إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يُضلل فلا هادي له .
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتُن إلا وأنتم مسلمون}
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً }
أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة .
أيها المسلمون : بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم نوراً وهدىً ورحمة ليُخرج الناس أجمعين من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، قال تعالى {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} الفرقان: ١ . ومع هذا فقد كان لأهل الكتاب وضعيةٌ خاصةٌ تستدعي أن يكونوا أولى من غيرهم بالإيمان به عليه الصلاة والسلام واتباعه قال تعالى : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ{15} يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} المائدة: ١٥ – ١٦، {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } الصف: ٦ وقد كانت اليهود في المدينة تعلم ببعثته صلى الله عليه وسلم وتنتظرها ، إلا أنهم كانوا يطمعون أن تكون فيهم ، وهكذا فإن نصارى نجران قد جاؤوه وسمعوا ما عنده وعرفوا منه الحق ولكنهم شحوا بباطلهم عن الحق الذي جاء به صلى الله عليه وسلم ، وقصتهم مسطرة في صفحات عديدة من سورة آل عمران . ومع ذلك فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يوصي بأهل الكتاب خيراً ، وعامل الإسلامُ اليهودَ والنصارى معامَلَةً تمتاز عن معاملة سائر الكفار كونَهم أتباع ملل أنزلها الله ، وكونَهم أقربَ وأرجى أن يُسلموا ، فأحلَّ لنا ذبائحَهم ، والمُحصَنات من نسائهم ، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن من أهل الكتاب من يُؤتى أجره مرتين ، وهو مَن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قبل ذلك مؤمناً بنبيه فذاك يؤتى أجره مرتين: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ{52} وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ{53} أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} القصص: ٥٢ – ٥٤ .
أيها المسلمون إن من لم يؤمن برسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم من إنسٍ أو جان هو عندنا كما علَّمنا الله : كافرٌ ، والكافر من أهل النار كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ{19} فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} آل عمران: ١٩ – ٢٠ ولكنهم في ذلك أصنافٌ ، فليس الكتابيُّ كالمشركِ أو الوثني أو الملحد ، وليس الذي بينه وبين المسلمين عهدٌ أو ذمة كمن لم يكن كذلك ، ولا الظالمُ المعتدي كمثل المسالم المهادن . إن حُكمنا على من لم يتَّبِع الإسلام أنه من أهل النار إنما هو من باب الأمانة ، وبيان حقيقة الأمر لا من باب التشفي ولا من باب الاستعلاء أو الكبرياء في الأرض ، فضلا عن أن يكون اعتداءً أو قتلاً أو تشريداً ، فنحن كما لا نملك حق إدخال من نشاء الجنة ، فليس بمقدورنا أن نُسكن أحداً النار أو أن نقترح تعجيله إليها إلا بمسوِّغٍ شرعي ، في أحوالٍ محدودة . إذاً فالمسألةُ مسألةُ عقيدة ، وبيانُ رسالة ، لا مسألةَ اعتداءٍ أو انتهاكِ حرمات . وللعلم فكما أننا نكفر اليهود والنصارى ومَن سواهم من سائر الأديان فإنهم كذلك يفعلون ، ويقول اليهود بأنهم أبناء الله وأحباؤه ، ويدعي النصارى أنه لا خلاص إلا في الكنيسة .
