اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :لا للملل

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : لا للملل

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

الحمد لله الملك المعبود ، خالق الخلق ومالك الوجود ، أحمده سبحانه وهو اللطيف الودود ، وأستمنحه من فضله وهو ذو الكرم والجود ، سبحانه كل شيءٍ خاضعٌ لعظمته ، ذليلٌ لكبريائه ، فقير إلى إحسانه وعطائه .


وأشهد ألا إله إلا الله وحده ، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله صدقَهُ وعده ، وجعله حجة على العالمين بعده ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً ، أما بعد :


فإن من حكمة الله في خلقه أن خلق في الناس أموراً في طبائعهم ، وجبلاتهم- فطرهم عليها ، وركبَّها فيهم لا تقوم كثير من مصالحهم إلا بها ، ولكنها إنما تُطلب بمقدار ، فإن زادت عن مقاديرها عادت بالضد والوِزر على أصحابها . فالغضب يدفع به الإنسان عن نفسه عدوان المعتدين ، والشهوةُ سببٌ لطلب الولد والمحافظة على الجنس البشري ، والحرصُ يستجلب به منافعَه ، والبُخلُ يستبقي به رزقَه ورزقَ عياله ، والخوفُ يدفعُ للحذر والعمل ويدفعُ الكسَل ، والغفلة والنسيان تُذهبان الأحزان ، وهكذا .


ومن هذا الباب أن الله تعالى جعل في الإنسان الملل والسآمة ، وحب التغيير ، وقلة الصبر على الأمور ، وله في ذلك حِكَمٌ كثيرة ، إلا أن هذا الأمر شأنه شأن سائر الباب لا يصح ولا يُحمد إلا بمقدار ، فإن زاد عن حدِّه أوشك أن ينقلب إلى ضده . فالملل يدفع إلى التغييرِ ، وتدويرِ رؤوس الأموال بأيدي الناس ، ويفتحُ آفاقاً للتعارف بين الناس ، ويُوصل الخير والبِر إلى آخرين غير الذين كان يعتادهم ببره وعطائه ، ويجدد الدماء بتعاقب الأكفاء ، والسأم من الأعمال الجادة الرتيبة دفع قوماً إلى إبداع كثيرٍ من الفنون الجميلة مما تلذ له الأعين والأسماعُ والأذواق . وفي أخبار عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: أنه جرى يوماً في مجلسه بين جلسائه كلام في ذم الملل وتقبيحه والتعريض به، فتغافل وتشاغل ساعة. فلما أكثروا ولم يُبقوا في القوس منزِعاً، استوى جالساً وأقبل عليهم وقال: ويحكم أتدرون أنكم تذمون ممدوحاً؟ ألا ترون أن الرئيس إذا كان غير ملول اختص بثمرة فضله قوم، بل شرذمة قليلون من خواصه وندمائه (وحرم الأكثرون من أفاضل المستحقين صوب سمائه)، وإذا كان ملولاً ولا يصبر على نفر بأعيانهم استجد الأخوان على تكرر الزمان، واستمالهم بالإنعام، والإحسان، وتشارك الناس في أثاريده، وتضاربوا بالسهام في أياديه ومننه، فقالوا له: والله إن الأمير ليسحرنا بلسانه وبيانه، ويحسن ما تطابقت الألسن على تقبيحه.


ولكنما الوجه الآخر للملل هو الوجه الأكثر شهرة ، والأشد ضراوةً ، حينما يزداد ذلك ليُضر بالإنسان ، يُضر بدينه ، أو يَضُره في نجاحه ومستقبله ، أو يكدِّر عليه الصافي من عيشه وحياته ، أو أن يُصيبه بالهم والأمراض النفسية . أيها المسلمون إنه لمن المشكلات المعروفة أن يُصيب المللُ الطالبَ فيقطعَه عن الاستذكار لدروسه ، ويسأم من المراجعة قبل أيام امتحانه بقليل ، وتُصيب السآمة البعضَ الآخر فلا يطيقُ على الدراسة صبراً ، وتجده يطلب منه كلَّ مخلص ، ويُصيب الملل آخرين فيتركون ما كان لهم به سابق عهدٍ من الاستقامة والاهتداء بهدي الشريعة ، فتجد الشاب هاجراً للقرآن بعد أن كان القرآن سميره ، مقصِّراً في عمل الصالحات بعد أن كان من السابقين إليها ، وقد يصيبُ المللُ البعضَ في رمضان فلا تجده بعد مرور فينة من الوقت مصلياً مع المصلين ، ولا تالياً للقرآن مع المترنمين ، بل تجده محروماً ، ضجراً ، لا هو في عمل دنيا ، ولا في عمل آخرة . ولربما أصاب المللُ المرأة من زوجها ، ونغَّص عيشه وعيشها ، وتجدها تقول : لا أعيب عليه خلقاً ولا ديناً ، ولا مظهراً ولا مخبراً ، ولكني لا أريده ، فإن كانت تقيَّةً اتقت الله وصبرت ، حتى يوسِّع اللهُ عليها ، ويُذهب ما بها ، وإن كانت غير ذلك وجدت لها في الحرام ما يُذهب ضجرها ؛ إذ يُضيِّقُ الشيطان على بعض الناس الحلال ، ويجعلُ لهم في الحرام متسعاً أي متَّسع . ولسان حال الزوج:


