الحمد لله الهادي النصير ، فنعم النصير ونعم الهاد ، الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويبين له سبل الرشاد ، كما هدى الذين آمنوا لما اختُلف فيه من الحق وجمع لهم الهدى والسداد ، والذي ينصُرُ رُسُلَه والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، كما وعده في كتابه وهو الصادق الذي لا يُخلف الميعاد .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقيم وجه صاحبها للدين حنيفاً ، وتبرِّئَه من الإلحاد ، وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه أفضل المرسلين وأكرم العباد ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره أهل الكفر والشرك والعناد ، ورفع له ذكره فلا يُذكر –تعالى- إلا ذُكر معه كما في الأذان والتشهد والخطب والمجامع والأعياد ، وكبت محادَّه ، وأهلك مُشاقَّه ، وكفاه المستهزئين به ذوي الأحقاد ، وَبَتَرَ شانئه ، ولعن مُؤذيَه في الدنيا والآخرة وجعل هوانه بالمرصاد ، واختصه على إخوانه المرسلين بخصائص تفوق التعداد ، فله الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود ولواء الحمد الذي تحته كل حمَّاد ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله أفضل الصلوات وأعلاها وأكملها وأنماها كما يحب سبحانه أن يُصلى عليه وكما أمر ، وكما ينبغي أن يُصلَّى على سيد البشر . والسلامُ على النبي ورحمةُ الله وبركاته أفضلَ تحيةٍ وأحسنَها ، وأولاها وأبركها ، وأطيبها وأزكاها صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم التناد ، باقيين بعد ذلك أبداً رزقا من الله ما له من نفاد .
أما بعد فان الله تعالى هدانا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأخرجنا به من الظلمات إلى النور ، وآتانا ببركة رسالته ويُمن سفارته خير الدنيا والآخرة ، وكان من ربه بالمنزلة العليا التي تقاصرت العقول والألسنة عن معرفتها ونعتها ، وصارت غايتُها من ذلك بعد التناهي في العلم والبيان الرجوعَ إلى عيها وصمتها . وقد أوجب الله حُبَّه ، وحرم أذيَّته {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً } ، وجعل طاعته في طاعته ، ومعصيته في معصيته {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } . وكان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس في معرفة قدره ومنزلته ، وإجلاله وإعظامه ، وتفديته بكل نفيس صلى الله عليه وسلم .
ففي معركة أُحُد مواقف :
منها ما رواه النسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحةُ بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون، فقال: " ألا أحد لهؤلاء ؟ " فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كما أنت يا طلحة "، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله. فقاتل عنه ، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه من أصحابه ، ثم قُتل الأنصاري ، فلحقوه فقال: " ألا رجل لهؤلاء ؟ " ، فقال طلحة : أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كما أنت يا طلحة "، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله ، فقاتل وأصحابُه يصعدون في الحبل، ثم قُتل الأنصاري، فلحقوه صلى الله عليه وسلم ، فلم يزل يقول مثل قوله الأول ، ويقول طلحة: أنا يا رسول الله فيحبسه، ويستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله ؛ حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لهؤلاء يا طلحة ؟ " فقال: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، فقال: حس ، فقال: لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء.
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنْ النَّبْلِ فَيَقُولُ : انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ . قَالَ وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ خ
وترَّس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو ينحني عليه، حتى كثر عليه النبل وهو لا يتحرك.
وقاتل عبد الرحمن بن عوف قتالا شديداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصيب فوه فهَتِم، وجُرح عشرين جراحة أو أكثر، وجُرح في رجله، وكان يعرج منها. وروى ذلك الحاكم عن إبراهيم بن سعد.
وقاتل سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالاً شديداً. وروى البخاري عن سعد قال: نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد، وقال: " ارم فداك أبي وأمي ".
فلما رجعوا من معركتهم ، وكان قد شاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُتل في المعركة أخذ الناس الحزن والغم ، وكبُرت عليهم المصيبة ، ولم يعدلوا بمصيبتهم به صلى الله عليه وسلم أباً ولا أخاً ولا ولداً فقد روى ابنُ إسحاق والبيهقي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص : أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالوا: خيراً ، هو بحمد الله تعالى كما تحبين ، قالت: أرونيه ، فلما رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل .
وقد روى ابن المبارك في الزهد، عن زيد بن أسلم أن عمر - رضي الله تعالى عنه - خرج ليلة يحرس الناس فرأى مصباحاً في بيت، وإذا عجوزٌ تنفش صوفاً، وهي تقول:
على محمدٍ صلاةُ الأبرار * صلى عليه الطيبون الأخيار
قد كنت قواماً بُكاً بالأسحار * يا ليت شعري والمنايا أطوار
هل تجمعني وحبيبيَ الدار .
تعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فجلس عمر - رضي الله تعالى عنه - يبكي.
وكان ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحب له ، قليلَ الصبر عنه ، فأتاه ذات يوم وقد تغيَّر لونُه يُعرف الحزن في وجهه فقال له : " ما غيَّر لونك " ؟ فقال : يا رسول الله ما بي من مرض ولا وجع ، غير أني إذا لم أرك استوحشتُ وحشةً شديدة حتى ألقاك ، ثم إني ذكرت الآخرة ، أخاف ألا أراك لأنك ترفع إلى عليين مع النبيين ، وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل الجنة لم أرك أبدا فنزل قوله تعالى : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } . الحديث صححه الألباني بشواهده .
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفوسهم ملء السمع والبصر ، بل والله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء الليل والنهار ، والصُبح والإسفار ، كان حياتَهم وضيائَها ، كان روحَهم ورواءَها ، كان صلى الله عليه وسلم لهم كلَّ شيء ، وكان الحبلَ الواصلَ بين السماء والأرض فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُهَا .
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ .
فَقَالَا لَهَا : مَا يُبْكِيكِ ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَتْ : مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ السَّمَاءِ .
فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا .
رضي الله عنهم وأرضاهم .
وكان أشد ما يكون عندهم أن يتعرَّض رسولهم وحبيبهم للأذى صلى الله عليه وسلم ، وكم قال عمر في رجالٍ آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا .
فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ . فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ . قَالَ : وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ ، لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ .
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ .
فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي ، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ . رواه البخاري .
ولما قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابن صيَّاد : إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا وقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ . قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم له : اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ . فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ [يعني الدجال] وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ . رواه البخاري .
وقال عَلِيٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ ، فَقَالَ : انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ؛ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا .
فَذَهَبْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ .
فَقُلْنَا : أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ . فَقُلْنَا : لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ . فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا . فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فِيهِ : مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا يَا حَاطِبُ ؟
قَالَ : لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ ؛ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي ، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ .
فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . رواه البخاري .
ولما تلاحى أنصاري ومهاجري رضي الله عنهم ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ : أَوَقَدْ فَعَلُوا !! وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ .
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ رواه البخاري .
كان هذا بعضُ حالهم ، وقليلٌ من إعظامهم وإجلالهم ، ونتفةً يسيرة من انتصارهم لهذا الشرف الباذخ ، والعرض الوفير صلى الله عليه وعلى آله وسلم أزكى صلاةً وأتم سلام .
ولا أجد أجمل من هذه الصورة التي رواها ورآها المشركون ، عن رسولنا صلى الله عليه وسلم ، فهذا عروة بن مسعود جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية فَجَعَلَ يُكَلِّمُه . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قال ، من أنهم إنما أتوا معتمرين لا مقاتلين ، وأنه لا يجوز صدُّهم عن بيت الله .
فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ : أَيْ مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ إِنْ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟ ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى وُجُوهًا وَإِنِّي لَأَرَى أَوْشَابًا مِنْ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ .
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : امْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ !!
فَقَالَ : مَنْ ذَا ؟ قَالُوا : أَبُو بَكْرٍ .
قَالَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ .
قَالَ : وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ السَّيْفُ ، وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لَهُ : أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ . فَقَالَ : أَيْ غُدَرُ أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ ...
ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنَيْهِ قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ .
فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا ، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا . الحديث بطوله في البخاري .
وإنه سيأتي بعدهم من الناس أناس يُحبونه كحبهم إياه اللهم فاجعلنا منهم فقد روى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله ".
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، وأشهد ألا إله إلا الله الواحد الفرد الصمد ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدَ الله ورسولَه خيرُ البشرية ممن آمن به أو جحد . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أعظم صلاة وأزكى تسليم .
اللهم إنا نُشهدك على حُبِّه ، ونستعينك على اتباع سُنَّته ، ونستنصرك في نُصرته . يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم ، يا أمة محمد هان عليكم دينكم ونبيكم فهنتم على كل أحد ، يا أمة محمد أيُسَبُّ ويُشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نقول الحوار ، والحضارة ، والصفح ، والرسالة الإيجابية عن الإسلام وعن المسلمين . قولوا لي بربكم : أي قيمةٍ لأمة يُهان أعظمُ رمزٍ فيها وهي غافلة لاهية . بل قولوا لي بربكم : أرسول الله صلى الله عليه وسلَّم مجرَّد رمزٍ لأمةٍ هانت على نفسها وهانت بين الأُمم . بل هو والله أعظم من الرموز ، وأحب من النفوس ، وأعظم مَن خلقَ الله منزلةً صلى الله عليه وسلَّم . قال تعالى عمَّن أراد إخراجه من مكة : {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً{76} سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً{77}}
إن حُكم الله فيمن انتقص رسول الله صلى الله عليه وسلم من مدَّعٍ للإسلام أو كافر أن تُحتز رقبته ، وأن يُهتك ستره ، وأن يُنتقم لرسول الله ، ولجناب هذا الدين .
يا مفكري الأمة وساستها ، ويا قادةَ المسلمين ورؤساءَهم ويا عقلاء المسلمين أجمعين = بالله عليكم ما هي موجبات الحروب والانتصار من المعتدين ، ومتى تُعدُّ الدولة قد بارزت الأُخرى بالعدوان ، أفإن أهانت دولةٌ دولةً أخرى ثم اعتدت وكرَّرت عدوانها ، وهي كاذبةٌ في ما تقول ، مبالغةٌ في السخرية والاعتداء = فمن يلوم الدولة الأولى إن هي انتصرت منها .
وإذا استضافت دولةٌ مثيري القلاقل والفتن في دولةٍ أُخرى ، ودعمتهم ، وحمتهم أليس هذا من موجبات العداء بين الدولتين .
أخاف أن يكون الجواب أن في هذه الصور مساس بهيبة الدولة وسلطانها ، وأن يَرى فيها البعضُ من الخطر والأهمية ما لا يراه في المساس بنبي الهدى والمكرمات صلى الله عليه وسلم ، وإن الواقع واللهِ ليشي بشيءٍ من ذلك .
نعم أنا لا أُطالب الآن بتسيير جيوش المسلمين لقتال الدنمارك ؛ لأني أعلم أن هذا ليس مما يُرتجى الآن ، ولكن أليس من حقنا أن نعرفَ عدوَّنا من صديقنا ، أليس من واجب حكام المسلمين محاربةَ هؤلاء المعتدين بكل طريقةٍ يقدرون عليها.
ألا فلنحارب المعتدين إعلامياً وسياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً . بالله عليكم أي قيمةٍ تبقى للتمثيل الدبلوماسي ، وللتبادل التجاري ، ولاستقبال رعايا هذه الدول بعد كل هذا .
ثم إن المطالبة برأس هذا المجرم يجب أن تكون من أولويات المسلمين بكل وسيلةٍ ممكنة قال ابن تيمية : (( النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى قتل كعب بن الأشرف لأنه كان يؤذي الله ورسوله ، ولذلك كان –صلى الله عليه وسلم- يأمر بقتل من يسبُّه ويهجوه إلا من عفا –هو- عنه صلى الله عليه وسلم بعد القدرة . وأمره صلى الله عليه وسلم للإيجاب ؛ فعُلم وجوبُ قتل الساب وإن لم يجب قتلُ غيره من المحاربين ، وكذلك كانت سيرته صلى الله عليه وسلم لم يُعلم أنه ترك قتل أحدٍ من السابِّين بعد القدرة عليه إلا من تاب أو كان من المنافقين ...))