أعود لأقرر : أمةُ الإسلام أمةُ رسالة ، أمةُ دعوة ، أمةُ رحمة ، من واجبها الملقى على عاتقها أن تبصِّر العالم أجمع برسالة الله التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن تُزيلَ كل الحواجزَ والموانعَ التي تحول بينهم وبين فهمها كما أرادها الله ، ليهلك بعد ذاك من هلك عن بيِّنة –وبرهان واضح - ، ويحيى من حي عن بينة . ليس من هدف المسلمين أفراداً ولا جماعات أن يُقتل أهل الأديان سواهم كيما نعجِّل بهم إلى النار كما قد يقول البعض ، ولكنّ من الواجب علينا أن يُعرفَ الإسلام وأن يُشرحَ للعالم كما أراد الله ، فإنْ وقفت جهةٌ أو دولةٌ أو أحبارٌ ورهبانٌ أمام دعوة الإسلام أن تبلُغَ العالمين بالمنع أو التشويه فإن من واجب دولة الإسلام أن تسعى إلى إزالة هذا العائق بكل طريقٍ ممكن ، ولو لم يكن إلا القتال فلتقاتل دولةُ المسلمين الذين يحولون بين الناس وبن سماع الإسلام ، وفهم الإسلام فضلاً عن الدخول فيه ، ليبقى الأمر بعدها للأفراد يختار الواحد منهم مصيره ، ويتَّبع ما يعتقد {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} البقرة: ٢٥٦ . ومن جاءنا ليتعلم القرآن ، وليتعرف على الإسلام فإننا نستقبله ونعرِّفه بالدين حتى وإن كان من قوم محاربين {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } التوبة:٦
أيها المسلمون ، إن خللاً كبيراً يقع ويمارس في معرفة الإسلام وأهله والتعريف بهم ، وإن ستين كتاباً تصدر في العالم الغربي شهرياً عن الإسلام خمسٌ وأربعون منها تحوي معلوماتٍ مشوَّهةٍ عن الإسلام وعن نبيه صلى الله عليه وسلم. إنهم يتحدثون عن إسلام لا نعرفه ، وعن نبي ليس نبيَّنا يقيناً ،كما روى أبوهريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم ؟ يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد . رواه البخاري .
ومع أن الله يصرف عنه السوء والفحشاء صلى الله عليه وسلم إلا أن واجبنا تُجاه العالم في تعريفنا به صلى الله عليه وسلم وبدينه لا يزال قائماً ، بل إن الحاجة لتمَسُّ إليه شهراً بعد شهر ، ويوماً بعد آخر .
إن الأوربيين شأنهم شأن غيرهم من الناس – فيهم المنصف العاقل ، وفيهم الأعمى الحاقد ، ويبقى أن أكثر الناس إنما هم أتباعٌ لقادتهم ومفكريهم وسياسييهم ، يقلدونهم ، ويدينون بدينهم {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا } الأحزاب: ٦٧ . ويبقى أن هؤلاء النُّخب كثيرٌ منهم تقوم بدور إجرامي في إشاعة الخوف من الإسلام ، ومن أهله ، وفي تجييش عواطف الناس ضد الإسلام وأهله . وما مسألة الصور المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم عن هذا بمعزل . نعم إن ما قامت به (جيولاندز بوستن) يُعد مثالاً واحداً من أمثلة هذا التخويف من الإسلام ، فهذه الصحيفة قد دأبت منذ عام 2003 للميلاد على إثارة مخاوف قرائها من الإسلام ، وفي 15 أكتوبر عام 2004 نشرت مقالا مطوَّلاً بعنوان : خطر الإسلام ، وهو خلاصة حوار بين دانيال بايبس مع فليمنغ روس مسؤول الصفحة الثقافية ، وصاحب فكرة الرسوم الوقحة ، ولم يكف الرجلان خلال الحوار عن تشويه صورة العرب والمسلمين بشتى الوسائل . ثم جاءت أزمة الرسوم التي نشروها قبل عام ونصف ، وكانت نتيجة مسابقة عامة طُرحت على القراء لرسم صور عن الإسلام والإرهاب ، في حلقةٍ من سلسلة تخويفٍ للغربيين من الإسلام . الإسلام الذين هم اليوم بأمس الحاجة إليه ، ليزيل عن نفوسهم شقاءها ، وعن أجسادهم شعث المادية ، ونتن الانفلات . فكما يقول المسلم الألماني مراد هوفمان : سئمت أوروبا من الكنيسة وهربت منها إلى المادة وإلى الإلحاد ، واليوم سئمت أوروبا من المادية والإلحاد وهي تريد الهرب منها ، وسيكون مصيرها في هذه الألفية الثالثة من التاريخ أن تنتقل من الإلحاد إلى الإسلام .
