اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :الخطبة الصيفية

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : الخطبة الصيفية

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً  ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }


أما بعد، فإن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.


 


قال الله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ{12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ{13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{14} ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ{15} ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ{16} وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ{17} وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ{18} فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ{19} وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ{20} وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ{21} وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ}


أيها المؤمنون هكذا جاء مطلعُ سورةِ المؤمنون يذكّر الإنسانَ بأصل خِلقته ، ويعددُ عليه نِعَمَ ربه ، ويقصُّ عليه نَبَأَ خلقه الإنسان واستخلافه في الأرض ونهايةَ ذلك ؛ ليتلمس الحكمة من خلقه ، وليعمل شاكراً لأنعم ربه أن هداه إلى صراط مستقيم .


وانظر أخي في الله كيف اختصر السياق القرآني جميع حياة ابن آدم بحرفٍ واحدٍ من حروف العطف : (ثم ) ؛ إذ قد ذكر الله خلق الإنسان فقال : {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} ثم قال بعدها مباشرة {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} فطوى كل مراحل الحياة الباقية وضمّنها (ثم) ثم نص على الحياة الحقيقية قائلا:   {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}.


أيها الأخوة في الله كان من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم في تعليمه لأصحابه ووعظهم - أنه كان يستفيدُ من الأحداث المختلفةِ التي تمر بالناس فيذكِّرَهم بربهم وخالقِهم سبحانه وتعالى . والناسُ إذا تحدثتَ معهم عمَّا يُعايشون ويعانون وجدتهم أكثر التفاتا إليك ، وإصغاءً لحديثك. وإني محدثكم إن شاء الله في خطبتي هذه عن هذه الحرارة الشديدة التي هي خلق من خلق الله تعالى ، وصنف من صنوف نعمته وبلائه وبعضِ ما ورد من شأنها في الكتاب والسنة :


فأول ذلك أنه ثبت بالأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مدفع لها ما أخرجه مسلم في صحيحه : عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ « قَالَتِ النَّارُ : رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأْذَنْ لِي أَتَنَفَّسْ . فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ، فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ أَوْ زَمْهَرِيرٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ ، وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرٍّ أَوْ حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ » رواه مسلم . فالحَرُّ: ضِدُّ البَرْدِ ، والحَرُورُ:الريح الحارَّة بالليل وقد تكون بالنهار .


إن الصيف والشتاء آيتين من آيات الله له فيها عبر ، وجعل اختلافهما خِلفة للعالمين يدفع عنهم بهما السآمة ، وينقلهم من حال إلى حال ، ويريهم من آيات قدرته وعظمته وتصرفه في الكون وقدرته على الخلق ما يبهر الألباب . ومن الناس من يحب الشتاء ويشتاقُ له ، ومن الناس من ينتظر الصيف أو تكون مصالحه ورزقه معلَّقٌ بالصيف ، فإن جعل الله لذاك الصيف سرمداً أضر به ، وإن جعل على هذا الشتاء سرمداً أضرَّ به . والإنسان يرجو في الشتاءِ الصيفَ ، ويتمنى في الصيفِ الشتاءَ كما أخبر ربنا عنه :{إنه ليؤوس كفور} ومما يُنسب لامرئ القيس في هذا المعنى :


يتمنى المرء في الصيف الشتا        فإذا جاء الشتا أنكره


فهو لا يرضى بحال واحد          قُتِل الإنسان ما أكفره


 


وجاء في هذا حديثُ خولةَ بنت قيس الأنصارية وقد تزوجها حمزةُ فكان النبيُ صلى اللّه عليه وسلم يزور حمزة ببيتها ، قالت : جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فقلت : يا رسول الله بلغني عنك أنك تُحدثُ أنَّ لك يوم القيامة حوضا ما بين كذا إلى كذا ؟ قال : نعم وأَحَبُّ الناس إليّ أن يَروى منه قومُك . فقَدَّمَت إليه بُرمة فيها خزيرة فوضع يده فيها ليأكل فاحترقت أصابعه ، قال : حس ،  فقال: إن ابن آدم إن أصابه حر قال حس ، وإن أصابه برد قال حس . ‌  رواه الطبراني وهو في صحيح الجامع.


