اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :العودة من الإجازة

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : العودة من الإجازة

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً  ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }


أما بعد ، فإن خيرَ الحديث كلامُ الله ، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ } أيها المسلمون إن وعد الله حق ، وإن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها ، وإن الدنيا دارُ ابتلاء واختبار ، لا دار لهو وسهو وغفلة . ونحن في هذه الملة المباركة ، ومع هذه الشريعة الحكيمة نتعلم الحكمة ، والعدل ، والقصدَ في جميع الأمور ، فهي ملةٌ سمحةٌ قاصدة ، وشريعةٌ واضحة كاملة . وها نحن اليوم في نهاية إجازة قد يسميها بعض الناس عطلة ، والمؤمن لا تتعطل منفعته على كل الأحوال- امتدت هذه الإجازة مدة أسبوعين من الزمان ، وها هي قد انتهت ، ولنا معها الوقفات التالية :


أولاً : جميع الأعمال التي يعملها المسلم يمكن أن تكون عبادة يَتقرَّب بها إلى الله تعالى بشرط أن تكون هذه الأعمال أعمالاً مباحة ، وأن يكون له فيها مقصدٌ حسن ، فساعةُ راحتك ولهوِك يمكن أن تكون من العبادة ، وذهابك إلى البَرِّ وأخذُك لولدك إلى الفُسحة والنُّزهة يمكن أن تجعلها عبادة ، وذهابُك للزيارة أو للسياحة ، أو استقبالك لرفاقك وأحبابك ... كل هذه الأمور وغيرها يمكن أن تجعلها من العبادات ما دامت أموراً مباحة ، لم يداخلها الحرام ، قال الحسن : إن المؤمن يفجؤُهُ الشيء ويُعجبه فيقول : واللهِ إني لأشتهيكَ ، وإنَّك لمن حاجتي ، ولكنْ واللهِ- ما من صِلَةٍ إليك ، هيهات حِيلَ بيني وبينَك . فاستجمع الحلال ثم اقصد فيه قصداً صحيحاً معتبراً شرعاً مثل مقصِدِ إجمام النَّفس توصُّلاً لمزيد من العمل ، أومقصد التوسيع على الأهل والعيال ، أومقصد إدخال السرور على قلوب المؤمنين ، أومقصد إحسان تربية أهلك وحُسن معاشرتهم ، حتى قال صلى الله عليه وسلم : ((وفي بُضع أحدكم صدقة)) ، قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدُنا شهوته ، ويكون له فيها أجر؟ . قال صلى الله عليه وسلم : ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيه وزر؟ ، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) رواه مسلم . وثمَّة شرطٌ ثالث حتى تُدرِكَ بمثل هذه الأعمال أجر العبادة ، ألا وهو ألا تشغلك هذه الأمور عن العبادة التي أَمَرَكَ الله بها ؛ فلا استقبالَ لضيوفٍ في وقت الجماعة ، ولا ذهابَ بالأهل والولد إلى أماكن المنكر ، ولا إتيانَ للزوجة في الوقت الذي حرَّمه الله ... فبهذه الشروط تؤول أعمالك العادية قُرَباً تُقرِّبُك إلى الله .  ولذا فأنت ترى أن الشريعة بكمالها لمَّا ألمحت إلى فضل عمل وأوضحته ؛ لم يكن ذلك ليكون على حساب أعمالٍ أُخَرَ أهمَّ منه . ولذا فإن المسلمَ (المسلمَ)  إن توسَّع وَلَها ، أو جَدَّ واشتغل فإنه يطلبُ مرضاة ربه ، ويتقلَّبُ في مِنَنِه ونِعَمِهِ عليه سبحانه ، معَظِّماً لأمر ربه ، منقاداً لشريعته ، لا يعملُ ولا يتركُ إلا وهواه تابعٌ لما جاء به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك هذه الإجازة فإن للمؤمن فيها شأناً ، فهو يستجم بها نعم- ويستريح من عناءٍ متواصل ، ولكنها استراحةُ المحارب ، ووقفة المتأهِّب ، وتزوُّد المسافر .


عن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكَّرَنا  الجنةَ والنارَ حتى كأنا رأي العين ؛ فقمت إلى أهلي وولدي فضحكتُ ولعبتُ . قال فذكرتُ الذي كنا فيه ، فخرجتُ فلقيتُ أبا بكر ، فقلتُ : نافقتُ ، نافقتُ .  فقال أبو بكر : إنا لنفعلُه !! فذهب حنظلة فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم ،  فقال : يا حنظلة لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم ، يا حنظلة ساعة وساعة  . الحديث رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد ، وهذا لفظ ابن ماجه وأحمد .