أحبتي في الله إن تعمد تشويه صورة الإسلام جريمةٌ تمارسها العديد من الكنائس ورجال الدين ، مثل البابا بنديكتس السادس ، ولورانس براون ، وجوزيني بيرنارديني ، وبات روبرتسون ، وجيري فلويل ... وغيرهم كثير . يقول برنارديني أسقف أزمير الكاثوليكي بتركيا في محاضرةٍ ألقاها أمام مجمع أساقفة في الفاتيكان : إن العالم الإسلامي سبق وأن بدا باسطاً سيطرته بفضل دولارات النفط ، إن هذه الدولارات لا تستخدم لخلق فرص عمل في الدول الفقيرة ولكن لبناء مساجد ومراكز ثقافية للمسلمين المهاجرين إلى دول نصرانية بما في ذلك روما عاصمة النصرانية . ثم يقول : إن الجميع يعرف أنه يجب التمييز بين الأقلية المتعصِّبة والعنيفة ، والأكثرية الهادئة المعتدلة ، لكن علينا ألا ننسى بأن الأكثرية هذه ستقف وقفة الرجل الواحد ، وستستجيب دون تردد لأوامر باسم الله أو القرآن . يقول بول فندلي : هناك الكثير من رجال الدين النصراني في أمريكا يقومون بتشويه صورة الإسلام ... والحقيقة أن الإسلام ليس خطراً على النصرانية أو الحضارة الغربية ، ولكنّ كتّاباً غير مسلمين هم الذين شوَّهوا صورته في الغرب .
وكذلك يمارس التشويه المتعمد لحقائق الإسلام جملةٌ من المفكرين والمثقفين والمستشرقين أمثال بيرنارد لويس ، ودانيال بايبس ، وبول وولفيتز ، ومورو بيرجر ، ومايكل سكوب ، وصمويل هنجتنجتون وغيرهم كثيرون تقول جوديت ميلر : لا فائدة في التمييز بين إسلام معتدل وآخر متطرف ، ولا فائدة من أي حوار مع الإسلام والمسلمين .
كما يمارسه ساسة من أمثال بوش ، وتشيني ، وكيسنجر ، وهوارد ، وتاتشر وغيرهم كثر ، بل إن الدائرة ها هنا تتسع إذ تتسع الأهداف لتحقيق أهداف شخصية وانتصارات في انتخابات ، وصفقات أسلحة ، وتمريرات لقوانين غير جيدة .
ولذا فإن دائرة الخوف من كل ما هو إسلامي ، بل من كل ما هو مسلم آخذةٌ في الاتساع ، فمثلاً :
أسقف كانتربري أصبح عدواً لمجرد أنه ذكر الشريعة الإسلامية بخير ، بالطبع هو لم يمتدحها ، ولكنه تحدث قبل أقل من شهر عن بعض الجوانب الإيجابية في الشريعة الإسلامية ودعا إلى الاستفادة منها - الأمر الذي سبب حالة غضب عارمة ضد هذا الأسقف ، ووُصف في بعض المرات بأنه الأسقف العدو ، ودعا البعض إلى رحيله ، واعتبروه قد أضر بسمعته وفقد مصداقيَّته ووصف أحد وزراء الحكومة هذا التصريح بأنه وصفة للفوضى ، تبع ذلك مع الأسف هجمات شرسة شنتها معظم الصحف البريطانية على الإسلام والشريعة الإسلامية .
سبقت هذه الضجة ضجةٌ أخرى في بلجيكا التي عُقد في مدينة انتويرب منها في منتصف شهر يناير –أي الشهر الماضي- مؤتمراً تحت عنوان (مدن ضد أسلمة أوروبا) تم الاتفاق فيه على تأسيس تحالف يضم عددا من الأحزاب والمنظمات لمعارضة ما يعتبرونه أسلمةً لأوروبا . المؤتمر شارك فيه قيادات من يمينية من عدة دول خصوصاً ألمانيا والنمسا . وارتفعت خلال المؤتمر الأصوات مناديةً بمنع بناء المساجد في القارة الأوروبية ، ومنع ارتداء غطاء الرأس الذي تلبسه المسلمات وكذا النقاب ، وقال زعيم الحزب اليميني المتطرف : إننا لسنا ضد حرية العقيدة ، لكننا لا نقبل بأن يفرض المسلمون علينا تقاليدهم وطريقتهم في الحياة التي لا ينسجم معظمها مع طريقتنا ، ولا يمكننا أن نقبل بغطاء الرأس في مدارسنا ، كما أننا لا نقبل بالزواج الإجباري ، وبالذبح الديني للحيوانات . اهـ وأشار إلى أن في أوروبا ستة آلاف مسجد ، ليست دورا للعبادة فقط ، ولكنها رموز للتطرف .
