اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :بقيع الغرقد... تاريخ.. وجريمة

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : بقيع الغرقد... تاريخ.. وجريمة

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم.


أما بعد فإن خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.


أيها المسلمون، خلق ربنا الموت والحياة ليبلونا أيُّنا أحسنُ عملا {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}، سبحانه وبحمده يقول: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} فاضَلَ بين عبيده، وجعل دنياهم مزرعة لآخرتهم، وعمارةً للأرض بطاعة ربهم، فإذا مات الواحدُ منهم انقطع عملُه، ونُكحت زوجُه، وقُسم مالُه، وضاع عيالُه، ثم لم يكن لمحبيه وأقرب الناس منه إلا أن يسارعوا بمواراته الثرى.


أيها المسلمون، وجعل الله القبور سِتراً للناس، وحجاباً لهم عن أحوال الموتى، فبيننا وبين الموتى: حجاب البرزخ، وحجاب التُّراب، فنحن لا نرى ولا نسمع من حالهم شيئاً، ستراً عليهم، وإبقاءً على مصالحنا، فلو كشف الله لنا من أحوال أهل القبور كل مستور لعظمت الفضيحة، وكثرت أسباب الفتنة، وتنابز الناس فيما بينهم، ولو علمنا ما يكون في القبور لامتنع الناس عن دفن بعضهم البعض، ومصلحتهم في الدفن، فأُخفي عنَّا ذلك. عن زيد بن ثابت قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة. فقال: ((من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟)) فقال رجل: أنا. قال: ((فمتى مات هؤلاء؟)) قال: ماتوا في الإشراك. فقال: ((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه)). ثم أقبل علينا بوجهه فقال: ((تعوَّذوا بالله من عذاب النار)) قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: ((تعوذوا بالله من عذاب القبر)) قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: ((تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن)) قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: ((تعوذوا بالله من فتنة الدجال)) قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. رواه مسلم.


ومن أشهر مقابر المسلمين، مقبرة البقيع (بقيع الغرقد)، وقد كان في المدينة أكثر من بقيع؛ بقيع الخيل،وبقيع الخبخبة، وبقيع الزبير،وبقيع الخضمات، فنُسيت وبقي الاسم علماً على بقيع الغرقد. والبقيع: الموضع فيه أُروم الشجر يعني أصوله- من ضروب شتى، وسُمِّيَ بالغرقد، بشجر الغرقد، وهو شجرٌ معروف له شوك فذهب وبقي الاسم لازماً للموضع. وقد مات بالمدينة عشرةُ آلاف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم ومن أقاربه، كما يقول الإمام مالك بن أنس، جُلُّهم مدفونٌ في البقيع. بالإضافة إلى قبور الألوف المؤلفة من علماء المسلمين وصالحيهم، وسائر المؤمنين من عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى يوم الناس هذا، ففي البقيع قبور: عثمان بن عفان، حيثُ دُفن بمكان قريب من البقيع، ثم توسَّع البقيع حتى لحقته القبور، وقبرُ فاطمةَ بنت محمد الزهراء رضي الله عنها، وقبورُ أخواتِها زينب ورقية وأمِّ كلثوم، وإبراهيمَ بن محمد الذي مات صغيراً، وعمَّيه عباسٍ وحمزة رضي الله عنهما، وعمتِه صفيةَ، وزوجاتِه صلى الله عليه وسلم: عائشةَ وسودةَ وحفصةَ والزينبين وأمِّ حبيبةَ وأمِّ سلمةَ وجويريةَ وصفيةَ بالإضافة إلى مارية القبطية، وفي البقيع دُفن الحسنُ بنُ علي بجوار قبر أمه رضي الله عنهما، وسعدُ بنُ أبي وقاص، وسعدُ بن معاذ، وسعيدُ بن زيد، وعبدُ الرحمن بن عوف وأُسامة بنُ زيد، وأسعدُ بنُ زُرارة، وأمُّ أيمن وغيرهم كثير رضي الله عنهم. وفي البقيع قبورُ فاطمةَ بنتَ أسدٍ رضي الله عنها أمِّ علي بن أبي طالب، وزينِ العابدين عليِّ بن الحسين، ومحمدِ بن عبدِ الله النفسِ الزكية حيثُ دُفن جسدُه بالبقيع، وأُرسل برأسه إلى أبي جعفر المنصور. بعكس الحسين رضي الله عنه، الذي دُفن جسدُه بكربلاء، وأُرسل برأسه فدُفن في المدينة في البقيع على الراجح عند أهل العلم بالتاريخ.


