الحمد لله عز جاره ، وجلَّ ثناؤه ، وتباركت أسماؤه ، ولا إله غيره .
الحمد لله العزيز الكريم ، الجبار العظيم ، بيده الخير ، يكوِّر الليل على النهار ويكوِّر النهار على الليل .
والله أكبر ، الله أعزُّ من خلقه جميعاً ، اللهُ أعزُّ مما نخافُ ونحذر ، وأعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسكُ السماواتِ السبعِ أن يقعن على الأرض إلا بإذنه .
أشهد ألا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده .
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله ، ونبيُّه وخليلُه ، الذي جعله الله لنا أحسن أسوة ، وأمرنا بالتمسك من دينه بأوثق عروة ، صلِّ اللهمَّ عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليماً.
أما بعد :
فصلى الله وسلَّم عليك يا رسول الله ، بما صبرت ، وجاهدت .
وصلى الله وسلَّم عليك يا رسول الله بما بلَّغتَ ، ونصحت .
وصلى الله وسلَّم عليك يا رسول الله بما أنزلك الله منه المنزلة العظيمة ، والرُّتبة الكريمة .
نعم خيرُ أُسوة يُتأسَّى بها = أسوةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، ولنا في سيرته ، وفي صبره وجهاده ما يجب أن يكون نبراساً لنا ، وما كانت أحاديث تفترى .
لما رأت قريش أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزايد ويقوى مشوا إلى أبي طالب ، فقالوا له : يا أبا طالب إن لك سنَّاً وشرفاً ومنزلةً ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنَّا والله لا نصبر على شتم آبائنا ، وتسفيهِ أحلامِنا ، وعيبِ آلهتِنا ، حتى تكُفَّه عنَّا أو نُنازلَه وإياك في ذلك ؛ حتى يهلكَ أحدُ الفريقين . فعظُم ذلك عليه ، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكلَّمه في الأمر حتى قال له : فأبقِ عليَّ وعلى نفسِك . فما وجَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صابراً ثابتاً على أمر الله سبحانه . وفي هذا المقام روى أهل السِّيَر –ولم يثبت إسناداً- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا عم ، واللهِ لو وضعوا الشَّمسَ في يميني ، والقمر في يساري على أن أترُكَ هذا الأمرَ ما تركتُهُ ؛ حتى يُظهرَه اللهُ ، أو أَهلكَ فيه . قالوا : ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ، ثم قام . فلما ولَّى ناداه أبو طالب فقال : أقبِل يا ابن أخي ، فقل ما أحببتَ ، فواللهِ لا أُسلِمُكَ لشيءٍ أبداً .
قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم = مشوا إليه بعمارة ابنِ الوليد بنِ المغيرة، فقالوا له : يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد ، أنهدُ فتى في قريش وأجملُه. فخُذه ، فَلَكَ عقلُهُ ونصرُهُ، واتخِّذهُ ولداً فهو لك ، وأسلِمْ إلينا ابنَ أخيك هذا الذي قد خالفَ دينَك ودينَ آبائك، وفرَّقَ جماعةَ قومك، وسفَّهَ أحلامَنا فنقتُلَه، فإنما هو رجل برجل ! . قال: والله لبئس ما تسومونني !! . أتعطونني ابنَكم أغذُوهُ لكم، وأعطيكم ابني فتقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبداً.
قال: فقال المُطعم بن عدي بن نوفل بن عبدمناف : والله يا أبا طالب لقد أنصفَك قومُك وجَهِدوا على التخلص مما تكرَه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً.
فقال أبو طالب للمُطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خِذلاني ومظاهرةَ القوم عليَّ، فاصنع ما بدا لك.
فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضاً. ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه ؛ فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع الله منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه أبى طالب .
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله عز وجل ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرضُ صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه.
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم . فكانت أول هجرة كانت في الإسلام .
وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بنى هاشم وبني عبد المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب -عدوِّ الله-وولدِهِ ؛ فإنَّهُم ظاهروا قريشاً على قومهم .