وفي بلجيكا هذه التي سبق وأن نشرت بعض صحفها الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم = حظرت السلطات المحلية غطاء رأس البنات في المدارس ، وتدور مناقشات حول توسيع هذا الحظر ليشمل المواصلات العامة ، ووافق المجلس البلدي لمدينة ليرز القريبة من انتويرب أكبر مدن المقاطعة الفلامنية في البلاد على مشروع قرار يقضي بحظر الحجاب والرموز الدينية الأخرى لكل العاملين بالمؤسسات الحكومية والعامة وبالتحديد الذين لديهم اتصال مباشر بالمواطن .
ولا ننسى الضجة التي أُثيرت حول الحجاب في فرنسا قبل ثلاثة أعوام حين تقرر رفع حجاب الفتيات في المدارس لأنه بدا أمراً معارضا لِقِيَم الجمهورية العلمانية .
وفي سويسرا فاز حزب الشعب برئاسة البليونير كريستوف بلوشر في الانتخابات العامة قبل بضعة أشهر لأنه كان يبني حملته الانتخابية على أساس العمل من اجل تغيير الدستور السويسري لمنع بناء مآذن في الجوامع في جميع أنحاء سويسرا .
وفي محرم الماضي قبل شهر أدت حملة شنتها مجموعة من الناشطين الأصوليين المسيحيين في إحدى كنائس ولاية أوهايو، إلى منع مجلس المنطقة من إصدار تصريح لإقامة مسجد ومجمع أسري لمسلمي أمريكا في الولاية . حيث رفض مجلس المنطقة السماح للمسلمين بإقامة المسجد أو المجمع الأسري للمسلمين ، على الرغم من زيادة أعداد المسلمين في المنطقة ، بعد أن قادت مجموعة مسيحية حملة تليفونية دعت فيها سكان منطقة "جرياتير دايتون" بولاية أوهايو الأمريكية التجمع أمام مجلس المنطقة أثناء اجتماعه لبحث إقامة مسجد ومجمع أسري للمسلمين في المنطقة ، احتجاجاً على بناء المسجد .
وفي أكتوبر الماضي قبل أقل من ستة أشهر تم تنظيم أسبوع للتوعية من مخاطر الفاشية الإسلامية في مائتي جامعةٍ أمريكية بين المطبوعات التي أعدت للتوزيع على طلاب الجامعات صورة لمسلمة محجبة يجري دفنها تمهيداً لرجمها، أرادوا بها أن يدللوا على وحشية المسلمين في تعاملهم مع النساء.
ضجة كبيرة قبل نحو سنة ونصف بلغت إلى حد أن يعلق عليها رئيس الوزراء في أستراليا حينما علَّق مفتي المسلمين هناك في خطبةٍ له وذكر أن النساء السافرات لحم مكشوف ، وهن اللاتي يعرضن أنفسهن للتحرش بهن .
دعوات تُطلق لربط الإسلام بالفاشية ، بل بلغت الوقاحة ببعضهم أن ادعى بأن هتلر إنما كان مسلماً ، وأنه تعلَّم سفك الدماء من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم .
وكثير كثير مما لا يسع الواحد منا تصوره فضلا عن حصره أو إلقائه .
إن في المقابل : عقلاء يسعون لرأب الصدع ، ويفعلون ما بوسعهم تحدُّثا وكتابة دفاعا عن الحريات ، وعن حقوق المسلمين ، وضد تزييف الحقائق عنهم قسيسين ورهباناً ، وسياسيين ومثقفين ، ورجالا ونساء من عامة الناس أفليس من واجب هؤلاء وأولئك المعتدين أيضاً علينا أن يسمعوا منا ما هو الإسلام الصحيح الذي أنزله الله نورا وهدى للعالمين .