أَلا يا لَيتَ شِعري ما أَقولُ       وَقَد ضَنَّ الحَبيبُ فَما يُنيلُ


جَفاني ثُمَّ وَلّى ظالِماً لي       وَفي صَدري لَهُ حُبٌّ دَخيلُ


لِأَسرَعَ ما مَلَلتِ فَدَتكِ نَفسي       وَخُنتِ وَلَيسَ يُعجِبُني المَلولُ


وفي مرات تجد البنت أو الولد يغشى أماكن الشبهة أو يدخل إلى مواقع السوء أو تعبثُ أو يعبث بالهاتف فتتعرَّف ويتعرَّف ، ويبدأ مسلسل الانهيار الأخلاقي خطوة خطوة ، فإذا بحثت وراء ذلك قالوا لك : الملل . وتجد بعض الناس كلما جاءت الإجازة لم يُطِق ببلده بقاءً ، وتزدحم خطوط الطيران حتى لا تجد فيها مقعداً إلا بشق الأنفس ، وأكثر هؤلاء إنما يريدون التغيير والتجديد فراراً من الملل ، على حد قول الأعمى التطيلي:


مَلِلْتُ حمصَ وَمَلَّتني فلو نَطَقَتْ       كما نطقتُ تَلاَحَيْنَا على قَدَر


وَسَوَّلَتْ ليَ نَفْسي أنْ أُفارِقَها       والماءُ في المزن أصْفَى منه في الغُدُر


هيهاتِ بل ربّما كان الرحيلُ غداً       كالمالِ أُحْيِي به فَقْراً من العمر


وربما ملَّت المرأة من تربية أولادها ، وربما ملَّ الرجل من القيام بواجبات البيت ، بل لقد وُجد من الناس من يمل من الحياة بأسرها بسبب بعض ما قد يعتريه فيها من مصاعب ، فيذهب يتطلَّب الخلاص من حياته بدلاً من الثقة بالله والسعي بالأسباب المشروعة لحل ما أشكل عليه ، كما قال الحويرث الراسبي:


أَقولُ لِنَفسي في الخَلاءِ أَلومُها       هُبِلتِ دَعيني قَد مَلِلتُ مِنَ العُمرِ


وَمِن عيشَةٍ لا خَيرَ فيها دَنيئَةٍ       مُذَمَّمَةٍ عِندَ الكِرامِ ذَوي الصَبرِ


ورووا أن أمَّ حكيم الخارجية كانت تقول :


 


أَحمِلُ رَأساً قَد سَئِمتُ حَملَه..    وَقَد مَلِلتُ دَهنَهُ وَغَسلَه..                             أَلا فَتىً يَحمِلُ عَنّي ثِقلَه


 


تقول ألا من قاتلٍ يقطف هذا الرأس لكي أستريح منه فقد مللته!!


