اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :لماذا لا ينصرون غزة؟!

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : لماذا لا ينصرون غزة؟!

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

الحمد لله العظيمِ سلطانه، الساطعِ برهانه، القاهرِ القادر، القوي العزيز، مالكِ الملك، ومدبِّر الأمر {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }.


أشهد ألا إله إلا الله إلهاً عالماً حكيماً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خيرُ الناس للناس، وأرحمُ الناس بالناس، بعثه الله ليخرج به العباد من الظلمات إلى النور، فجاهدهم بيده، وجاهدهم بلسانه، حتى أظهر الله دينه، وأعلا كلمته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.


أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها.


 


أيها المسلمون، إن نعمة اللسان وهبها الله للعبد لكي يُبين عمَّا في نفسه، وبه يتواصل مع الآخرين، وينقل إليهم مشاعره. وفي كثيرٍ من الأحيان يقدر كثيرون على بسط ألسنتهم والإفاضة في الوصف إلى فوق ما تبلغه الحقيقة، وفي أحيان أُخرى يعجز اللسان وينعقد ويكون حجمُ الهولِ أبلغَ وأعظمَ من أن يُبين عنه ناطقٌ بفمِ .


إن من يسمع ويقرأ عمَّا يجري لأهلنا في غزة ليعلم بذلك شيئاً من حجم المأساة التي يعايشها إخواننا هناك، ولكنه إذا ما رأى الصُوَرَ المنقولة من أرض الواقع خُيِّل إليه أنه لم يقرأ شيئاً ولم يسمع شيئاً، وكأنه الفرق بين علم اليقين وعين اليقين. أما حق اليقين فهو ما لا تفي به العباراتُ ولا الصُّوَرُ إنه الذعر المنتشر، والخراب المستطر، والدم المنهمر، والجحيم المستعر، والضمير المنقهر. إنها الطفولة المغتالة، والأنوثة المِثكالة، والجيوش المختالة، والطائرات النبالة، والوعود الختّالة. ولقد قلنا سابقاً، ولا زلنا نقول: لئن كان هؤلاء مائةً أو ألفاً من الحيتان في عُرض المحيط، أو من الغزلان في مكانٍ من الأرض بسيط، أو نزراً من القطط أو الكلاب، فضلاً عن أن يكونوا بشراً من ذوي البشرة البيضاء، والأعين الزرقاء= لو كان ذلك لهب العالم، وتذمروا، وقامت قيامتهم. وقد أعلن البيت الأبيض الأسبوع الماضي وفاة القطة الأولى "إنديا"، الخاصة بابنتي الرئيس الأمريكي جورج بوش، والتي رحلت الأحد، عن عمر يناهز 18 عاماً، بمقر إقامتها في البيت الأبيض. وقال البيت الأبيض في (بيان)!! إن الرئيس بوش وزوجته لورا وابنتيه باربرا وجينا، يشعرون بحزن عميق لرحيل "إنديا" في الرابع من يناير الجاري، مشيراً إلى أن القطة السوداء، ذات الشعر القصير، عاشت كفرد من العائلة قرابة عقدين. نعم إنهم ليسوا قططاً أو كلاباً يحزن عليهم البيت الأبيض، ولكنهم عربٌ مسلمون هانوا على قومهم فلم ينصروهم، وعلى دولهم فنسوهم وخذلوهم، فهانوا على العالم.


ألا تعجب من أن كل صاروخ فلسطيني أُطلق على يهود = اعتدى يهود في مقابلته بخمسين صاروخاً ظلماً واعتداءً، ومع بُعد ما بين الصاروخين إلا أن قادة العالم المتحضِّر، ومجالس العدل والأمن تجعل نصيب صواريخ الفلسطينيين وجهادهم ودفاعهم من الإنكار خمسين ضعفَ ما لليهود!! أما والله إنه لعجيب، وإن الظُّلم مرتعُه وخيمُ، وعلى الباغي تدورُ الدوائرُ.