وقد كان النبي صلى الله عليه وسلَّم كثير الزيارة والاستغفار لأهل البقيع. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتُها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: ((السلامُ عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) رواه مسلم .


بل إنه صلى الله عليه وسلَّم أُمِر قبل موته بالاستغفار لأهل البقيع، فخرج يصلي عليهم أي يدعو لهم كالمودِّع للأحياء والأموات صلى الله عليه وسلم، هذا فضلاً عن مئات المرات التي سار فيها صلى الله عليه وسلَّم في جنازةِ أحدٍ من أصحابه أو نسائهم، أو وعظ أو جلس على شفير قبر من القبور صلى الله عليه وسلم. وورد في بعض الأحاديث عند الترمذي وغيره أن أهل البقيع يُحشرون مع النبي صلى الله عليه وسلَّم قبل الناس يوم القيامة، إلا أنه حديث ضعيف لا يصح.


ومع كل تلكم المنزلة لهذه المقبرة إلا أنه يعرف المطلعُ على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أخبار أصحابه أنهم لم يتخذوها لا بعمومها، ولا بخصوص بعض قُبورها متعبَّداً لهم فقد حاشاهم الله من ذلك، ولم يتخذوا على شيءٍ منها بُنياناً، ولا أُرشد أحدٌ في العهد النبوي ولا في عهود سلامة الأمة إلى الاستشفاء بتُرابها، أو التبرك بقبورها، أو تعظيم شيء من أمرِها. بل إنَّ الصحابة –ويا للعجب- كانوا ممنوعين من زيارة البقيع، وغيره من المقابر -لغير ما دَفْنٍ ونحوه من الحاجات- صيانةً لجناب التوحيد، وتحذيراً من تعظيم الموتى. فإن الناس قد جُبلوا على تعظيم كثير من الموتى، فالميت من هؤلاء يَذكُرُ الناسُ حسناتِه وتُنسى ويُتغافلُ عن سيئاتِه، ويُبالغُ البعضُ في موتاهم حتى تظُنَّ الواحد منهم لم يكن يُشق له في حياته غُبار، وإذا اعتقد مُعتقِدٌ في ميِّتٍ أمراً أو قال قائلٌ أن هذا الميت يفعلُ ويفعل من أنواع الخرافات التي يصدِّقُ بها بعضُ الناس= لم يستطع الأحياء رؤية ما يكذِّبُ ذلك، لما بينهم وبين الموتى من الحجاب، فيؤمن المغفلون وأشباهُهم بتلك التُرَّهات. ولو كان حياً فقيل: إنه يَشفي المرضى أو يَطير في السماء، أو يَفعلُ ويَفعل، فلم يره الناس يفعلُ ذلك؛ لتبيَّن الزيف من الحقيقة، ولأجل هذا كُلِّه جاء في الحديث الصحيح عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمدٍ في زيارة قبر أمه، فزوروها فإنها تُذَكِّرُ الآخرة)) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وهذا الحديث يُشعر بأنه حتى هو صلى الله عليه وسلم كان منهياً عن زيارتها حتى أُذن له في زيارة قبر أمه عليه السلام، وبعد ذلك أُذن للمسلمين في زيارة القبور.


ولمَّا فتح الله للمسلمين باب زيارة القبور أحاط ذلك بسياجٍ غليظٍ من التحذير من الغلو فيها، ومن تجصيصها، وتزيينها، أو البناء عليها والمبالغة فيها، أو حتى إيقاد السُّرُج عنده، كلُّ هذا واردٌ في الأحاديث الصحيحة عنه عليه الصلاةُ والسلام، وهو من الأمور المنتشرة مع الأسف في أكثر بلاد المسلمين.


فعن جندب قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك)) رواه مسلم.


وعن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد)) علقه البخاري، ورواه أحمد وابن خزيمة وغيرهم.


وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور، رواه البزار.


وعن عائشة قالت: لما كان مَرَضُ النبي صلى الله عليه وسلم تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها (مارية) -وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة- فذكرن من حسنها وتصاويرها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله)) متفق عليه.