 


أحبتي في الله لم تكن الشريعة عن مثل هذه القضايا بمعزل ، بل إنها جاءت بمصالح الناس في الدارين الدنيا والآخرة ، وراعت نفوسَهم وخلائقَهم التي خلقهم الله عليها{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } الملك: ١٤بل إن الله تعالى لم يجعل البشر كالملائكة ، ولم يطلب منهم ما طلبه من الملائكة لما في طبيعة كلٍ منهما من الاختلاف {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ{19} يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} الأنبياء: ١٩ – ٢٠وقال: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } فصلت: ٣٨ ولكنه جعل الصالح من البشر في الراجح من قولي العلماء- خير من الملائكة ، وخلق الله لنا الليل والنهار ، والشمس والقمر لصلاح معايشنا {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ{71} قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ{72} وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} القصص: ٧١ – ٧٣ وأخرج لنا من بطون النحل شرابا مختلفاً ألوانه ، وجعل نبات الأرض يُسقى بماءٍ واحدٍ ويُفضَّلُ بعضه على بعضٍ في الأُكُل ، ونوَّع لنا العبادات ومواسمها ، وجعل لنا في النوافل ما يُكمَّل به الناقصُ من الفرائض ، ودلَّنا عليه ، وفتح لنا أبواب الوصول إليه من طرق كثيرة هي سبل السلام ..... {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } المائدة: ١٦، وفتح لنا الباب بالدخول عليه خمس مرات في اليوم والليلة ، بل أكثر من ذلك . ولذا كان يقول بعض السلف : من مثلك يا ابن آدم ، في أي وقتٍ شئت تتوضأ ثم تستقبل القبلة وتكبِّر فإذا بك في حضرة ملك الملوك تذكره ، وتشكره ، وتبث إليه نجواك وشكواك . ومما جاءت به الشريعةُ كذلك في هذا الباب أنها أمرت بالرفق في أخذ الأمور ، ونهت عن إعنات النفس والإشقاق عليها بما يزيد عن الحد فقد دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ . متفق عليه .


وروى الإمام مالكٌ بلاغاً ، وأصل الحديث في البخاري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي ، فَقَالَ مَنْ هَذِهِ ؟ فَقِيلَ لَهُ هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ . فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ . يقول إن الله ليس بمضيِّعٍ لأحدٍ منكم أجره ، فاعملوا ، ولن يقطع عنكم ثوابه حتى تقطعوا أنتم أعمالكم ، ولكن لا تكلِّفوا نفوسكم ما لا تُطيق لأنها حينئذٍ يمكن أن تمل وتنقطعَ عن العمل بالكلية .


بل إن النبي صلى الله عليه وسلَّم وقد كان يعلِّمُ أصحابه إلا أنه لم يكن ليُكثر عليهم من الموعظة مخافة أن يسأموا ، كما رواه البخاري وغيره من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .


ولكن هذا إنما هو في الشاق الخارج عن الحد من الأعمال ، وإلا ففي بقية الأعمال نوعُ مشقة لا بد من الصبر عليها ، وفي تربية المسلم نفسَه على الصبر على هذه الواجبات تربيةً لنفسه في حياته أن يصبر على شدائدها ، ومصاعبها ، فإنما يعظُم الضرر ، ويشتد الضيق على من لم يخُض غمار الأمور الكبار والصعبة ، لذا تجد الفقراء عند الملمات والمصائب العامة في كثير من الأحيان- أقل تضرراً ، وأكثرُ تصبُّراً من كثير من الأغنياء . ولذا فقد جاءت الشريعة كذلك في بعض الأبواب برفع وتيرة التحمُّل والتصبُّر مع رفع درجة الأجر عند الله كما ورد في الجهاد في سبيل الله ، وكما جاء في الصبر على شدة المدينة عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يُقطع عضاهُها أو يُقتل صيدُها ، وقال : المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ، لا يدعها أحدٌ رغبة عنه إلا أبدل الله فيها من هو خير منه ، ولا يثبت أحدٌ على لأوائها وجَهدها إلا كنتُ له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة . رواه مسلم .


أيها الناس إن المسلم مأمور بالصبر والمصابرة ، وقد عوَّضه الله بالصبر أعظم الأجر ، ولا يصلح حال ، ولا تستقيم دنيا ولا دين إلا ببذل الجُهد وتحمُّل الأذى ، ودفع المِلال والضجر ، ولو أن كل من ملَّ من شيء تركه لفسدت الأرض ، ولذهبت مصالح الناس ، تصوَّر لو أن الطبيب الذي يُجري العملية الجراحية استسلم لضجره بعد أن فتح بطن المريض أو رأسه ، وبدأ في التعامل الجراحي مع عضوه المريض ، وقال للفريق أنا ماشي ، وليكن ما يكون ، ونحن نعلم أن بعض العمليات الجراحية تدوم إلى ما يزيد عن عشرة أو خمسة عشر ساعة ، تخيَّل لو أن شركة البناء ملَّت أو ملَّ موظفوها من إتمام المشروع السكني ، أو ملَّ المعلم من التعليم ، أو ملَّت الحكومة من سياسة الناس ، أو مل الطلابُ كلُّهم من مذاكرتهم ودراستهم ، هذا غير واقع ، ولا ممكن ، ولكنما يكثر هذا في أخلاق المُترفين ، الذين يظنون أن كل ما في الدنيا يمكن أن يُؤخذ بسهولة . إن العلياء لا تُعطي مكاناً إلا للجادين ، وإن واقعنا المعاصر المعقَّد لا يترك فراغاً إلا لمن علا تأهيلُه ، وإن طاعة الله قبل ذلك- تريد همة غير همة البطالين .