       وقد امتنّ الله على عباده بقوله : {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} أي ملابس وقُمُصَ تقيكم الحر ، قال العلماء : والبرد ، وملابسَ تقيكم بأسَكم في الحروب ونحوِها .


أيها الأخوة في الله مما يشرع في هذه الهواجر مكابدةُ الصيام كما روي عن أبي الدرداء قال: لولا ثلاثٌ ما أحببت البقاء: ساعةُ ظمأ الهواجر، والسجودُ في الليل، ومجالسةُ أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر .


وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام في شدة الحر ، قال أبو الدرداء  خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته في حر شديد حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه أو كفه على رأسه من شدة الحر ما فينا صائم إلا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعبدُ الله بن رواحة    د


       وقال صلى الله عليه وسلم : من صام يوما في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم حر جهنم عن وجهه سبعين خريفا . ‌     صحيح الجامع ، ن


       وكما يُشرع للمؤمن أن يتكلف في شدة الحر النوافلَ وأشدها الصيام فإنه يسارع في بقية الخيرات فلا يترك الفرائض : فعن خباب، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا إليه حر الرمضاء فلم يُشكنا. قال زهير: قلت لأبى إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم.     م     


 (حر الرمضاء) يعنى ما يصيب أقدامهم من حر الشمس فيها ، والمراد أنهم شكوا إليه ذلك وطلبوا منه لأجل ذا الإذنَ لهم بتبكير الصلاة عن وقتها فلم يأذن لهم صلى الله عليه وسلم . ألا فليعتبر بهذا من ينادي بتعجيل كل فرض عن وقته ، أو بإخراج الحدود الشرعية والمشاعر العظيمة عن أماكنها للمشقات ، فيذهبوا أولَ ما يذهبون إليه إلى تغيير الحدود الشرعية عن مواضعها التي وضعها الله عليها ، وإن كان لهم عن ذلك مندوحة بتوسعة ، وتريُّث ، ونحو ذلك .


وهكذا أيضا لم يكن ليمنعهم الحر من المسارعة إلى الفضائل ففي خبر هجرة النبي   أنه لما سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ ، حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ ، فَانْقَلَبُوا يَوْماً بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ : يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمُ الذي تَنْتَظِرُونَ . فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلاَحِ ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِظَهْرِ الْحَرَّةِ ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَذَلِكَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَامِتاً ، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ    خ


وحينما يقوم المرءُ بأمر الله الذي افترضه عليه متجاوزا الصعوبات والعقبات ، وربما شق عليه الأمر ، حينئذ يتداركه الله برحمته ، ويسوق إليه من لطفه ورحمته ما قد يكون خارقاً للعادة . ففي طبقات ابن سعد عن عثمان بن القاسم، قال: لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء، فعطشت [وليس معها ماء] وهي صائمة، وجهدت، فدُلي عليها من السماء دلو من ماء بِرِشاء أبيض، فشربتُ . وكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر فما عطشت .


وكذلك يسابق المؤمن الموفق في الدعوة إلى الله ولو في شدة الهاجرة  فعن أبي أمامة الباهلي قال : بعثني – يعني النبي صلى الله عليه وسلم - إلى [ قومي ] باهلة ( [ فانتهيت إليهم وأنا طاو ] فأتيت وهم على الطعام وفي رواية يأكلون دما) فرحّبوا بي وأكرموني [ قالوا مرحبا بالصدي بن عجلان . قالوا بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل . قلت : لا ، ولكن آمنت بالله ورسوله ، وبعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إليكم أعرض عليكم الإسلام وشرائعه .] وقالوا : تعال كُل . فقلت : [ ويحكم إنما ] جئتُ لأنهاكم عن هذا ، وأنا رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أتيتُكم لتؤمنوا به . [ فجعلتُ أدعوهم إلى الإسلام ] فكذَّبوني وزبروني [ فقلت لهم : ويحكم ائتوني بشيء من ماء فإني شديد العطش . قال : وعليّ عمامتي . قالوا : لا ولكن ندعُك تموتُ عطشا .] فانطلقتُ وأنا جائعٌ ظمآن قد نزل بي جَهدٌ شديد . [ قال : فاغتممت وضربت رأسي في العمامة ] فنمت [ في الرمضاء في حر شديد ] فأُتيت في منامي بشَربة من لبن [ لم ير الناس ألذ منه فأمكنني منها ] فشربت ورويت وعظم بطني . فقال القوم : أتاكم رجل من خياركم وأشرافكم فرددتموه فاذهبوا إليه فأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي . فأتوني بطعام قلت : لا حاجة لي في طعامكم وشرابكم فإن الله قد أطعمني وسقاني فانظروا إلى الحال التي أنا عليها [ فأريتهم بطني ] فنظروا فآمنوا بي وبما جئت به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فأسلموا عن آخرهم ] )   السلسلة الصحيحة 6/ 459