وغير ذلك الكثير من الأدلة على حُرمة وشناعة هذا العمل لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وأما من عبد هواه، واتخذ قبور الصالحين متعبداً له وملجأً دون الله فلا حيلة فيه، ولا حجة تنفعُه إلا سلطانَ حكامِ المسلمين، وحُجةَ المنعِ من قول الزور وعمل الفجور.


أيها المسلمون، لم يعرف المسلمون البناء على القبور إلا في عهد الدولة الفاطمية العبيدية الخبيثة، التي يُنادي بعضُ من لا عقل له في هذه الأيام بإعادتها، وقد أجمع علماء المسلمين في زمان تلك الدولة أنها دولةٌ خبيثةٌ كافرة، وكتبوا في ذلك صكاً حفظته لنا كُتب التاريخ، وهم الذين عظَّموا المشاهد، وهم الذين أظهروا بدع الاحتفال بالموالد، ولم ينصر الله الملك النصر صلاح الدين رحمه الله على النصارى حتى تخلَّص من هذه الدولة الخبيثة، وهَدَمَ مُلكها، فبعد ذلك أعانه الله، واختصه بشرف تطهير المسجد الأقصى من النصارى. فهل لنا فيه من قدوة ومعتَبَر؟!


أيها الأحباب، إن التوحيد مكسب قِيَمي، وضمانٌ إلهي، وبُعدٌ حضاري، بل إنه خالصُ حق الله على عبيده، له خلقهم، وعنه يوم القيامة يسألهم {ماذا كنتم تعبدون} و {ماذا أجبتم المرسلين}، فليس هو دين الوهابية، ولا مُعتَقَدُ المتشددين. وسيطرة الباطل في كثير من بلاد المسلمين في هذه المسألة انحرافٌ يُقضى عليه ولا يُقضى به، فهل إذا غلب الباطلُ الحق بكثرته، يمكَّن له في أدلته أو حجته؟؟ اللهم لا، إلا إذا غُلب العقل، وتحكَّم الهوى، وطُمست السُّنن، وهو وقتٌ لم يحن بعد.


أحبتي في الله، إن لنا في قبورنا بمظهرها هذا الذي نعرفه الآن آيةٌ من آيات عَظَمَة الشريعة، ومساواتها بين الخلق، فإنْ ميَّزت الدنيا بينهم بالمال والمراتب، فهُم عند الله سواء إلا بالعمل الصالح، يُدفن الفقير وأثرى الأثرياء بنفس الهيئة والمواصفات، لا يُدرى من هو، ولا ما شارتُه أو منصبه، ولما مات الملك فهد بن عبدالعزيز كما مات قبله الملوك والأمراء، ولكن موته كان في زمن النقل الإعلامي والتواصل بين البلدان في سرعة نقل الخبر= تعجبت دوائرُ الإعلام، وكثيرٌ من المشاهدين من عظمة الموقف حيث يوضع الملكُ في التراب، بما لا يختلف عن أي قبر من قبور سائر الناس، ونقلت الصحف إذ ذاك أن هذا الأمر كان سبباً في إسلام رجل إيطالي، وربما غيرِه من الناس.


اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم لا تمكِّن لأهل الباطل من أحلامهم وأمانيهم بإظهار البدعة، وقمع السنة، اللهم اكبتهم، واجعل سعيهم في ضلال، ووفق ولاة أمورنا للأخذ على أيديهم، وقطع دابر فتنتهم، يا حي يا قيوم، والحمد لله رب العالمين.




الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وبعث محمد بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. أشهد ألا إله إلا الله الملك القدوس السلام المؤمن، الخالق البارئ المصور له الأسماء الحُسنى، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله، وأمينه على وحيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.


صدق من قال: عدوٌ عاقل، خير من حميم جاهل.


أيها المسلمون، إن دين الله يُنصر بالحجة والبرهان، وبتحكيم السنة والقرآن، والواجب أن تكون الأعمال تبعاً لذلك، ولا يُنصر الدين بالغوغائية والهمجية، واستحلال ما حرَّم الله، والتعدي على قبور خيار البرية.


أيها الناس إن أهل البدع خطرٌ داهم، وهوى مقابلٌ للهُدى، يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم، وأن يتأولوا القرآن والأحاديث على غير وجهها، مخذولين، مرذولين، أفاضت السنن والآثار بذمهم، وتتابع علماءُ الإسلام وحكامُ المسلمين على احتقارهم. وهؤلاء يُدعون إلى الهُدى، فإن أجابوا كانوا إخواننا، وإن لم يجيبوا فالواجب المتحتِّمُ على من ولاه الله أمر المسلمين أن يمنعَهم من قول الباطل، ومن إغواء الناس، ومن التجاهر بسباب أهل الحق، والتلبيس على المسلمين.