أحبتي في الله ، إن التمادي في إعطاء النفس هواها ، وفي الترفيه والتسلية يقود هو الآخر إلى الملل ، وإن الطلاب الذين يصيحون من ضغط الدراسة لا يلبثون في الإجازة إلا أسبوعاً أو أسبوعين حتى يعلنوا صفارة الملل ، وإن المركب الجديد والسيارة الجديدة سريعاً ما تعود قديمةً ، وإن أحدث موديلات الجوال ينزل في نفس اليوم ما هو أحدثُ منه ، وإن الفندق الفخم والقصر الفاره لا تلبث فيه أسبوعاً حتى يعود في عينك عادياً كما يكون بيت الفقير في عينه . وأما إن كان الهروب من الملل بمعصية الله ، فهو كما قال القائل : فرَّ من الموت وفي الموت وقع ، يقول أحد الشعراء وهو يمثِّل هذه الحالة :


مللت العقل والدنيا       فهات الكأس واسقينا


وغني فالغنا سلوى       وبعث للمنى فينا


وهيا نرفع الكأس       على نخب المصلينا


شربنا الخمر للسلوى       فما للخمر تُشجينا


فلا الألحان تنسينا       ولا الخمر تسلّينا


فإذاً اعرف لكل شيء قدره ، وخذ من متاع الدنيا من الحلال ما يعينك على مواصلة السير ، وجُدَّ واجتهد فما خُلقنا لنلعبَ ونعبث ، بل خُلقنا لنعبد ونعمل ، فإن استمعت بالشيء فليكن لإجمام النفس ، واستراحة البدن ، لا للعلو في الأرض ، ولا للبطر والكبرياء ، فحينئذٍ يحلو في عينك ما كان قبيحاً ، وتفرح باليسير قليل الثمن ، بينما يبأسُ غيرُك بالكثير غالي الثمن . إن بعض أولادنا نشتري له لعبةً جديدة في كل يوم ، ونأخذه إلى المدن الترفيهية في كل أسبوع ، ولكنه لا ينفك يشتكي من الملل ، وخيرٌ من ذلك لو قلنا لهم الحياة لا بد فيها من الصبر ، ومن الرضا بالقليل والاستغناء به عن الكثير ، فلأن نحرمهم في أحيانٍ ليتعلموا دروس الحياة خيرٌ من ندللهم تدليلاً يُفسد عليهم الدنيا والدين . رُئي عمرو بن العاص رضي الله عنه على بغلةٍ قد شمط وجهها هرماً، فقيل له: أتركب هذه وأنت على أكرم ناخرةٍ يعني وتحت إمرتك ومُلكك أفضلُ الخيول- بمصر فقال: لا ملل عندي لدابتي ما حَمَلت رجلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري، إن الملل من كواذب الأخلاق. نعم إن الملل من كواذب الأخلاق ، إن الملل من كواذب الأخلاق ، يُدفع باليسير ، وهو أهون الأذى لمن عقل ، فهو بلاء العافية ، ومن الناس من بلاؤه بلاء المرض والعطب ، فأين هذا من هذا .


إن كان في طبعك المَلالُ من الش       يء فَهَلاّ مَلَلْتَ ذا المَلَلا


اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا ، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر ، اللهم وفقنا أبناءنا وبناتنا في امتحناتهم ، وأصلح بالهم ، وهوِّن عليهم الصعب العسير مما يلاقون ، بارك لهم في أوقاتهم ، وبارك لهم في أعمارهم ، وانفع بهم أمتهم ، وأصلح ما بينك وبينهم ، اللهم آمين ، والحمد له رب العالمين .