وروى موسى بن عقبة عن الزهري ، قال : ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا، حتى بلغ المسلمون الجَهدَ ، واشتدَّ عليهم البلاء، وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية.
فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شِعبهم، وأَمَرَهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله . فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمِنهم مَن فعله حميةً، ومنهم من فعله إيمانًا ويقيناً.
فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا على ذلك، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يُسْلِموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق: لا يقبلوا من بنى هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل.
فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، فلا يتركوا لهم طعاماً يقدُمُ مكة ولا بيعاً إلا بادروهم إليه فاشتروه . يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكتبوه في صحيفةٍ بخط منصور بن عكرمة فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشُلَّت يدُه ، وعلَّقوا الصحيفة في جوف الكعبة . وفي الشِّعب وُلد عبدُ الله ابنُ عباس رضي الله عنهما ، وقطعت قريشٌ عنهم الأسواق حتى كان يُسمع صوتُ نسائهم وأبنائهم يتضاغون من الجوع من وراء الشِّعب ، وعظُمَت الفتنةُ وزُلزلوا زلزالاً شديداً .
، وفي هذه الظروف قال أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة ، التي يقول عنها ابن كثير –رحمه الله- : هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهى أفحل من المعلقات السبع ! وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعها . وفيها يقول أبو طالب :
ولما رأيت القوم لا وُدَّ فيهمُ * وقد قطعوا كل العُرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى * وقد طاوعوا أمرَ العدو المُزايل
وقد حالفوا قوماً علينا أظِنَةً * يعُضُّون غَيظاً خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراءَ سمحةٍ * وأبيضِ عضبٍ من تراثِ الَمقَاوِل
وأحضرتُ عند البيت رهطي وإخوتي * وأمسكتُ من أثوابه بالوصائل
قياماً معاً مستقبلين رتاجه * لدى حيثُ يقضي حلفه كل نافل
أعوذ برب الناس من كل طاعن * علينا بسوء أو مُلِحٍّ بباطل
ومن كاشحٍ يَسعى لنا بِمَعيبةٍ * ومن ملحقٍ في الدين ما لم نحاول
فهل بعد هذا من مَعاذٍ لعائذ * وهل من مُعيذ يتقي الله عادل
كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن إلا أمرُكم في بلابل
كذبتم وبيت الله نَبزي محمداً * ولمَّا نُطاعن دونه ونناضل
ونُسلمَه حتى نصرعَّ حوله * ونَذهلَ عن أبنائنا والحلائل
وينهضَ قومٌ بالحديد إليكم * نهوضَ الروايا تحت ذات الصلاصل
وحتى نرى ذا الضِّغن يركب رِدعَه * من الطعن فِعْلَ الناكب المتحامل
وإنا لعمرو الله إن جد ما أرى * لَتَلْتَبِسَنْ أسيافُنا بالأماثل
بكفي فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة حامى الحقيقة باسل
وما ترْكُ قوم، لا أبا لك، سيداً * يحوط الذِّمار غيرَ ذرب مواكل
وأبيضَ يُستسقى الغمام بوجهه * ثِمالَ اليتامى عصمةٌ للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في رحمةٍ وفواضل
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غيرَ آجل
بميزان قسط لا يَخيسُ شعيرة * له شاهدٌ من نفسه غيرُ عائل
لعمري لقد كُلِّفت وجداً بأحمد * وإخوتِهِ دأب المحبِّ المواصل
فَمَن مثلُهُ في الناس أيُّ مؤَمَّل * إذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غيرُ طائش * يوالي إلهاً ليس عنه بغافل
كريمُ المساعي ماجدٌ وابنُ ماجد * له إرثُ مجدٍ ثابتٌ غير ناصل
وأيَّده رب العباد بنصره * وأظهر ديناً حقه غير زائل
لقد علموا أنَّ ابننا لا مكذَّبٌ * لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمدٌ في أَرُومة * تقصِّرُ عنها سورةُ المتطاول
حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذُّرى والكلاكل
فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي، ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق . واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه.
وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فأكلت كل ما كان فيها من عهد وميثاق . ويقال: كانت معلقة في سقف البيت، فلم تترك اسماً لله فيها إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم.
ونجَّى الله نبيَّه ، وأظهر كلمته ، وانزاح الباطل ، وثبت الحق بإذنه تعالى .
أيها المسلمون إن الحق لا يثبت بغير تضحية ، وإن الدين لا يقوم إلا بذل الجُهد والنَّفس والنفيس . جهِد رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاده ، وكان يبايع أصحابه على التضحية في سبيل إقامة الدين وعدم الاستسلام للكافرين . وكان الكافرون ولا زالوا يسعون {لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ، ولكنَّ معادن الرجال تتبيَّن حين الأزمات ، ويميزَ الله الخبيثَ من الطيِّبَ ، ويتخذَ ويصطفي من شاء من خلقه للقيام بشرف أعباء وتبعات ومسؤوليات هذه الرسالة .
نعم إننا نسأل الله العفو والعافية ، ونسأله تعالى ألا يبتلينا لئلا يفضحنا ، ونسأله أن يُسدل علينا السِّتر والعافية . ولكنَّ المُبتلى يحبه الله فبقدر محبة الله للعبد يكون ابتلاؤه ، فعند ابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الناس أشدُّ بلاء ؟ قال : ((الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الناس على قدر دينهم فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي في الناس ما عليه خطيئة)) . الحديث صححه الشيخ الألباني .
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله عز وجل إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط)) . رواه الترمذي وابن ماجه .
أيها المسلمون ، إننا ونحن نرى ما يحدث في أرض الرباط ، في غزة الأبية ، ونحن ندعو إخواننا للصبر على مُرِّ البلوى = لا يمنعنا ذلك أبداً من الإدانة الشديدة على إجرام المجرمين ، وعدوان المعتدين ، بل وعلى خذلان الساكتين . إن قضاءَ الله وقدرَه لا يُعقِّبُ إلا خيراً ، ولكنَّ ذلك لا يمنعنا من أن نكره الحال الواقعةَ الآن ، ونسألَه تعالى أن يرفعها عن إخواننا ، فضلاً عن أن يمنع ذلك المجاهدين في أرض فلسطين من القيام بواجباتهم ، فلا تعارض بين هذه الأمور إلا عند من لم يفهم حقيقة القضاء والقدر .
نعم إننا –والله- نألم لهذه الإبادة الجماعية التي يتعرَّض لها إخواننا هنالك ، مهما كانت مبررات من يقوم بها ، ولو كان هو الصادقَ الناصحَ ، فكيف والقاتلُ هم دولة الغدر والخيانة ، والمُمالئُ دولةُ الصَّلَف والكبرياء ، والمظلوم هم إخواننا الذين طال أمد بلائهم ، واستحكمت الحلقات في تعذيبهم ، ولم يبقَ لهم من نصير يلجؤون إليه إلا ربَّ العالمين ، فنِعمَ المولى هُوَ ونِعمَ النصير .