بعض العقائديين من النصارى مُغرمٌ بهوى يهود وحبِّهم، يدافعُ عنهم ما لا يدافعُ عمن سواهم، ويتدللُ أولمرت، ويأمرُ الرئيسَ بأن يقطع خطابه في فيلادلفيا، فيقطع الرئيسُ خطابه، ثم يقول له: أين الفيتو؟ فيعده الرئيس برفض التصويت على وقف إطلاق النار.


ويتبع هؤلاء ملايين من الناس المغرَّر بهم، أو الحقودين على أمة الإسلام.


 


وصنفٌ آخر منهم، في أوروبا خصوصاً، عانوا من اليهود قروناً، وفرحوا برمي سلحهم والقذارة التي بين أظهرهم على المسلمين، وهم لا يريدون أي إضعافٍ لكيان يهود قد يعود برجوع اليهودِ إليهم، وقد قال نابليون في بعض خطاباته: ((وأشير من جديد إلى أنه لا أحد يشكو من البروتستانت ولا من الكاثوليك كالشكوى من اليهود مما يُبيِّنُ أن الأذى الذي يرتكبه اليهود لا يأتي منهم كأفراد، بل من وضع هذه الأمةِ نفسِها. فهم حشراتٌ وجرادٌ يدمِّرون فرنسا)). اهـ


لقد عانى الأوربيون من يهود في وقت لم يكن لليهود فيه دولة، وكانت يد حكام أوروبا مُطلقةٌ يفعلون بهم ما يشاؤون ، فكيف والحال الآن: ترسانة عسكرية، ودعم لا محدود، وحبل غليظٌ من الناس يلفه يهود على كل من عاداهم أو عادوه {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }. وما خبر الجيتو عنكم ببعيد!! والجيتو لمن لا يعرفه هي أحياء يهود في أوروبا، وكانوا يقيمون في أحياء خاصةٍ بهم، شديدة الزحام، كثيرة القذارة، فأصدر البابا بولس الرابع في أغسطس عام 1555م مرسوماً يُحتِّمُ على اليهود عدم الخروج من أحيائهم تلك، يُغلَقُ عليهم في ساعةٍ معيَّنةٍ من المساء ولا يُفتح لهم حتى مطلع الفجر. وبقي أمر الجيتو سارياً في روما حتى أُلغي في القرن التاسع عشر على يد البابا بيوس التاسع. فيريد الأوربيون الآن ألا تعود أحمالُهم إليهم، ولا ننسى أن مبدأ أزمة اليهود في فلسطين كان بوعدٍ مشؤوم من بلفور الإنجليزي. فضلا عن تمكُّن يهود وإمكاناتهم في التأثير، وعن دوائر تأثيرهم المختلفة في بلدان العالم الغربي بعامة.


 


وبقي لنا أن نقف مع موقف الدول العربية والإسلامية، وأنا ضاربٌ لذلك مثلاً:


أيها المسلم، هب أن أحداً من المقربين إليك اعتُدي عليه، وأبلغك بهذا الاعتداء. إن العاقل في هذا الموقف ينظر، هل هذا القريبُ ظالمٌ أم مظلوم؟ فإن كان ظالماً فقد استحق من العقوبة بقدر ظلمه، وإن كان مظلوماً فإنه يستحق النُّصرة!!... فإذا نظرتَ فوجدتَهُ مظلوماً مُعتدى عليه، فهنا إما أن يكون الاعتداء عليه يسيراً يكفي فيه وعظُ الظالم ونُصحُه، وإما أن يكون اعتداءً عنيفاً قوياً لا بد معه من ردع الظالم. فإن وجدت عدوان الظالم هذا قد جاوز كل الحدود، وكان عدواناً لم تر ولم تسمع في حياتك بمثله، وهو عدوانٌ مستمر لم يتوقَّف ، فهنا تنظر هل لك بهذا الظالم من قدرة، وهل لك عليه من ظهير ونصير، أم أنك لا تستطيع أن تحجُِزه عن ظلمه، ولا أن تقف بوجهه. فإذا رأيت أن قريبك هذا المُعتدى عليه لما كان وحده وهو يُدافع عن نفسه استطاع أن يُحدِث بهذا المعتدي بعض الجروح والخدوش والخموش، وأنه استطاع أن يوقفه عن بعض أشكال عدوانه، وأنه وحده- أظهر من البسالة والشجاعة ما تحدَّث به كل من رآه= فهل إذا أعَنْتَه عليه، وأَثَرْتَ قضيته العادلة بين العالمين يمكن أن يقف هذا المعتدي بوجهك، أو أن يعود لظلمه وعدوانه مرةً أخرى.