وقد أجمع علماءُ كلِّ عصرٍ من عصور الإسلام منذ ظهور البدع على أن الرافضة من أشر وأخطر أهل البدع، وأنهم رؤوسُ ضلالة، وأنهم أهلُ غلوٍ وخُرافات يشهد بهذا واقعهُم، وقنواتهم ومواقِعُهم، وآخر ذلك الفتنة التي أُحدثت قبل مدةٍ قليلة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا فاعلموا يا رحمكم الله عظيم ما للمدينة من الحق، واعلموا يا رحمكم الله أنه قد جاء في الإحداث فيها ما لم يأت في غيرها من الأماكن، فعن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إني أُحرِّم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها، أو يُقتل صيدها)) وقال: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة)) وزاد في رواية: ((ولا يريد أحدٌ أهلَ المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء)) رواه مسلم.


وعن علي رضي الله عنه قال: ما كتبنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبل منه صرف ولا عدل)) متفق عليه. وانظر إلى تدبير الله حيث جعل هذا الحديث من رواية علي رضي الله عنه، وهو أبرأ الناس من الهمجية والغوغائية رضي الله عنه وأرضاه.


وإننا من هذا المنبر لنستنكر ما شاهده ألوف الناس، من مظاهر إهانة مقابر بعض الصحابة، والسعي للتبرك بقبور آخرين، ألم أقل لكم إن عدواً عاقلاً خيرٌ من صديق جاهل، أما رأيتم كيف داسوا على قبور الصحابة، وقبر من يعظِّمون؟! في مشهدٍ أظن أنه لم يمرَّ على تلك القبور مثلُه منذ أن وُجدت ودُفن فيها أصحابُها. وتَبِعَ ذلك التجمهرُ ورفع الأصوات بسب الفاروق رضي الله عنه، ولعنِهِ، مع التوجُّه بشكلٍ ثائر باتجاه مسجد رسول الله وقبره، صلى الله عليه وسلَّم، الأمرُ الذي أثار المئات من عامة أهل السنة المتواجدين في ذلكم المكان من كافة الجنسيات، حيث صُعقوا أن يكون هناك من يدَّعي الإسلام، ويفعل مثل هذه القبائح. ومع حلم الدولة وفقها الله، وحكمتها في التصرف معهم، إلا أنهم لا يزالون في غيهم وتصعيدهم لباطلهم، فحملوا ملالي إيران على مناصرتهم، وتكلَّم منهم الرويبضة بالقدح في البلاد والعباد، وسيَّروا المظاهرات في كل مكان، وأظهروا الشكوى الكاذبة، على حكومة البلاد وعلمائها وأهل الخير فيها، وغلفوا ذلك بنقد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما يعلموا من احتقان الوضع عند بعض الجهات الخارجية على الهيئة. واليوم -الجمعة- في أحد مواقعهم السعودية ما لا يقل عن ست مقالات فيها التصعيد بهذا الصدد، وأضف إلى ذلك استقبالهم لمثيري الشغب منهم بعد أن أفرج عنهم الملك استقبال الأبطال!! فماذا يُريد هؤلاء، أيريدون الدولة والدين والسياسة والسيادة على وفق أهوائهم، أم أن استنصارَهم بدول خارجية أعمى أبصارهم، ودفعهم لهذه اللهجة التصعيدية، ألا فليرعووا، ولينتهوا خيراً لهم. نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يوفق ولاة أمورنا لما فيه درء الفتنة، وقطع الشر، وحفظ الدين، فإن فتنة الدنيا هينة ولكن الفتنةَ فتنةُ الدين، جنبنا الله وإياكم الفتن ما ظهر منها وما بطن.


 


{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ، قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ}.


 


 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 3 /5 ( 3 صوت )

تاريخ الاضافة: 13-03-2009

الزوار: 1268

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
الثناء على التوراة والإنجيل.. وبيان فضل القرآن عليهما
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
علماء الشريعة والمثقفين.. تكاملٌ لا تعاند
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44666
[يتصفح الموقع حالياً [ 12
الاعضاء :0 الزوار :12
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3