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدق من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار . رواه مسلم .
الحمد لله رب العالمين يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، يهدي من يشاء برحمته وحلمه ، ويُضل من يشاء بحكمته وعلمه ، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن ، وهو على كل شيء قدير . أشهد ألا إله إلا هو إلهاً عالماً حكيماً ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله نذيراً عظيماً ومبشِّراً كريماً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
وبعد : أيها المسلمون كما حاولت أن أبين في الخطبة الماضية فإن جزءً من قضية الإساءة للإسلام هي جهلٌ به ، ودواء الجهل بالعلم ، وبالتعريف الصحيح الموثوق بالإسلام ، وهو واجب المسلمين أجمعين كلٌ بحسب استطاعته ، وعلى من أتقن التواصل باللغات الأجنبية الحية من الواجب ما ليس على من سواه من المسلمين .
وكذلك فإن جزءً آخر من هذه الأزمة هو أزمة احترام أو معرفةٍ لقيمة هذه الأمة العربية المسلمة إذ ظن البعض بأن الاعتداء عليها غير مكلِّف ، ولا ذي خطر ، فاستمرؤوا ذلك لسياسة أو مصلحة أو تجارة ، ودواء هؤلاء بأن يعرفوا كُلفة ما يصنعون ، وأن لا تمر هذه الأزمات علينا بسلام ، فمن يهُن يسهل الهوان عليه . وعليه فواجب الأفراد هو المقاطعة والإيلام الاقتصادي ، وكذلك من واجبهم كشف الازدواجية الغربية في المعايير ، وبيان تناقضهم ، وإساءتهم ؛ وواجب الحكومات أن تسعى في ردع المتطاولين أفراداً ودولاً بسحب السفراء ، وطرد سفراء الدنمارك ، والمطالبة بإقامة حكم الله في هذه المجرم الأثيم ، وردع كل من يسلك مسلكه .
وعلى الدول الإسلامية كذلك مسؤولية في طبع الكتب ، وتوثيق وتمتين التمثيل الثقافي ، وتبني الترجمات الموثوقة للقرآن ، والسيرة النبوية الصحيحة ، لا عذر لنا عند الله إلا بذلك ، وذلك هو أقل القليل .
وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً .
أخيراً قد يقول البعض ، وما ذنب هذه الشركات أو أفراد الشعب الدانمركي حتى يعاقب الجميع ، ولهؤلاء أقول : إنه من أسلم قياده لأحد فإنه يتحمل تبعات ما رضي به ، وإلا لما انتصف مظلوم ، ولا رجع حق ، ويوم القيامة يدخل كثير من الناس النار وإنما كانوا أتباعاً للكبراء ، وللمجرمين ، فما كان هذا ليحول بينهم وبين النار ، قال تعالى: {وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } إبراهيم: ٢١ ، وقال : {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ{47} قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} غافر: ٤٧ - ٤٨
اللهم ألهمنا رشدنا ، وقنا شرور أنفسنا .
اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين .
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين ، وانصر اللهم من نصر الدين ، واخذل اللهم من خذل الإسلام والمسلمين .
اللهم كن لإخواننا في فلسطين ، اللهم هدئ روعتهم ، اللهم احقن دماءهم ، اللهم ذب عن أعراضهم ، اللهم انتقم من عدوِّك وعدوِّهم ، اللهم ارحم المستضعفين ، والنساء والأطفال والشيوخ يا رب العالمين ، وأرنا في اليهود ما تقر به أعين المؤمنين ، ويذهب به غيظ قلوبهم يا رب العالمين .
اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا غيثا هنيئاً مريئاً ، سحا طبقاً مجللاً ، نافعاً غير ضار يا رب العالمين . اللهم اسق أرضك الميتة ، وأحيها بالغيث ، وأغث نفوسنا ببركتك ورحمتك .