أيها المسلمون إن قضيتنا عادلة، ولا أدل من عدالتها من الملايين من سكان الأرض من المسلمين، ومن غير المسلمين ممن لا يُتَّهم بتعصُّب للمسلمين ولا عنصرية، ومن الذين يمارس الإعلامُ عليهم زيفه وتزييفه لصالح يهود، إلا أن المناظر كانت أصدقَ وأقوى من أن ينالها التزييف، وقد بلَغَ من وضوح القضية وعدالتها أن تبكي مذيعةُ الأخبار في القناة الإسرائيلية الثانية في آخر نشرتها فزعاً من حجم الظلم والدمار الذي يحيق بالفلسطينيين، هذا وهي يهودية، تقدم أخباراً في إذاعة إسرائيلية!!


إن قضيتنا عادلة، وإن مجاهدينا أدِلاءُ أبطال، وقفوا موقفاً لم تقفه الجيوش العربية، ولا نعرفه لغيرهم، وأظهر الله من كرامتهم هذا الصمود والجهاد الذي لا يُوفَّق لمثله إلا من أراد الله والدار الآخرة، نحسبهم كذلك، ونرى دلائل صدقهم، والله حسيبهم ومولاهم. وفي هذا يقول بعض الشعراء عن المجاهد في فلسطين:


لأنتَ معــــــالمُ الدرب وأنت الفجرُ والحلُّ


لِعَينِ القــــدسِ بؤبـؤُها   وفي أجفانها الكُحلُ


وتَهتِف في نيـام الأرض   مهمــوماً وتبتـَهـِـلُ


أنا ابن السيفِ والقرآنِ     والأقصى أنـا الأمــلُ


 


إذاً القضية عادلة، والمقاومة باسلة، والأمة تتوق للمقاتلة فما الذي بقي؟؟ إن السكوت في مثل هذه المواقف خوار، وإن التاريخ يصنعه أصحاب القرارات الحكيمة، والمواقف الشجاعة، والرؤى النافذة، وأما من استمرأ الذل، وعاش عيشة الخرفان، فإنه لا يرى أنسه وسعادته إلا داخل الحظيرة، التي يُهيَّأ فيها ليُذبح متى ما تجهزت مائدة السيد.


وكم عزيزٍ وقاه الله مظلـــمةً        وكم خنوعٍ يُداسُ اليوم بالقدم


******


لا تُردُّ الحقوقُ في مجلس الأمن            لكن في خيـمة التجـنيـد


إن ألفي قذيــفةٍ من كلام             لا تُساوي قذيفة من حديد


 


إن القدس قضيتُنا، والمسجدُ الأقصى مسرى نبيِّنا، وقد جعل الله في تلك البلاد من البركة ما لم يجعله في غيرها، قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }بارك الله تلك الأرض، وجعل في رجالها ونسائها من البركة ما نراه بأعيننا. وجعل الله مُلك هذه الأمة هناك، وأخبر أن الإيمان يكون بآخر الزمان هناك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني رأيتُ عمود الكتاب انتُزع من تحت وسادتي، فنظرتُ فإذا هو نورٌ ساطعٌ عُمِد به إلى الشام. ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام) رواه الطبراني والحاكم، عن عبد الله بن عمرو، ورواه أحمد عن أبي الدرداء وصححهما الألباني. وقد رأينا من بركة رجالهم بسالة هؤلاء الشجعان، ومن بركة نسائهم ما لا يُنكره إلا مكابر. أَفَبَعد كل هذا نطلب الحل من مجالس أمريكا، وهيئاتها الدولية؟!


