الحمد لله الملك القدوس الشافي، العظيم الحليم الكافي، وسع خلقه رحمة وعلماً، وجعل منافعهم وأرزاقهم متفاوتة حرباً وسِلماً، فمنهم من ينفع بإذنه ومنهم من يضر، ومنهم من يهدم ومنهم من يبني، والله من ورائهم محيط، وعلى أعمالهم شهيدٌ وحفيظ.
من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
أما بعد:
فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكرٌ وتركها كفر...) رواه عبد الله بن أحمد بهذا اللفظ، وقال الألباني حسن صحيح.
وإن التحدُّث بفضل ذي الفضل، ونسبة الإحسان إلى أهله منهجٌ نبوي، بل إنه منهجٌ قرآني. وإن هذه الأمة خلال مشروعها الكبير، وفي سبيل دفاعها عن نفسها ودينها ومكتسباتها تحتاج صنوفاً من الجهاد، ما الجهاد في سبيل الله بالنفس والسلاح إلا نوعاً واحداً منها، وهو وإن كان من أوراقها الرابحة، ومن الأمور التي لا بد للأمة منها، وفيه ما تعرفون من الفضائل في القرآن والسنة، إلا أن الجهاد بهذه الصورة لا يستغني عن صُوَرٍ من أُخرى من الجهاد تسانده، وتحافظ عليه. فقد روى البخاري في صحيحه عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْقِي وَنُدَاوِي الْجَرْحَى وَنَرُدُّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى. رواه مسلم.
وإن الحاجة للعلاج والتداوي أعم من أن تكون في وقت الجهاد والمعارك، وإن كان في مثل تلكم المواقف يظهر الفضل، وتتمحَّص المواقف، ويُظهر الله البركة فيمن وعلى يد من يشاء من عباده.
ونحن إن كنا تحدثنا عن العبر من أحداث الموت في غزة، وما في ذلك من سنة الله في المدافعة بين الحق والباطل، فإن حديثنا اليوم عن العبر في صناعة الحياة -بإذن الله- في وسط ذلك الركام، والدمار. قومٌ هجروا لذيذ النوم، وتوغلوا في عمق الأزمة، وخاضوا بأيديهم في جراحها، ونتنها، وحملوا على أكتافهم هموم الآخرين متناسين همومهم، وخففوا عن إخوانهم الخوف والبأس متناسين مخاوفهم، وآثروا بأوقاتهم، وأرواحهم، وحاجاتِ أهليهم، آثروا بذلك إخوانهم المسلمين. فيا لله ما أكرمهم!! وما أحسن صنيعهم!! .. أما والله إنهم لشركاء النصر، ورحمةٌ من رحمات الله المتنزلة على أهل تلكم النازلة. وإنه إن كان أبرزَ سمات الشرطي الصرامةُ والضبط، وأبرزُ وظائف المهندس الدقةُ والمنهجية، وعملُ الجيولوجي يتضمن الدأبَ والتنقيبَ، ووظيفةُ المعلِّم تحملُ الهداية والإرشاد، فإن أبرز ما يمكن إطلاقه على العاملين في المجالات الطبية، وأبرز سمة يمكن أن يتحلوا بها هي الرحمة. عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود والترمذي.
أيها المسلمون، إن الناظر في حجمِ المصاب الذي أصاب غزة، في ذلك البلد المحصور الذي لا يمكن لأهله أن يفروا إلى مكانٍ يأمنون فيه على أنفسهم، أو يؤمِّنون فيه نساءهم وأطفالهم من القتل والإصابة، والناظرُ في أعدادِ المصابين جرحى وقتلى، ليعلم جزءً من العبء الكبير الذي تحمَّلته الطواقم الطبية في ذلك البلد المنكوب، فقد كانت تأتيهم المئات من الحالات الخطيرة والحرجة في الوقت الواحد، أوقات الطوارئ كانت تستغرق عليهم كلَّ الوقت. المريضُ يُنسي المريض، والعملية تُنهى لأجل عملية أهم. وبعضُهم مرت عليه ثلاثةُ أيام -أكثرُ من اثنتين وسبعين ساعة- لم يعرف للراحة معنى، ولم يذق للنوم ذواقاً. أليس عجيباً أن تُجرى أربع عشرة عملية جراحيةٍ في وقتٍ واحد، بل وفي غرفةٍ واحدة، يا لله أي قلوبٍ هذه، وأي رحمةٍ أسكنت فيها!!
