو يُدمي .
وأما الإيذاء المعنوي فحدِّث ولا حرج عن النظر المحرم إلى النساء الأجنبيات ، أو التمادي في متابعة القنوات والكليبات في صورة من صور إهدار كرامة الزوجة ، والاستعاضة عن الطيب النفيس ، بالقذر الخسيس الملقى على عتبات الفضائيات ، ومزابل الانترنت . ومنه كذلك أن يكون دأب الزوج وهجيراه ذكر الزواج من الثانية ، وتنغيص أوقاتها ، وتكدير عيشها بهذا الذكر كلما صفا لهم ود ، أو طاب بهم مجلس . تزوَّج أخي في الله ، فالله أباح لك الثانية والثالثة والرابعة ، ولكن من الذي أباح لك التنغيص ، وتكدير العيش دون فائدة ، ولا لسبب ، إلا سوء العشرة ، والعياذ بالله .
ومن حقوق الزوجية المكارمة ، والتوفية على الحق الواجب بالمعروف ؛ فتطعمها مما تطعم ، وتكسوها مما تكتسي ، وتعطيها ما يتعارف النساء على إعطائها إياه في المجتمع ، من المال ، والنزهة ، والأثاث {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا} الطلاق: ٧.
ومنه ألا تحرم أهلك وولدك لذاذة وجودك ، والخروج معك ، بدعوى الانشغال بالعمل أو الأصدقاء ، فضلاً عن تركهن عرضة لكل خسيس أو فاسق في الأسواق ، يؤذيها هذا بكلمة ، أو يحتك بها ، أو يبتزها ؛ لأنها غاب عنها قيمها ، وحاميها في هذا الموطن :
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مربِضَ المستنفر الحامي
ومن المكارمة العفو عن الزلات ، وتقدير الظروف التي تعتري النساء من الحيض والنفاس ، وماذا يضيرك إن لم تطبخ المرأة يوماً لعارضٍ ألمَّ بها ، أو أنها أخطأت بكلمة وهي حافظة لعهدك ، وما صدر منها ذاك إلا خطأً . فالكريم يتجاوز ويصفح ، بل ويُغلب في أحيان ، واللئيم يُهاب ، ولا يُرجى خيره ومعروفه ، عصاه حاضرة ، ومكارمه داثرة .
ومن أهم حقوق المرأة التي تتولى من أمرها ما ولاك الله أن تنهاها عن الشر ، وتدلها على الخير ، أن تأمرها بالمحافظة على صلاتها ، ودينها ، وحجابها ، وأن تمنعها من العمل في الأماكن التي تختلط فيها بالرجال ، وأن تغذيها بأغذية الإيمان ، من التذكير بالله ، وفتح أبواب الخير لها في حلق تحفيظ القرآن ، وفي تجمعات النساء الصالحات . وقبل عشرة أيام توفيت امرأة أربعينية في مدينة جدة ، امرأة أمية لا تقرأ ولا تكتب ، دخلت إلى دار التحفيظ النسائية ، وحفظت فيها في ثلاث سنوات أكثر من سبعة أجزاء من القرآن ، ثم جاءها أجلها ، وهو في الفصل مع زميلاتها تقرأ في مصحفها ، فحزنوا عليها ، وفرحوا لها ، فكم لوليها عليها رحمها الله من نعمةٍ أن أخذها لذلك الصرح ، وتسبب لها في ذيالك الخير !!
اخواني في الله ، إن في النساء ظلمة كما في الرجال ظلمة ، وإن في البيوت من ذا ، وذا ما يحتاج إلى تواصٍ لإصلاحه وإزالة فساده ، وإنما تركَّز حديثي على النساء إذ الواقع معهن ، وفي حقهن أكثر ، والشكوى المرة تسمعها منهن أكثر وأكثر ، والوصية بهن في الشريعة أعظم ، ولأن الرجل هو القوي ، وهو الذي يقدر أن يستبد ويظلم في الغالب ، جنبنا الله وإياكم مضلات الفتن ، ومزلات الأقوال والأفعال .