وهكذا ربما حبس الحر بعض الناس فكان ذلك مذمة ونقيصة لهم إلى يوم الدين كحال الذين حكى الله خبرهم في القرآن فقال : { وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون }


       وفي قصة كعب بن مالك : قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة يعني غزوة تبوك غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد . قال كعب : وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم وأخبرهم بوجههم الذي يريد . رواه البخاري


       فانظر يا رحمك الله كيف صده رضي الله عنه شدةُ الحرارة ، وطيبُ الثمرة ، وبُعدُ المسافة عن شرف الجهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كان من خبره ما تعرفون في قصته الطويلة لما هجره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهجره المسلمون .


ومنا من يصده الحر عن التبكير للجمعة أو الجماعة ، ولو تعطل تكييف المسجد لامتنع كثيرون من حضور الجمعة أصلاً ، وربما منعت الحرارة عن شهود المقبرة والجنازة هذا مع أن الله قد أنعم علينا بما يخفف غلواء هذه الحرارة ، ولكن الموفق هو الذي أراد الله به خيراً وهوّن عليه طاعته ، ووالله ما أهونها على من أحبه الله –أعني طاعته واجتناب المحرم- بل إن المؤمن ليتلذذ بتكلف مرضاة الله بمثل ما تُكرثُ المنافق وضعيف الإيمان وتَشُقُّ عليه بل أعظم . ولله الأمر من قبل ومن بعد .


 


 


 


 


 


 



 


ومن أعظم ما يذكر إذا ذكرت الحرارة ، أن تذكر حرارة نار جهنم أعاذنا الله وإياكم من حرها و قد كان النبي صلى الله عليه وسلم :  يستعيذ بالله من حرها ويأمر بالاستعاذة منه فمن ذلك قوله : اللهم رب جبريل وميكائيل ورب إسرافيل أعوذ بك من حر النار ومن عذاب القبر . ‌  صحيح الجامع


       وكان يقول في صلاته اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر ومن فتنة الدجال ومن فتنة المحيا والممات ومن حر جهنم    ن


       وأما عن حرارتها فالله تعالى أخبرنا في القرآن أن أهلها لا يذوقون فيها بردا و لا شرابا إلا حميما وغساقا جزاءً وفاقا ، وحدثنا ربنا {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ، في سموم وحميم ، وظل من يحموم لا باردٍ ولا كريم} قال  : ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من حر جهنم قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها  م ،  ت


وورد من شأن ذلك اليوم أنه تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس حتى يكون قاب قوسين فيعرقون حتى يرسخ العرق في الأرض قامة ثم يرتفع الرجل حتى يعرق الرجل قال سلمان حتى يقول الرجل غِق غِق فإذا رأوا ما هم فيه قال بعضهم لبعض إلا ترون ما أنتم فيه ائتوا أباكم آدم عليه السلام فليشفع لكم إلى ربكم جل وعز فيأتون آدم فيقولون يا أبانا أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسكنك جنته قم فاشفع لنا إلى ربنا فقد ترى ما نحن فيه


فيأتون نوحا عليه السلام ، فيقول ائتوا ابراهيم خليل الرحمن فيأتون إبراهيم ، فيقول ائتوا كلمة الله وروحه عيسى ، فيقول : ائتوا عبدا فتح الله به وختم وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . ويجيء في هذا اليوم آمِنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم فيأتون النبي فيقولون يا نبي الله أنت الذي فتح الله بك وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر وجئت في هذا اليوم آمنا وقد ترى إلى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربنا فيقول أنا صاحبكم .