يقول طبيبٌ شاهدُ عيان كان في غزة في تلك الأجواء: "من الصعب أن تعمل في أجواء الأزمات والحروب، أحيانا تشعر بمشاعر العجز تجاه الذي تراه والحجم الكبير من الإصابات. ما رأيتُه كان صدمةً كبيرةً لي، لا أفهم كيف يعمل الزملاءُ في هذه الأجواء وهم بأنفسهم يتعرضون لفقدان عائلاتِهم وأقاربِهم ويعملون ليلاً نهاراً!! الأطباءُ أصبحت وجوهُهم شاحبةً من قلة النوم، وبسبب ما يرونه. تخيَّل أن يدخل عليك بالمستشفى أكثرُ من مائة حالة في نفس الوقت، أكثرُها حالاتٌ خطيرة، في وقت تنعدم فيه أبسطُ الأدوية، وتقلُّ فيه الأَسِرَّة، وفوق ذلك أن القصف مستمر، وأنت تسمع الطائرات الحربية بشكل مستمر. ثم وأثناءَ عملك تُفاجأ بقذيفة تسقط قريباً من المستشفى، كيف تتوقع هذه الأجواء؟!. الطواقم الطبية الفلسطينية جبارة، تتعامل بشكل واقعي مع الحالات، تستغل كل زاوية، تجد في كل مكان جرحى، على الكراسي على الطاولات على الأرض في كل زاوية، تخيل أن تُجرى 14 عملية جراحية في نفس الوقت وفي نفس الغرفة في أجواء ينعدم فيها كل شيء صحي. وفي لحظةٍ، يستقبل أحدهم نبأ أن بيته قد قُصف، أو قُتل أحد أبنائه أو أقاربه، كيف تتصور جواً كهذا؟! نعم تعلَّمنا كثيرا من الكوادر الطبية الفلسطينية، إنهم أذكياء ويعرفون كيف يتصرفون بسرعة، بسرعة فائقة".
ويقول طبيبٌ آخر من الذين دخلوا غزة وليسوا من أهلها: " كنا نستصغر أنفسنا بين زملائنا في المهنة وليس فقط بين الأبطال المحاربين، فهم يتمتعون بكفاءة عالية جداً في طب الطوارئ. كذلك رجال الإسعاف يخرجون عند سماع القصف بروح مبادِرة عالية، وبصلابة لا نعرف من أين لهم بها، فلم يكن ينقصهم إلا العَدد ونسأل الله أن نكون قد كفيناهم فيه"، ويقول: "ومع أنهم رأسُ الحربة وشرفُ الأمة، فقد اختاروا لنا أفضل الأماكن للنوم والراحة، وقدموا لنا أفضل ما لديهم من طعام، قائلين يكفي أنكم تركتم عياداتكم وأولادكم وجئتم إلى هنا، لا يعلم أحدُكم أيعود أم لا؟ وإن عاد فقد يكون مصاباً".
أحبتي في الله، وفي حقيقة الأمر أنه وإن كانت معارك المقاتلين حالياً قد توقفت، إلا أن معركة هؤلاء لم تنته ولم تتوقف. فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، وحفظهم في أنفسهم وأهليهم، وجعلهم من عباده المباركين، وجزاهم بما صنعوا جنات النعيم.
والأمر كما مرت الإشارة، لا يتوقف على الأطباء وحدهم، بل إنهم هم والممرضين، والمُسعفين، ومسانديهم كانوا مفخرة لأمتهم ومواطنيهم، فجزاهم الله خيراً.
عباد الله، إن التداوي مشروع على قول جماهير أهل العلم، فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال : قالوا : يا رسول الله أفنتداوى ؟ قال : (نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد الهرم) رواه أحمد والترمذي وأبو داود. وقال عروةُ بن الزبير ابنُ أُخت عائشة لخالته عائشة رضي الله عنها: ولكنْ أعجبُ من علمك بالطبِ كيف هو؟ ومن أين هو؟ وما هو؟ قال: فضربت على منكبي، ثم قالت: أي عُرَيَّة إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يسقم في آخر عمره، فكانت تقدُمُ عليه الوفودُ من كل وجهٍ، فتنعتُ له الأنعات، فكنتُ أعالجُه، فمن ثم. رواه الإمام أحمد، وهو خبر صحيح.
أيها المسلمون، إن الفرق بين التطبيب في الشريعة الإسلامية، وفي القوانين الوضعية: أن التطبب حق للطبيب في تلك القوانين، ولكنه في الشريعة واجب من الواجبات، ومقصِدٌ من المقاصد الشرعية، الآخذُ به، ساعٍ في الأرضِ بالصلاح، قائمٌ –بإذن ربه- بعمل يحبه الله ويرضاه.