ولذلك فإنه لا بد أن يكون لك بعد الإجازة من جد واجتهاد ، واشتغال بالنافع في أمر عملك ، أو أمر دراستك . فإن العمرَ قصير ، والدنيا كما أسلفنا دارُ سباق ، وإنك إن توقفت فيها برهة سبقوك ، فلا تتوقفْ إلا لتتزوَّد ، ولتعودَ أقوى انطلاقاً ، وأكملَ استعداداً. {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} . قيل لأُويس القَرَني رحمه الله- : إن الجنة لتُدرك بدون ما تصنع ، وإن النار لتُتَّقى بدون ما تصنع !! فقال: واللهِ لأجتهِدَنَّ ، ثُمَّ واللهِ لأجتهدنَّ ؛ فإنْ نجوتُ فبرحمةٍ من الله ، وإنْ دخلتُ النار فَبَعدَ جُهدي .


إننا بحاجة إلى الموظَّفِ الأمين ، والطالبِ المجتهد ، والمُعاملِ والمقاولِ المُخلص ، والشرطيِّ المتيقِّظِ ، والأستاذِ الرفيقِ ، والطبيبِ الماهِرِ الناصح . نحن بحاجةٍ إلى أن تكون أعمالنا ومجالات دراستنا مفعمةً بالحيوية والإخلاص ، يحقِّقُ كل واحدٍ منا في مكتبه ومتجره ومدرسته وشركته لبنة ولو واحدة- للإصلاح ، ولتوفير مقدَّرات الأمة ، وبنائها البناء الصحيح .


 


ثانياً : إن هذه الإجازات أيها الناس- فرصٌ للانتقال من جد إلى جد ، فرصٌ لإنجاز بعض الطموحات والقيام ببعض المهمات والأماني التي يقصُرُ وقتُك عن الوفاء بها ، ففي إجازةٍ لمدة أسبوعين تستطيع أن تتعلم فنا من الفنون ، أو تتقن حفظ أجزاء من القرآن ، أو تطوِّر من مهاراتك في الإدارة أو القراءة أو التعامل مع الأسرة ، وفي مثلها يُمكنك أن تزور عالماً أو مربياً أو صالِحاً ورِعاً ، أو خبيراً مُتقِناً أو أي إنسان يكون في زيارتك له فائدة دينية أو دنيوية ، حتى ولو تكلَّف ذلك سفراً وانتقالا ؛ فإن الوقت حينئذ لن يكون ضيقاً عليك . تستطيع في الإجازة أن تصل رحمه ، أو تطوَّع بالنوافل من الصيام الذي قد كانت تُثقِلُهُ عليك الوظيفة ، وفيها يُمكنك تذوُّقُ لذةِ قيامِ الليل وحلاوةِ مناجاة رب العزة بكلامه ، فيخلو المرءُ بربه ، يناجيه ويناديه ، ويجأرُ إليه قارئاً لكلامه ، متذللاً متخشعاً بين يديه في ظلمة الليل والناسُ نيام ، وفيها يزداد من نوافل الحج والاعتمار ، ومن القراءةِ ، نعم القراءةِ للقرآن وللنافعِ المفيدِ من أمر دينه ودنياه . إنها خلطٌ للجد بالإجمام ، وللراحة بالاستعداد ، وللّهو بالعمل .


قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : {فإذا فرغت فانصب} قال ابن زيد، في قوله:( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهادِ العرب، وانقطعَ جهادُهم، فانصب لعبادة الله (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) . وعن مجاهد( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب ، فصّل. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: إن الله تعالى ذِكرُه أمر نبيَّه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته ، مما أدّى له الشغل به وأَمْرُهُ بالشغل به إلى النَّصَب في عبادته ، والاشتغال فيما قرّبه إليه ، ومسألته حاجاته ، ولم يَخصُصْ بذلك حالاً من أحوال فراغه دون حال ، فسواءٌ كلّ أحوال فراغه . من صلاة كان فراغُه ، أو جهادٍ ، أو أمرِ دنيا كان به مشتغلاً من غير خصوص حال فراغ ، دون حالٍ أخرى. وقوله:( وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك ، دون مَن سواه من خلقه .


       إن ربكم أيها المسلمون يحب أن يُذكر حين يغفل الناس ، وتُعجبه تعالى الشجاعة حين يخاف الناس ، وهو جل في علاه- يرضى عن الكريم إذا أعطى حين يشح ويبخل الناس ، وكان صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه فرحا واستبشارا إذا أُطيع في ساعة الشدة والعُسرة .


ومن ذلك أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} .


عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال :  قلت يا رسول الله لَمْ أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان !!  قال صلى الله عليه وسلم : ((ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم))  رواه النسائي .


وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشابٌ نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) . 


وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال :  عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأول فقال : يارسول الله أي الجهاد أفضل؟ ، فسكت عنه ، فلما رمى الجمرة الثانية سأله ، فسكت عنه ، فلما رمي جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب قال : (( أين السائل ؟)) قال : ها أنا يا رسول الله . قال صلى الله عليه وسلم : (( كلمة حق تقال عند سلطان جائر)) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح


وفي غزوة حنين انكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقي وجاه العدوِّ حاسراً ظاهرا يعلن عن نفسه ، ويدعو الصحابة إليه . ففي صحيح مسلم : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاءِ فَقَالَ : أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ ؟ فَقَالَ : أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا وَلَّى ، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنْ النَّاسِ وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ هَوَازِنَ ، وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ ؛ فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ ؛ فَانْكَشَفُوا ؛ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ ؛ فَنَزَلَ وَدَعَا ، وَاسْتَنْصَرَ ، وَهُوَ يَقُولُ : ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ  ..... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ..  اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ)) قَالَ الْبَرَاءُ : كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ = نَتَّقِي بِهِ ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ ، يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم .


وعن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا . فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْتَاجًا إِلَيْهَا . فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِيهَا . فَقَالَ : ((نَعَمْ)) فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ . رواه البخاري .


ومن أخبار الكرام أنه لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزو الروم ، وكان ذلك في زمن عسرة من الناس وجدب من البلاد ، وحين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورَّى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد الشُّقة وشدة الزمان ،  ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم جَدّ فِي سَفَرِهِ وَأَمَرَ النّاسَ بِالْجِهَازِ وَالِانْكِمَاشِ وَحَضّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النّفَقَةِ وَالْحُمْلَانِ فِي سَبِيلِ الله ؛ فَحَمَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَاحْتَسَبُوا ، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ مِثْلَهَا . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ أَنْفَقَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : اللّهُمّ ارْضَ عَنْ عُثْمَانَ ، فَإِنّي عَنْهُ رَاضٍ . وفي الأخبار المسندة عن عبد الرحمن بن سمرة قال : رأيت عثمان جاء بألف دينار فصبَّها في حِجْرِ النبي صلى الله عليه وسلم حين جهز جيش العسرة ؛ فرأيت رسول الله يُدخل يده فيها يُقلبها ويقول : ((ما ضَرَّ عثمانَ ما عمل بعد هذا اليوم ، ما ضَرَّ ابنَ عفان ما عمل بعد هذا اليوم)) رواه أحمد في مسنده وابن أبي عاصم في السنة .


فهذه الأخبار قليلٌ من كثيرٍ من خبر القوم ، وما كانوا يتعبدون به ربهم في كل أحوالهم ، لا يمنعهم الضيق ولا اختلاف الحال ولا الحاجة أن يكونوا فيه كحالهم في السعة ، بل أرضى ، وأطوعَ ، وأسخى ، وأرجى لرضوان الله . هؤلاء قومٌ لكأنهم رأوا أهلَ الجنة في الجنة مخلَّدين ، وأهلَ النار في النار معذَّبين ، شرورُهم مأمونة ، وقلوبُهم محزونة ، وأنفسُهم عفيفة ، وحوائجُهُم خفيفة ، صبروا أياماً قليلة ، لعقبى راحةٍ طويلة . فاللهم ألحقنا بهم .


 


ثالثا : الاقتصاد حسنةٌ بين السرف والتقتير ، والتوسُّع والترخُّص منزلة بين الانفلات والتزمُّت ، والفرح واسطةٌ بين الحزن والبطر ، وخير الأمور الوسط . أيها المسلمون إن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان لا يمنعه ضحكه ، وعيشه لحياته بكل تفاصيلها ، وبكل ملذاتها المباحة من أن يقتصد في الحلال ، فما كان صلى الله عليه وسلم يُرى ضاحكاً حتى تبدو لهواته صلى الله عليه وسلم . وكان صلى الله عليه وسلم يمزح ، نعم يمزح ، ولكنه لم يكن يقول إلا حقاً فلا كذب ، ولا ترويع ، وإنما هو اللطف والرأفة والرفق والرحمة {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} . فالعاقل عندما يفرح لا يبطر ، وعندما يغتني لا يأمن الفقر ، وعندما يعلو يوقن بأنه حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه سبحانه وتعالى . خ ...{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }.


اللهم صل على خير البرية ، وأزكى البشرية ، وعلى آله وصحبه أجمعين .


 


 


 


 


 



 


الحمد لله الحليم الكريم ، العظيم العليم ، الرؤوف الرحيم ، أشهد ألا إله إلا هو ، وأشهدُ أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبدُ الله ورسولُه ، بلَّغ وبشَّر وأنذر ، وتركنا على محجة بيضاء ليلها كنهارها ، من استمسك بها اهتدى ، ومن ضل عنها ضل عن الصراط المستقيم .