وعن سلمان رضي الله عنه قال تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس  قال فذكر الحديث قال فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون يا نبي الله أنت الذي فتح الله لك وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر وقد ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربك فيقول أنا صاحبكم فيخرج يجوس بين الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة فيأخذ بحلقة في الباب من ذهب فيقرع الباب فيقول من هذا فيقول محمد فيفتح له حتى يقوم بين يدي الله عز وجل فيسجد فينادى ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فذلك المقام المحمود  رواه الطبراني بإسناد صحيح  


وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أهون أهل النار عذابا رجل منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه مع أجزاء العذاب ومنهم من في النار إلى كعبيه مع أجزاء العذاب ومنهم من في النار إلى ركبتيه مع أجزاء العذاب ومنهم من في النار إلى أرنبته مع إجراء العذاب ومنهم من في النار إلى صدره مع إجراء العذاب ومنهم من قد اغتمر  رواه أحمد والبزار ورواته رواة الصحيح وهو في مسلم مختصرا إن أدنى أهل النار عذابا منتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حر نعليه .


اخواني في الله : قال صلى الله عليه وسلم : يقي أحدَكم وجهه حر جهنم ولو بتمرة ولو بشق تمرة . فإن أحدكم لاقي الله وقائل له ما أقول لأحدكم ألم أجعل لك سمعا وبصرا؟ فيقول بلى فيقول ألم أجعل لك مالا وولدا؟ فيقول بلى فيقول أين ما قدمت لنفسك؟ فينظر قدامه وبعده وعن يمينه وعن شماله ثم لا يجد شيئا يقي به وجهه حر جهنم ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة فإني لا أخاف عليكم الفاقة فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة وأكثر ما يُخاف على مطيتها السرق . ‌    ت


وقال كذلك صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من رجل إلا سيكلمه ربه يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه ثم ينظر أشأم منه فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من استطاع منكم أن يقي وجهه حر النار ولو بشق تمرة فليفعل) قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح  ت


وقال كذلك صلى الله عليه وسلم : (إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته  )


       وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يجد من حر الصيف ، ومن حر الحمى ما لا يجده أحد من الناس وهو أحب إلى الله مني ومنك ، فانظر يا رحمك الله في حالك ، واعلم أنك ما أوتيت ما أوتيت من نعيم الله عليك لمكانةٍ لك عنده إلا أن تكون عبدا قائما بحق الله عليك ، وإلا فإن كثيرا من نعم الله على المعرض إنما هو من قبيل الاستدراج .


عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنها قالت : أتينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعودَه في نسائه فإذا سِقاء معلق نحوه يقطر ماؤه عليه من شدة ما يجد من حر الحمى قلنا يا رسول الله لو دعوت الله فشفاك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم


 


عن أبي سعيد أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك عليه قطيفة فوضع يده عليه فوجد حرارتها فوق القطيفة فقال أبو سعيد ما أشد حماك يا رسول الله قال إنا كذلك يشتد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر فقال يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون وقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها فيلبسها ويبتلى بالقمل حتى يقتله ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء   .


 


 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 6 /5 ( 6 صوت )

تاريخ الاضافة: 29-12-2008

الزوار: 1978

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
الخطبة المطرية
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
من تاريخ الخلافة الإسلامية.. وبيان فضلها على الديمقراطية
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
الهجوم على شبابنا بالخمور والمخدرات-خـطبة الجمعة مكتوبة
دروس من قصة اتخاذ المنبر النبوي-خـطبة الجمعة مكتوبة
هيكل سليمان.. أكذوبة الزمان-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :31701
[يتصفح الموقع حالياً [ 11
الاعضاء :0 الزوار :11
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3