وقد جاءت النصوص الشرعية الكثيرة، تبيِّن أن شفاء المسلم من مقاصد الشرع. والساعي في تحقيق ذلك ساعٍ في تحقيق مقصد الشرع، فهو من هذا الوجه أيضاً قائمٌ بالمعروف، عاملٌ بالخير.
فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء الرجل يعود مريضا فليقل: اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدواً، أو يمشي لك إلى جنازة) رواه أبو داود.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يعود مسلما فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا شفي إلا أن يكون قد حضر أجله) رواه أبو داود والترمذي.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت ؟ فقال: (نعم) قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شرك كل نفس، أو عين حاسدٍ اللهُ يَشفيك، بسم الله أرقيك. رواه مسلم.
وعن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجدُه في جسده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله –ثلاثاً-، وقل -سبع مرات- : أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) . قال: ففعلت، فأذهب الله ما كان بي . رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى نَفَثَ على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده. فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه كنت أنفث عليه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية لمسلم قالت: كان إذا مرض أحد من أهل بيته نفث عليه بالمعوذات.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال : (أذهب الباس رب الناس، واشفِ أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادرُ سَقَماً) متفق عليه.
أقول هذه النصوص وإن تضمنت طرائق شرعيةً للشفاء، وهي من خير ما يُتداوى به، إلا أن فيها قدراً زائداً، ألا وهو أن ذلك مطلوب للشارع الحكيم، فيكون تحقيقه مطلوباً بكل وسيلةٍ مباحة. وذلك هو عمل الأطباء، إن هم احتسبوا أجورهم، ووفوا بأماناتهم.
ومن فضيلة عمل الطبيب أن زيارة المرضى تكون من صُلب عمل كثيرٍ منهم، وزيارةُ المريض عبادةٌ عظيمة إن احتسبها الطبيب كانت في ميزان عبادته وعمله الصالح، وكان له أجرها. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضتُ فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودُك وأنت ربُ العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟) رواه مسلم.
و عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: (جَنَاهَا) رواه مسلم.
قال الشافعي رحمه الله: صنفان لا غنى بالناس عنهما: العلماء لأديانهم، والأطباء لأبدانهم.
وقال رحمه الله: لا أعلم بعد الحلال والحرام أنبلُ من الطب.
وكان يقول: ضيَّعوا ثُلُث العلم، وَوكلوه إلى اليهود والنصارى.
أيها المسلمون، إ، على الطبيب المسلم الذي يريد ما عند الله والدار الآخرة أن يُراعي جُملة من آداب الشرع، خصوصاً وأن هذا الباب من أبواب الخير، قد خالطه بسبب حاجتنا الكبيرة إلى خبرات الغربيين الطبية= خالطه من خبراتهم وعاداتهم السيئة -غير الطبية- الشيء الكثير، وعلى الطبيب المسلم أن يكون خيِّراً، ناصحاً، آخذا بالخير، مجانباً للشر والفتنة. وإن في مواثيق العمل الطبي الكثير من الأمور التي دعت إليها الشريعة، وأكَّدت عليها، فهي للطبيب المسلم: عبادةٌ، وشرفُ مهنة، فمن ذلك:
أن على الطبيب المسلم أن يكون صادقاً في مقاله، مجتنباً للكذب. وأقبحُ الكذب: الكذبُ الذي باعثه الجشع، والتدليس، لتحقيق ربحٍ من أشعة، ووصفةِ دواء، وتنويمٍ وعلاجٍ لم يكن المريض بحاجةٍ إليه. فإن هذه المهنة لما اقترنت بالرحمة، كان أقبحُ صور القسوة استغلالُ حاجة الضعيف، ممن كان يُنتظر منه الشفقة والإحسان. وعليه كذلك أن يحفظ أسرار مريضه، وألا يستغل ضعف المريض وثقته به لكي يبحث عن طريق ذلك عن أسرارٍ شخصية، أو أمورٍ لا علاقة لها بالمرض. وما عرف من أمر المريض مما لا منفعة للناس في معرفته فإن الواجب فيه السَّتر، ولا يجوز هتك حُرمة المسلم، فإن كان يُحتاج إلى معرفة ذلك، فإنه يُذكر لمن لا مصلحة له بمعرفة الشخص بدون ذكر اسمه، ولمن يحتاج لمعرفة الحالة والشخص من طبيب أو جهة مسؤولة باسمه وشخصه، كما قرَّر ذلك أهل العلم.