قُصفت في الأسبوع الماضي عدةُ مدارس لوكالة الغوث الدولية التابعة للأمم المتحدة، وهي أماكنُ إيواءٍ يعلم بها الجيش الإسرائيلي، وقد كُتب على أسطُحِها بخط كبير علامة الأمم المتحدة ( UN)، ثم قُصف بالأمس مقرهم وقضي على كثير من المساعدات الإنسانية التي تتبجح إسرائيل بالسماح بدخولها. وغضب الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة وزمجر، وقال: إن القتل قد بلغ مداه الذي لا يُحتمل، وأنه كأمين عامٍ لهيئة الأمم جاء ليوقف إطلاق النار، ولكنه لم ينسَ أن يُضيف بأنه يُدين حماس. ومن بعده ومن جواره تكلمت ليفني وزيرة الخارجية اليهودية، وقالت في صَلَف: إن من يقرر وقت وقوف الحرب هو إسرائيل، وأنهم أهل سلام، يريدون القضاء على الإرهاب الذي يهدد المنطقة كلَّها، ولا يمكن ذلك إلا بهذه الحرب، وأنهم لن يوقفوها إلا بعد أن يحققوا أهدافهم. فلم ينبس هذا من جوارها ببنت شفة، بل لما سُئل عن موقفهم من ذلك قال بأنهم سيستمرون في المحاولات ولم يجرؤ على ذكر أي عقوبات محتملة لإسرائيل. ليقوم بعدها في ذلة واضحة بمصافحة ليفني وشكرها.


 


اليهود يا عباد الله لمن لا يعرفهم قوم عاشوا آلافاً من السنين مشردين منبوذين عقاباً من الله لهم على أفعالهم، وهم يعتقدون بأنهم أبناءُ الله وأحباؤه، وأنهم مهما فعلوا فإن الله لا يسخطُ عليهم. وفي بعض تعبيراتهم الشعرية يرون أن الرب -تعالى عن قولهم- قد  اتخذ أمَّتَهم عشيقةً له، بل تزوَّجها زواجاً أبدياً، وإنها إذا خانته أو دنَّست شرف العلاقة التي بينها وبينه لم يطلِّقها، بل يكتفي بأن يغضبَ ثم يرضى، وأن يُعاقب ثم يصفح. فهي الأُمة الحبيبةُ المعشوقةُ المُدلَّلةُ، التي تعلم سلفاً أن الرب لن يجرؤ يوماً ما على قتلها مهما أجرمت. وفي نفسيتهم واعتقادهم أن الله يعاقبُ الأُمم الأخرى، وهم الذين يبقون وحدهم في آخر الزمان متسلِّطين على رقاب العالم. ومن هنا تبرز خطورة النفسية اليهودية على العالم، ويتضح مدى احتياجها لعلاج ناجع، وهو علاجٌ لا يمكن أن يكون إلا مراً.