رابعاً : نحن في هذه البلاد المباركة على ارتباطٍ وثيق بأمر شعائر الإسلام ، فالجزيرة جزيرة الإسلام ، والدولة ترفع شعار الإسلام ، ومكةُ والمدينةُ والمشاعرُ في عمق مشاعر أهل البلاد إلا من شذ منهم ، ومصالح الناس وأعيادُهم ومعايشهم لها ارتباطٌ وثيقٌ بمواسم الخير هذه ، يتبعها عيد الفطر بعد رمضان ، وعيد الأضحى بعد وقفة عرفات . فهذه أعيادنا ، وهذه إجازاتنا الرسمية ما لنا منها من بُد . ولا يتخيل عاقل انفكاك هذا عن هذا . ولا يصلح لأهل هذه البلاد أن تُغيَّر أعيادهم ومواسمهم ، ولا أن يُربَطوا بمناسبات غير هذه المناسبات ، قال صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا)) رواه مسلم .


ثم إن أعياد الكفار من شعائر دينهم ، يُحتفل بها في كنائسهم ، وأديرتهم ، ويتعلَّق الناسُ فيه بشعائر وطقوس هي تابعةٌ ومنضوية لأصول اعتقادية كلية ففي عيد الكرسمس وفي ليلة رأس السنة يرتكبون من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ويفترون على الله وعلى عيسى عليه السلام من الكذب ما لا يُقره الله ربُّ العالمين . أيها المسلمون إن بعضنا يقول : ما لك ولهم ، هم لهم دينهم ، فلا تتعرَّض لهُم ما لم يتعرَّضوا لك ، ثم إن دينهم دينٌ سماوي ، وهم مؤمنون ، فأقول : ويح قومي لكأنهم ما قرؤوا القرآن ، ولقد طغت علينا بعض الشعارات ، وتلبيسات القنوات حتى التبس الحق بالباطل ، إن ما عليه هؤلاء النصارى في مثل هذه الأعياد ، بل وفي دينهم لهو ضلال بعيد ، وإفكٌ مبين . وأسوق لكم شاهداً واحداً من القرآن سمَّى الله فيه وحَكَم ، وبيَّنَ وقَضَى عليهم بالكذب والافتراء ، فقال جل وتعالى : { قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{68} قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ{69} مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} .


وإذا كانت الأمور يجب أن تنظر هكذا فإن من الخطأ والجهل أن يُشارك هؤلاء أو يهنَّؤوا بما لو تمنَّينا لهم الخير لتمنينا زوالهم عنه ، ألا وهو هذا الدين الباطل . فلا تجوز مشاركتهم ، ولا تهنئتهم على كفرهم وضلالهم ، وإن هذه الأحكام ليست أحكاما تشددية يفتي بها بعض علماء المسلمين ، بل إنها لمما اجتمعت عليه كلمة علماء المسلمين معاصرهم وقديمهم ، إلى أن وصلنا إلى زمن رقة الديانة ، وضعف التعظيم للشريعة ، ورد محكماتها إلى هلاهيل الحضارة ، ومزيفات التعايش والديمقراطية ، وحتى بلغنا زمنا نطق فيه الرويبضة ممن يتزيَّا بزي أهل العلم وليس منهم . وإن البيان الذي وقعه هؤلاء يهنؤون فيه الكفار النصارى بكفرهم لسقطة عظيمة ، وبلية كبيرة ، دع عنك اجتماع السنيِّ والبدعي ، والعالمِ والجاهلِ على ما لا علم لهم به ، وفيما قال بعضهم إن المسألة خلافية وليست كذلك- اتهم بعضهم الآخر من يمنع من تهنئة الكفار بأعيادهم بالتشدد والغلو !! فاللهم غفراً ، واللهم رحماك بنا ، أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل .


اللهم وفق علماء المسلمين للقيام بواجباتهم ، والقيام بواجب العلم الذي أمرتهم به ، وبيِّن لنا وللمسلمين الشجي من الخلي ، والمتحقق من الملفِّق ، والعالم من الجاهل .


اللهم ووفق المسلمين حكاماً ومحكومين لتحكيم شرعك ، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، والقيام بالحق الذي ترضى به عنهم .


اللهم سلِّم إخواننا في باكستان من شرر فتنة قد اشتعل فتيلها ، وحضر أوانها ، اللهم سلِّمهم وسلِّم منهم ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان ، وولِّ عليهم خيارهم .


اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .


 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 1 /5 ( 1 صوت )

تاريخ الاضافة: 28-12-2008

الزوار: 1076

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
خطبة التهليل والتلبية
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
زيد بن ثابت الأنصاري.. رضي الله عنه
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44666
[يتصفح الموقع حالياً [ 12
الاعضاء :0 الزوار :12
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3