 


الحمد لله رب العالمين خلق الإنس والجان ، أشهد ألا إله إلا هو الرحيم الرحمن ، واشهد أن سيدنا ونبينا محمداً أكرم رسول وأعظم إنسان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً :


أيها الناس إن من أهم وأقوى دواعي دفع الملل أن يدخل الإنسان فيما هو بصدده عن قناعةٍ تامة به ، وعن معرفةٍ بحُسن عواقبه ، فمن أحب الأمر أمضى فيه ساعاته دون كلل ولا ملل ، وإن القارئ في مكتبته ، والباحث في مكتبه أو مختبره ، والمتهجِّد في قيامه وسهره ، والساعي على الأرملة والمسكين ، والمجاهد في سبيل الله لفي نعيم ، يقوم الواحدُ منهم الساعات الطوال وهو لا يدري بالوقت ، إنما لذَّته وأُنسه في هذا الذي ينفعه ، فما أشرف هذه المنزلة ، أن يكون الجِدُّ شُغلَك ، والإنجازُ فرحَك . قال شوقي :


رياحين الرياضِ يُملُّ منها         وريحان القرائح لا يُملُّ


وكان ابن تيمية رحمه الله ينظر في العلم والمسائل في مرضه ، فنهاه الطبيب ، وقال له ينبغي أن توقف القراءة ، فقال له : أنا حياتي وأُنسي في هذا فإن تركته زاد مرضي ، أو كلمةً نحوها . وقال الطبيب لبعض السلف : لا تبكي ، فإن البكاء سيذهب بعينك ، فقال : وما الخير في عينان لا تبكيان .


فانظر لنفسك عملاً أو خدمة اجتماعية تناسبك ، فإن بلغ بك الملل غايته فاذهب وامسح على رؤوس اليتامى ، وخذ الخمسمائة ريال وبدلا من أن تفقها في مدينة الملاهي أو الفندق اشتر بها مؤونة شهر واذهب بها إلى أرمل مات عنها زوجها ولم تدر كيف تصنع بعيالها ، أو زر مريضاً أقعده مرضه عن الناس وتركه أهله ومحبوه ، أو اسأل عن أسرة سجين ، أو عن دين مدين ، أو اصنع ما ينتفع به أهلُك أو أهلُ بلدك  . فإذا فعلت ذلك أو بعضه فستجد بركة هذه الأعمال ، وستسعد بهذه الخمسمائة ما لا تسعد بآلاف من الريالات تُنفقها على شهواتك ورغباتك . وحدثني أحد الأخوان من أهل هذا الحي من اخوانكم عن صديق له ذهب إلى مبرة الإحسان ، وطلب منهم أن يوصلوه إلى بيوت المحتاجين ليذهب إليهم ببعض المال بنفسه ، وصار له عادة بأربعة بيوت في كل شهر ، يذهب إليهم ، ويطرق عليهم بيده الباب ، ويداعب صغارهم ، ويحنو عليهم ، وأخبر أنه يجد في ذلك من السعادة ما لا يمكن وصفه ، والسعيد مرة أخرى من كانت سعادته في مراضي ربه ، وصلاح دنياه .


بقي في الموضوع بقايا ، ولكن الحديث إن طال كان للشيطان فيه نصيب ، فأكتفي بهذا القدر ، وأشد على أيدي أبنائنا الطلاب ، فإنما هي أيام قليلة ، تعب أسبوع أو أسبوعين ، مع سابق عهد بالجد والاجتهاد ، ثم راحةٌ طويلة ، ولا راحةٌ مكدَّرةٌ في هذين الأسبوعين ، مع نصبٍ بعدها ، وتنغيص ، فالعاقل من اشترى راحته بنصب ساعة ، والمخذول من أراد الراحة ولم يسلك مسالكها ، فتراه في نصب دائم ، وتعب مستمر .


اللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنا إلا أنت ، واصرف عنا سيئها ، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت .


اللهم ردنا إليك رداً جميلاً ، وأصلح شبابنا وشيبنا ، وأصلح اللهم صروحنا التعليمية ، واجعلها محبوبة صالحة مُصلحةً ، قائدةً لنا في سبيل نهضتنا ، واستعادة مجدنا وعزتنا .


 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 28-12-2008

الزوار: 1453

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
من تاريخ الخلافة الإسلامية.. وبيان فضلها على الديمقراطية
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
التشويق للحج
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44669
[يتصفح الموقع حالياً [ 17
الاعضاء :0 الزوار :17
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3