هذه الجاهلية التي لا تعبأ بمقدَّس ، ولا تعرف حرمة عظيم ؛ ألم يحن الوقت لنعي –نحن المسلمون- كم هم محتاجون إلى إخراجهم من هذه الظلمات التي فيها يعيشون ، ونطهِّرَهم من هذا السَّلح الذي يسلحون .
أخرج الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد اللهُ تعالى وحده لا شريك له ، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري .
وأخيراً فإن هذا الأمر الكبير ينتظر الكبار من الناس لحله وحلحلته ، وإنا والله منتظرون ، فإن سكتوا ولم يقوموا بواجبهم ، فلا يلومُنَّ بعدها مَن عَدِمَ الحِكمة أو أساءَ التصرُّفَ أو ظَلَم.
يا خير من وطئ الـثرى وتشـرفت *** بمسيـره الكثبـانُ والأحجـارُ
يـا مـن تتوقُ إلى محاسـنِ وجهِهِ *** شمـسٌ ويفرحُ أن يراه نهــــــارُ
بأبي وأمـي أنت حـين تشـرفت *** بك هجـرةٌ وتشرفَ الأنصـارُ
أنـشأت مدرسة النبوة فاسـتـقـى *** من عِلـمها ويـقينـها الأبـرارُ
لله درك مـرشـداً ومـعـلماً *** شـرفـت به وبـعلمـــه الآثــــــــار
ربيت فـيـها مـن رجالـك ثلـةً *** بـالحق طافوا في البلاد وداروا
قوم إذا دعت المـطـامع أغـلقوا *** فمها، وان دعت المـكارم طاروا
وإن واجهوا ظلـماً رموه بعدلهم *** وإذا رأوا ليل الضـلال أناروا
قد كنتَ قرآناً يـسـيرُ أمـامَـهم *** وبك اقتـدوا فأضاءت الأفكـار
عمروا القلوب كما عَمَرتَ فما مضوا*** إلا وأفئــدة الـعـباد عـمار
لو أطـلـق الـكون الفسيح لسانه *** لسرت إليـك بمدحه الأشعـار
لو قيل: من خـير العباد، لرددت *** أصواتُ من سمعوا: هو المختار
يا خير من صلى وصام وخيرَ من *** قاد الحجـيـج وخير مـن يسشار
سـقطـت مكانة شاتم ، وجزاؤه *** إن لـم يتـب ممـا جنـاه النــــار
لكأنني بخطاه تـأكل بـعـضها *** وَهَنَـاً، وقـد ثقلـت بـه الأوزار
ما نال منـك مـنافق أو كافـر *** بل منـه نالـت ذلـة وصـغـــــــــار
حلَّـقـتَ في الأفق البعيد فلا يدٌ *** وصلـت إليك ، ولا فـمٌ مهـذار
وسكنت في الفردوس سكنى مَن به*** وبـديـنه يتـكـفـل الـقهار
أعلاك ربـُّك هـمة ومكانـة *** فلـك الـسمو ولـلـحـسود بوار
إنا ليـؤلمنا تطـاول كافر *** مـلأت مشـارب نـفسه الأقـــذار
ويزيدنـا ألـما تـخاذل أمة *** يشكو انحدار غثائهـا المليــــار
وقفت على باب الخضوع، أمامها *** وهن القلـوب،وخلـفـهـا الكفـار
يا ليـتهـا صانت محارم دارها *** مـن قبـل أن يـتحرك الإعصـــار
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك وعلى آله وصحبه أجمعين ، وانصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين ، اللهم انصر أولياءك في كل مكان ، اللهم عليك بحكومة الدنمارك ومعتديها ، اللهم قوِّض مُلكهم ، اللهم خالف بين قلوبهم وكلمتهم ، اللهم اجعل شأنهم في سفال ، اللهم اشف صدور المؤمنين ، وخذ بحق سيد المرسلين ، وانتصر لنا يا عضُدنا . اللهم نشكو إليك ضعف قوتنا ، وقلة حيلتنا ، وهواننا على الناس ، أنت المستعان ، وعليك التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بك .