نعم إنها إبادةٌ جماعيةٌ بحسب تعريف ميثاق منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها ، إذ جاء في ذلك الميثاق ما نصُّه مترجماً : تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال التالية ، المرتكَبَةِ على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعةٍ قوميَّةٍ أو اثنيَّة أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه : (أ) قتل أعضاء من الجماعة ، (ب) إلحاق أذى جسدي ، أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة ، (ج) إخضاعُ الجماعة –عمداً- لظروفٍ معيشيةٍ يُراد بها تدميرها المادي كليَّاً أو جزئياً ...الخ ونحن لا ننقل هذا حين ننقله لنحتكم إليه ، ولكن لنعلم أن هذه المبادئ ، والأنظمة ، والقوانين أمينةٌ إلا على مصالحنا ، وهناك من يدافع عنها في قضايا مثل دارفور ، وتيمور الشرقية بغير حق ؛ ثم هو يتغاضى عنها ، بل ويرفض النظر فيها في فلسطين والعراق وغيرها . وقد سبق حصارَ غزة هذا حصاراتٌ وحصاراتٌ ، فلم يُجدِ مجلسُ الأمن ، ولا حقوقُ الإنسان ، ولا هيئةُ الأمم شيئاً . وإن قراءةَ التاريخ تدلُّنا على أن الحق كثيراً ما يكون غيرَ مُحتاجٍ إلى تبيين بقدر ما يكون بحاجةٍ إلى أُمناء يقومون به ، وفي مثل هذا يظهر الفرق بين بطولات الفاتحين وانتصارات المسلمين ، مع انتصارات همج الأرض من غيرهم . أما ترون ، أما تسمعون ، أما تعون = الأرضُ بحاجةٍ إلى هُدى الإسلام ، وكمال الشريعة ، وإلى رحمة البَرِّ الرؤوف السلام ، يقوم بها أهل ملة الإسلام ؛ ليُنصفوا من أنفُسِهِم قبل أن ينتصفوا ممن سواهم .
إنا بني الأُسدِ أمضى مِخلباً ويداً ** لدى الصِّراع وأحمى الناسِ عِرنيناً
إذا دعا الحقُّ لبَّتهُ جحافلُنا ** وإن سطا الجَورُ ردَّتهُ مواضينا
عشنا أعِزَّاءَ ملءَ الأرضِ ، ما لمَسَت ** جباهُنا تُربها إلا مُصلِّينا
أليسَ من أُحجيات الدَّهر قُبَّرةٌ ** رعناءُ تزحُمُ في الوكر الشواهينا
وتائِهٌ ما لهُ دارٌ ولا وطنٌ ** يسطو على دارنا قسراً ويُقصينا
العهدُ عندهمُ خُلفٌ ومَجحَدَةٌ ** فما رأيناهُمُ إلا مُرائينا
إن كان يحميهمُ المالُ الذي جمعوا ** فإن خالق هذا المال يَحمينا
إن من سنَّة الله في خلقه أنه متى يئس المخلوق من المخلوق جاء فرج الخالق القديرِ القاهرِ ، سبحانه وبحمده {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ } . وإن ما وقع من انهدام وتفجير مواضع من الحاجز بين مصر وفلسطين لهو تنفيسٌ من رب العالمين ، لم يدُر بخَلَد الأكثرين ، وطُلبت الحِيَل من كل مكان ، فجاء رزق الله من حيث لا نحتسب . نعم إنه تنفيسٌ ، وإلا فإن الأزمة لما تنتهِ بعدُ ، والمعبر بدؤوا في إغلاقه الآن ، ولا ندري ربما يكون في الأيام القادمة ما هو أسوأ ، خصوصاً مع نقص المتطلَّبات الأساسية للحياة الكريمة ؛ بدأً بالدقيق والطحين ، مروراً بالدواء والمستلزمات الطبية ، وانتهاء بالأكفان ، والاسمنت لبناء القبور للموتى ، فلم يعد بناء المساكن يُهمهم ، بقدر ما يهمهم بناء القبور !!
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين
أشهد ألا إله إلا هو ، وأشهد أن محمدداً عبده ورسوله ، وبعد :
قالوا : اتركوا ضرب الصواريخ على إسرائيل ، وسنترككم ، فهل هم صادقون فيما قالوه ؟ ، وهل قبل هذا الحصار ، وقد عرضت حماس الهُدنة ترك الإسرائيليون استهداف الآمنين ؟
قالوا : اخلعوا حكومتكم الإرهابية تأمنوا !!
فهل هم أقلُّ إرهاباً؟ ، وهل نفع عرفات الذي فاوض ، وهادن ، واتفق ما فعله ، حتى مات محاصراً ، وربما مسموماً .