ومن آداب الطبيب المسلم: المحافظة على عورات المرضى، وعدم التساهل في ذلك. وهو إن كان يتعرَّض لذلك بشكل يومي، ويراه سهلاً معتاداً، فإن من يأتي إليه لا يرضى بكشف عورته إلا بالقدر الذي لا بد منه، وللشخص الذي لا بد له من مباشرة العورة. وعليه فلا يجتمع مع الطبيب حالة الكشف على عورة المريض من لا حاجة له، أو يمكن الاستغناءُ عنه، وإذا كُشفت العورةُ فإنما يُكشف منها القدرُ الذي يُحتاج إليه، وأما باقي العورة فيُستر، والأمر في شأن النساء أعظم وأكبر.
ومن آداب الطبيب المسلم: أن يكون قوياً في علمه، دائباً في تطوير نفسه، ونفع الناس، وهو يعلم أن خير الناس أنفعُهم.
ومن أدبه كذلك: غض البصر عما لا ينبغي له، وترك التوسُّع في الحديث والممازحة مع النساء من الطبيبات والممرضات والمريضات، والحرص على ضبط النفس في مثل هذه الأمور، دون إفراط أو تفريط. فإن وجد من نفسه نوع تهاونٍ أو تراخٍ في ذلك، حاسبها، وراجعها، وردها إلى الكلمة الطيبة، والتعامل في حدود مصلحة العمل، دون تضاحكٍ، وتآنُسٍ، وتضييعٍ لحدود الله.
ومن آدابه كذلك: الكلمةُ الطيبةُ لمرضاه، واستغلال جاهه عندهم في التخفيف عن معاناتهم، وفتح أبواب الأمل لهم، دون كذب أو إخفاء للحقائق. والطبيب مُطالَبٌ بالحكمة في كل حال:
فهناك المريضُ الذي قد تنهار قُواه إذا عَرَف أن مرضه لا يُرجى بُرؤه.
وهناك المريضُ المؤمنُ القوي، الذي يستطيع أن يقابل قدره بنفسٍ مطمئنةٍ راضية.
وهناك المريض الذي يحتاج أن يعرف أبعاد مشكلته حتى يلتزم بالعلاج.
ولابد للطبيب المسلم من الصدق في القول مع مريضه، ولكنه ليس الصدق الفج الذي يجهر بما يُؤذي، ويُعيِّر، ويُطالب الناس كلهم أن يكونوا على هيئةٍ واحدة، ولكنما الصدق الذي لُحمته الرحمة، وسُداه اللسان العف والقول الحسن.
تقول هذا جني النحـل تمدحُـهُ***وإن تشأ قلت ذا قيءُ الزنابيرِ
مدحاً وذماً، وما جاوزت وصفهما***والحق قد يعتريه سوء تعبيرِ
يقول ابن الحاج رحمه الله: وينبغي للطبيب بل يتعيَّن عليه أنه إذا جلس عند المريض أن يُؤنِّسه ببشاشة الوجه وطلاقته، ويهوِّنَ عليه ما هو فيه من المرض، ويقصد بذلك اتباع السنة.
ومن معاني النُّصح للمريض أن يُسكِّن رَوعه، ويبعَثَ في نفسه الطُمأنينة، وينقُلَ إليه أخباراً تُبهجه. وأن يتجاوز عن أخطائه بالكلمة الطيبة والعمل الحَسَن.
قال الله تعالى على لسان خليله إبراهيم: {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ{75} أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}
الحمد لله خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، وخلق الزوجين الذكر والأنثى، من نطفةٍ إذا تمنى، وهو سبحانه عليه النشأةَ الأخرى.
أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبدُ الله ورسوله، وخليله وأمينه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أيها المسلمون، وإن من معرفة المعروف لأهله، التي أشرنا إليها في أول الخطبة، معرفة وتقدير جهود من ذهب إلى غزة من الأطباء من غير أهلها. وقد ذهب إلى غزة ممتلئاً بروح المبادرة، فياضاً بأخوة الدين والرحمة مئاتٌ من الأطباء، كثير منهم من المسلمين، وأغلبهم من إخواننا المصريين، ومنهم من هو من غيرهم. وهؤلاء حينما يذهبون إلى هناك يتركون أعمالهم ومصالحهم، وإنما أنهزهم لذلك، وحرَّك كوامنهم أخوةُ الإسلام التي تتجلى عند الأزمات، فتصنع المعجزات. ولا يزال هناك مجموعات من الطواقم الطبية تنتظر دورها، فجزى الله الجميع خيراً.