واليهود عند أنفسهم: قوةُ الله، الذين غلب أبوهم يعقوبُ الربَّ سبحانه- عندما تصارع معه، تعالى الله عما يفترون، وهم شعب الله المختار والشعب المقدَّس الذي يُعاقبُ الله به الأمم. وفي سفر التثنية من التوراة المحرفة الإصحاح السابع يقول عن إهدار دم الأمم الأخرى: ((لا تقطع لهم عهداً، لا تشفق عليهم، لا تصاهرهم...، ولكن هكذا تفعلون بهم: تهدمون مذابحهم يعنون به دور العبادة، وقد هدموا حتى الآن ما يقارب العشرين مسجداً- وتحطمون أنصابهم، وتقطعون سواريهم يعني تهدمون بيوتهم- وتحرقون أصنامهم. لأنك أنت شعبٌ مقدَّس للرب إلهَك، إياك اصطفى الربُ إلهُك لتكون له شعباً أخصَّ من جميع الشعوب التي على وجه الأرض)) الخ. وفي سفر عزرا الإصحاح التاسع: ((إن الأرض التي تدخلوها لتملكوها هي أرضٌ متنجِّسةٌ بنجاسة شعوب الأراضي برجاستهم، التي ملؤوها بنجاستهم، والآن فلا تعطوا بناتَكم لبنيهم، ولا تأخذوا بناتَكم لبنيهم، ولا تطلبوا (سلامتَهم وخيرَهم) إلى الأبد)). وفي سفر التثنية أيضاً الإصحاح الثامن: ((فضرباً تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف، وتحرِّمها يعني تذبحها- بكل ما فيها من بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها كاملة للرب إلهِك فتكون تلاً إلى الأبد لا تُبنى بعد، ولا يلتصق بيدك شيء من المحرَّم، لكي يُراجعُ الربُّ من حُمُوِّ غضبه، ويُعطيك رحمةً، يرحمُك ويُكثِّرُك كما حلف لآبائك))، هؤلاء الذين أمرهم الله أن تكون توبتُهم بقتل أنفسهم، حرَّفوا الأمر حتى صار إذهاب حُموِّ غضبه عليهم يكون بقتل الآخرين واستئصالهم!! وفي الإصحاح العشرين أن المدن التي لم تُسالمك بل عَمِلَت معك حرباً فحاصِرْها، وإذا دفعها الربُّ إلهك إلى يدك؛ فاضرب جميع ذكورها بحدِّ السيف... إلى أن قال: هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هُنا.


إن التعامل مع اليهود بعيداً عن معرفة نفسياتهم، وخلفياتهم الدينية، وهم في دولة دينية يحركها الحاخامات لهو عين السطحية، والضلال.


بقي أن تعرف بعد كل هذا الإجرام أن اليهود عندهم عقدة نقص في الشعور بالاضطهاد، وبعضُ هذا الشعور كانت له أسبابه -في غير البلاد الإسلامية-، ولكنهم دوماً كانوا هم السبب، في عصور متعددة من تاريخهم. فهم جماعةٌ صغيرةٌ تجعل التمييز العنصري أساساً لفكرها لا تتنازل عنه، وهي مع ذلك قليلة العدد هشة، لها من الأخلاق الرذيلة والدسائس ما يغري بها. وفوق ذلك يتخيَّل اليهودي أن كل ما يحل به من مشاكل في علاقاته بالأمم الأخرى إنما يرجع إلى أنه يهودي، وأنهم يكرهونه لهذا السبب، ويحقدون عليه، ويسعون دائماً لإيذائه، لأنهم مصابون بداء (اللاسامية)، وهو التفسير المريح الذي يفسِّر به اليهود كل حقد العالم عليهم، ويعمون به عن عيوبهم، ومع ذلك فهذه التهمة لا يستقيم بحال إلصاقها بالعرب لأن العرب ساميون أيضاً، وحضارتهم من أكثر الحضارات تسامحاً، بل هي أكثر الحضارات تسامحاً مع اليهود. ولذا تجد اليهود في المغرب العربي مثلاً، وذلك بسبب هرب آبائهم من أوروبا النصرانية التي كانت تضطهدهم، فلم يجدوا لهم ملاذاً آمناً إلا في بلاد المسلمين.


من أجل ذلك كله، لم يفصِّل القرآن في طبيعة أمة، ويرسم ملامح شخصيتها، وعدوانها كما فعل بأمة اليهود، فقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ}، وقال: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } وقال لهم:َلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ، وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ، أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} وقال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}وقال: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ، وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} هذا أمر الله لهم، وعهده إليهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون. فهل هم موفون لنا بعهودنا؟! لا والله.



 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 6 /5 ( 4 صوت )

تاريخ الاضافة: 16-01-2009

الزوار: 1261

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
ألا من مجيب.. (عذراً أيا غزة عذراً) محرم 1430
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
قواعد شرعية لإدارة الصراع مع اليهود
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44669
[يتصفح الموقع حالياً [ 17
الاعضاء :0 الزوار :17
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3