الهدف الأساس هو قتل الشعب فكلهم إرهابي ، وقتل روح العزة والكبرياء فيه ، وهذا ما لن يكون ما داموا مسلمين .
إن هذا الدين عظيم ، وإن أتباعه يزدادوا على البلاء صبراً ، وعلى المُرِّ تجرُّعاً ، وعلى الذُّل استكباراً . وبالذل والانصياع للظالم الباغي لن تحرَّر أرضٌ ، ولن تُرفع رأسٌ ، ولن تُقام شعيرة :
شاهت وجوه البائعين بلادَهم ** لعدوِّهم ساؤوا بذاك مصيراً
خَسِئوا فما رَبِحَت تجارتُهم بها ** إلا ثبوراً في الحياة كثيراً
عمِيَت بصائرُهُم وتَاهوا حَيرةً ** يتخبَّطون ضلالةً ودُحوراً
بُعداً لمن ركنوا لوعدِ عدُوِّهم ** تبَّت أكُفٌ صافحت شاميرا
أو صافحت رابين أو شمعون أو ** ويصافحون القرد والخنزيرا
تركوا الدماء على التراب مراقةً ** ومساكناً قد دُمِّرَت تدميراً
قنعوا بأوهامٍ ووعدٍ كاذبٍ ** من غادِرٍ ملأ البلاد شروراً
أتؤمِّلون من اللئام كرامةً ** وتفضِّلون على اللباب قشوراً
إن الأُلى عافوا شريعةَ ربِّهِم ** خسروا وذاقوا ذلةً ودحوراً
فيا أهلنا في فلسطين صبراً ، صبراً فما نيل الخلود بمستطاع
وما ثوب البقاء بثوب عز فيُطوى عن أخي الذل اليراع
ويا أيها المسلمون اجأروا إلى مولاكم بالدعاء لإخوانكم ، واتقوا يوماً ، يقع للواحد فيه نازلةٌ أو تنزل به بلية ؛ فلا يجد من يدعو له ، ولا يرأف لحاله .
وتكلَّموا مع أئمتكم في الصلاة بأن يقنتوا لكشف الضُرِّ والبلوى عن إخواننا ، وقد صدر توجيهُ مفتي المملكة العربية السعودية حفظه الله بالقنوت للمسلمين في فلسطين ، فما تأخُّرنا عن الدعاء ؛ فإن أعجز الناس من عجَِز عن الدعاء.
ويا أولياء أمور المسلمين افتحوا للمسلمين باب التبرع والتضامن مع إخوانهم ، فلسنا –إن شاء الله- بأقل تضحية وشفقةً من أهل سيناء والعريش ورفح الذين جادت أنفسهم ، وفرحوا بإخوانهم ، وقاموا بما يلزم .
ويا فرقاء قيادة فلسطين ليس هذا بوقت الخلاف ، فاجتمعوا على كلمةٍ سواء ، وإلا فإن من يستخدم هذه الأحوال المأساوية لتصفية الحسابات فهو من أكبر الخونة.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبدك المؤمنين
اللهم الطف بإخواننا المستضعفين في سبيلك في كل مكان
اللهم ارحم اخواننا في فلسطين عموماً ، وفي قطاع غزة خصوصاً ، وأنزل عليهم الأمن والسكينة . اقضِ حوائجهم ، وأفرغ على قلوبهم صبراً ، وارزقهم الاحتساب ، وحسن القصد في ابتغاء مرضاتك . اللهم اشف مرضاهم ، وارحم موتاهم ، وأشبع جائعهم ، واكسُ عاريَهُم ، واجعل لنا ولهم من كل بلاء عافية .
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغفور الغفار ، الودود التواب لا إله إلا أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من الآيسين . اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدمٍ ولا غرق ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا .
اللهم وفِّق أبناءنا في امتحاناتهم ، ويسِّر لهم أمورهم ، واجعل لهم فيها منفعة الدنيا ، وخير الآخرة .