ومما برز في أزمة غزة تفاعل جُملة من الناشطين غير المسلمين من الغربيين خصوصاً في هذه القضية، وكان منهم أطباءُ، وقانونيون، ونشطاءُ سياسيون، وغيرهم. وكان منهم البروفيسور غيلبيرت الذي يُعد من أشهر جراحي النرويج، إذ جاء هو زميلٌ له، للمعاونة، والشهادة، وكان لشهادته مصداقية كبيرة عند الشعوب الأوروبية، فنفع الله به نفعاً كبيراً. وهؤلاء الذين تحركهم نوازع الإيجابية والرحمة، وحب الخير، يجب على أمة الخير أن تعرف لهم معروفهم، وأن تكافئهم عليه. ومن واجب المنظمات الإسلامية، والهيئات الحكومية وغير الحكومية أن تلتفت لهذا الجانب، وأن يكون لمجموعة من هؤلاء من أبناء الأمة، ومن الآخرين من غير أبناء الأمة= أن تكون لهم جوائز تقديرية، وأوسمة شرف.فجزاهم الله خيراً.
قيل للإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله: أيقال للكافر جزاك الله خيراً؟ قال: نعم، وينوي به الإسلام.
وقد عرف المسلمون أطباء من غير المسلمين، وكانوا يحتاجون إليهم ويكرمونهم. ومع وجود الأطباء المسلمين، إلا أن هؤلاء بقوا موجودين في مختلف أوقات وعمر الدولة الإسلامية. ومن أشهرهم أسرة بختيشوع وقد تتابع منهم عدة أجيال كلهم من الأطباء. وكان من هؤلاء الأطباء غير المسلمين من يكون ناصحاً رحيماً، ومنهم من يكون شريراً ساعياً بالضرر على المسلمين إن استطاع إليه سبيلاً، ومن أشهرهم الطبيب اليهودي: موسى بن ميمون المعروف اليوم في الدوائر الغربية بـ(ميمونيدِس Maimonides)، وهو من علماء الديانة اليهودية، وأحد أهم شراح التوراة والتلمود، وكان رئيسَ الأطباء اليهود في مصر في القرن السادس الهجري. وقد كان يهوديا لئيماً لا يداوي أحداً من المسلمين ولا من النصارى إلا بالمبالغ الباهظة، ويتديَّن بذلك. بل إنه ليقول: "أما بالنسبة للأغيار الذين لسنا في حالة حربٍ معهم، فينبغي ألا نتسبَّب في موتهم، ولكن إنقاذهم ممنوع. فإذا شوهد أحدهم على سبيل المثال يسقط في البحر فينبغي الامتناع عن إنقاذه؛ لأنه مكتوب: (وأنت لن تقف ضد دماء قرينك، والأغيار ليسوا أقرانك) وينبغي على الطبيب اليهودي خصوصاً ألا يُعالج الأغيار إلا إن كان رفض اليهودي، وخاصة الطبيب اليهودي إنقاذ حياة الأغيار قد يثير عليه عداءَ الأغيار من ذوي النفوذ، مما قد يعرِّض اليهودي بل كل اليهود للخطر.. ولكنك إذا كنت تخشاه، أو تخشى عداوته، فاعمل على شفائه لقاء أجر، وممنوعٌ عليك مداواته دون أجر".
ويقول: "ومن المسموح تجربة عقار من العقاقير على كافر إن كان ذلك يفي بغرضٍ ما، ولو أدى ذلك إلى الإضرار به أو حتى قتله. لكن أهم شرط في ذلك ألا يُكشف الأمر، ولا يُصاب اليهودي، أو عامة اليهود في تلك المنطقة بالضرر والأذى نتيجة هذه الأعمال. فقد قال التلمود: إن حياة غير اليهودي لا تساوي حياة الكلب أو الخنزير، وقال التلمود: اقتل الصالح من غير اليهود، والكفرة الأغيار كلهم أنجاس".
ويقرر موسى بن ميمون أن على الطبيب اليهودي، والقابلة اليهودية ألا تعمل يوم السبت إلا إذا كان المريض أميراً أو سلطانا ذا نفوذ فلا بد من مداواته، وتوليد نسائه؛ لأن عدم ذلك سيضر باليهود، أما غيره من العامة فلا يجوز مداواتهم، وخاصة يوم السبت.
ويبقى أن هذه الأمة أمةُ الرحمة والعدل، لا تكافئ من عصى الله فيها بمثل أن تطيع الله فيه. تنتصر لدينها، ولكتاب ربها، ولسنة نبيِّها، وتجاهد في سبيل الله، دون غلو أو تقصير، ودون ظلم أو اعتداء. نقول للمحسن أحسنت، وننشر فضله، ونقول للمسيء أسأت ولا نُؤاخذ غير الظالم بذنب الظالم.
اللهم رب الناس أذهب الباس عن إخواننا بغزة، واشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً.