الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه .
أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبعد :
فإن التقوى خير زينة ولباس ، تمشي بها وتخالط الناس قال تعالى : {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } ، وإن مخالطة المتقين الأخيار والجلوسَ معهم غُنمٌ ، واستنـزالٌ لفضل الله ورحمته . وأكملُ المتقين بعد الأنبياء والمرسلين هم صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين . ونحن إذا كنا لم ندرك فضيلة رؤيتهم ، ومجالستهم إلا أننا نستطيع تدارك بعض ذلك بتدارس أخبارهم ، وتأمل أحوالهم . وعند ذكر الصالحين تتنـزّل الرحمات ، وعند ذكر الصالحين تُشرق النفوس وتنشرح الصدور ، وتُقبلُ بنشاط ورغبة لم تكن لتؤثِّرَه فيها كثيرٌ من المواعظ .
نتكلم في هذه الخطبة عن شاب حَدَثٍ من أهل المدينة من قبيلة الخزرج ، من الأنصار الذين نصروا الله ورسوله .. نشأ يتيماً في بيت زوج أمه : عُمارةُ بن حزمٍ رضي الله عنه . وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولهذا الغلام إحدى عشرة سنة فقط . وكان لحُسن الحظ ، ومن تيسير الله وصُنعه لهذا الفتى – أن نزل النبيُّ صلى الله عليه وسلم بدارٍ قريبةٍ من دارهم ؛ ليترعرع هذا الفتى ، وينشأ وهو يرى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في كل يوم بُكرةً وعشياً .
كان عُمارةُ - زوجُ أمِّ هذا الشاب - أحدَ النقباء الذين شهدوا بيعة العقبة الثانية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، ثم رجع هو وَمَن معه من أصحابه إلى قومهم مُنذرين ، وداعين إلى سبيل الله مبشرين ، ومتحدثين بقرب مقدَم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة . فبدأ عمارة فور مقدمه بزوجه فأسلمت ، ثم بابنها فأسلم ولمّا يبلغ الحاديةَ عشرةَ مِن عُمره رضي الله عنه. أسلم هذا الصحابي وحفظ من القرآن ، فما قدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إلا وقد أتمَّ زيدُ بنُ ثابت رضي الله عنه حفظَ سبعَ عشرةَ سورةً من القرآن . إذاً هذا هو صاحبنا رضي الله عنه: زيدُ بنُ ثابت بنِ زيد النجاريُّ الخزرجيُّ الأنصاري رضي الله عنه. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتى إليه زيدٌ ؛ فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله – هذا غلامٌ من بني النجار ، وقد قرأ مما أُنزل عليك سبع َ عشرة سورة . قال زيدٌ فقرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه ذلك – وفي رواية : فاستقرأني فقرأتُ ق – وقال صلى الله عليه وسلم : يا زيد تعلّم لي كتابَ يهودٍ فإني والله ما آمنهم على كتابي . قال : فتعلمتُه ، فما مضى لي نصفُ شهر حتى حذَقتُه ، وكنت أكتبُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كَتَبَ لهم . وورد عنه كذلك رضي الله عنه أنه تعلم السريانية في سبعةَ عشر يوماً ، وأنه تعلم الرومية والحبشية . تعلَّمها – رحمني الله وإياكم – لا في معهد ، ولا أكاديمية ، ولا ليستخدمها في مشاهدة الأفلام الأمريكية ، أو ليتوظف بها في إحدى الشركات .. ما تعلمها إلا ليُرضي اللهَ ورسولَه ، ويُعزَّ دين الإسلام .
وهكذا تتعلق نفس هذا الصبي بالمعالي من أول الأمر ؛ فيحفظ من القرآن قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يتعلم له اللغات التي ستؤهله لمكانة مقرَّبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مكانةٍ يرى منها سياسات خير سائس كيف ترسم ، وكيف تدبر ، ولما يبلغ الثانية عشرة من عمره .
ومضى زيدٌ يتعلم ما ينفعه ، وينفع به الإسلام مما يأمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأضاف إلى ما سلف ذكره ، أن تعلّم الكتابة ، وكان قليلٌ من قومه من يُحسنها فصار كاتباً من كتّاب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما يجاوز الثانية عشرة – فربما كان حاضراً عنده صلى الله عليه وسلم ، وربما كان غائباً فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بأن يكتب مما أوحى الله به إليه ، وربما كتب كاتب آخرُ من كتاب الوحي .
وهكذا نشأ زيدٌ على عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نشأ محبا للقرآن ، شغوفاً به ، مشغولا به عما يشتغل به الغلمان في مثل سنه .. حتى أراد الله به خيراً عظيماً ، وقد ادَّخر الله له ذلك الشرف الباذخ إلى زمنٍ تُوفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشتُهر زيدٌ بين الناس بضبطه وحِذقه للقرآن ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة : أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد . قيل لأنس : من أبو زيد ؟ قال : أحد عمومتي . فاستعداد زيد المبكِّر ، وحُسن تربية النبي صلى الله عليه وسلم له جعله في موضع المسؤولية في مهمة خطيرة كبيرة ، احتاج إليها كلُ مسلم ، وصار لزيد أجرُها مع من تعاون معه فيها . ألا وهي مهمة جمع المتفرق من القرآن في مصحف واحد وكان زيدٌ أحقَّ بهذه المهمة وأهلاً لها رضي الله عنه . فحباه الله بها خصوصية عظيمة ، ومزية كريمة ، وشرفاً عاليا ، ومجداً ساميا فلا يُذكر القرآن وجمعه إلا ويُذكر زيدٌ في الأكرمين . وقد كان جمعه في صدره حفظاً ثم جمعه في المصاحف كتابةً . فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبيد بن السبّاق رحمه الله أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه مقتلَ أهلِ اليمامة - فإذا عمر بن الخطاب عنده . قال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استَحَرَّ يومَ اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى إنْ استحر القتلُ بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . قلت : لعمر كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر : هذا والله خير .
فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله صدري لذلك ، ورأيت الذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه .
فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن . قال : قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم . قال : هو والله خير . فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدرَ أبي بكر وعمر .
فقمتُ فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسب واللخافِ وصدورِ الرجال ... فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة . خ
وقد ضم زيد إلى علمه بالقرآن ، وبالترجمة علوماً أخر ؛ فكان فقيها قاضيا مفتيا ، وكان أعلم الصحابة بالفرائض والمواريث حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب ، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ) حم ت ن هـ ك
اللهم ارض عن عن أصحاب نبيك ، وارزقنا حبهم ، وحسن التأسي بهم ، واجعلنا من الذين من بعدهم {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغنا منه الرضا ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه المرتضى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً . وبعد :
فانظروا – يا رحمكم الله – إلى حُسن تربية هذا اليتيم كيف نهضت به من درك الخساسة إلى مدارج العُلا . وانظروا كم لأمه ولزوجها من أيادٍ بيضاءَ يشكرها لهم زيد ، ونشكرها لهم ، ويشكرهم عليها الله . وقد أثّرت تربية ذلك البيت المستقر في نفس زيد طمأنينة واستقراراً ، وبراً بأهله من بعد ؛ فقد تزوّج زيدٌ أولَ ما تزوج من امرأة لها ولدان – هي أم جميل العامرية – وعاش ولداها في كنف زيد رضي الله عنه . ثم تزوّج ثانية من أم سعدٍ بنت سعدِ بن الربيع وكانت يتيمة تربت في حجر أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ كان أبوها قد استُشهد يوم أحد فأراد زيدٌ إكرامَها ، وجبرَ قلبها إذ كان حالها كحاله لما كان صغيراً كلاهما نشأ يتيماً – فتزوّجها وفرح بها ، وفرحت به ، وكانت امرأة نجيبة أنجبت له أولاداً كثيرين ، كان منهم خارجةُ بن زيد عالمُ المدينة وفقيهُها ؛ أحدُ الفقهاء السبعة المشهودِ لهم بالعلم والسبق رحمهم الله .وقد قال تعالى : {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } وقد أحسنوا فأحسن الله إليهم والله غفور شكور .
وكان زيد مع كل ما سبق من فضائله حريصاً على الجهاد في سبيل الله ؛ وقد أراد المشاركة في غزوة بدر ولم يتجاوز عمره إذ ذاك الثانية أو الثالثة عشرة فردّه النبي صلى الله عليه وسلم لصغر سنه . ثم أراد المشاركة في غزوة أحد فرده النبي صلى الله عليه وسلم وصحباً معه ، وجعلهم حرساً للذرية . ثم شهد الخندق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم شهد تبوكاً ، ثم شهد اليمامة وغيرَها من مشاهد المسلمين . وقد كان له موقف في يوم أحد وإن كان لم يشهد القتال ؛ إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم لطلب سعدِ بن الربيع رضي الله عنه –والدِ اليتيمة التي تزوجها زيدٌ فيما بعد– وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنْ رأيته فأقرئه مني السلام ، وقل له : يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف تجدك ؟ . قال زيد : فجعلت أطوف بين القتلى ، فأصبته وهو في آخر رمق ، وبه سبعون ضربة ، ما بين طعنةٍ برمح ، وضربةٍ بسيف ، ورميةٍ بسهم ! فقلتُ له : يا سعد ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : أخبرني كيف تجدك ؟ . قال : على رسول الله السلام ، وعليك السلام ، قل له : يا رسول الله إني أجد ريح الجنة ، وقل لقومي الأنصار : لا عذر لكم ، إن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شُفر يطرف . قال : وفاضت نفسه : .
فاللهم ارض عن صحابة نبيك ، وألحقنا بهم في جنتك
اللهم ارزقنا حبهم ، واجعلنا من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا إنك رؤوف رحيم