اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :علماء الشريعة والمثقفين.. تكاملٌ لا تعاند

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : علماء الشريعة والمثقفين.. تكاملٌ لا تعاند

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

     الحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أحمده سبحانه وتعالى وأشكره، وأستعين به في جميع أمري وأستغفره سبحانه الذي أنشأنا وأنشأ القرونَ الأولى، اللهم لك الحمد أجزلت لنا النعمة، وأفضت علينا من الرحمة، وجعلتنا من خير أُمَّةٍ أخرجتها للناس، واختصصتنا بخير الرسل وأبر الناس.


     أشهد ألا إله إلا الله إلها عالماً حكيماً، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسوله هدانا الله به صراطاً مستقيماً، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم وأكرم وأنعم.


 


     أيها المؤمنون، قد أكمَلَ اللهُ الدين، وأقام عليه حُفاظاً وحراساً بهم قيامه، وبه قاموا، يُقيمون- ما أضحى منه مُعوَجَّاً، ويُصلحون- بتوفيق الله لهم ما وَهَى من أمره، وضاع من أحكامه وحدوده قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله يبعثُ لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجدِّد لها دينها)) رواه أبو داود وغيره. وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة في مدح العلم والعلماء بالشيء الكثير الذي أشرنا إلى طرفٍ منه في خطبةٍ ماضية، ولا أظن أنا بحاجةٍ إلى إعادته اليوم.


     وقد كان علماءُ الإسلام في زمن مضى هم –وحدهم- ساداتُ المجتمعات، وأهلُ الرأي والفكر فيهم، وأهلُ صحة التفكير والمعرفة بعواقب الأمور بحيث كان لهم المُنتهى في أمر الدين والدنيا= لهم المنتهى في أمر الدين والدنيا من جهة الرأي والمشورة، وللحكام أمرُ الدنيا بالسيادة والسياسة والقوة والنقض والإبرام. ولم يكن للناس –غالباً- من علمٍ يتعلمونه إلا علومَ الشرع، وما يتعلَّق بها من العلوم. فكانت سوق الفقه والحديث والتفسير وعلومِ الاعتقاد والتاريخِ والأدبِ إذْ ذاك رائجةً، وما سواها من الأغراض والعلوم داثرة، لا تسمع لها نبأً، ولا ترى لها عوجاً ولا أمتاً. وقد كان لبعض علماء المسلمين مشاركةٌ في أبواب من علوم الفلك والطب والحساب وغيرها، وكان منهم مبرزون ومتفوقون إلا أن هذا كان قليلاً جداً، مقارنةً بما يتعلمه الناس، وكذا لا يحتاجُ الناسُ إلى أكثره، ولا يحتفون بصاحبه. ولما تغيَّرت حياةُ الناس اليوم، تغيَّرت حوائجُهم، وتوسَّعت تخصُّصاتُهم، وتنوَّعت معارفُهم، وقامت فنونٌ من العلوم لم يكن لها في أزمنة قريبة وجود ولا ذكر، وحصل انفجارٌ معرفي، تتضاعف فيه العلوم والمعارف والخبرات بشكل مستمر، بحيث لا يمكن الإحاطةُ بها، ولا متابعةُ جديدها. هذا الواقع الجديد أفرز أنواعاً من الناس من ذوي الخبرات والكفاآت لم يُوجد لهم مثيلٌ من قبل في مجتمعات المسلمين. وكثير من هؤلاء عنده من النُضج المعرفي، والوعي العقلي ما يرتفع به عن رُتبة العوام. ويَنقُصه من علوم الوحيين، وتفاصيل القرآن والسُّنن ومناهج الاستنباط- ما ينزل به عن رتبة علماء الشريعة الراسخين فيها، المُفنين فيها الأعمار، بدقائق الأنظار، وبدائع الأفكار. فإذا ما عَدَدْنا هذه الشريحة من الناس شريحةً متعلِّمةً مثقفة، وأضفنا إليها كذلك= من تمرَّن بالقراءة والنظر، وتوسَّع في درك المعارف ومقارنات العلم والواقع= فإننا بلا شك نتحدَّث عن ثروة كبيرة من ثروات هذه الأمة المعطاء، ثروةٍ من أبنائها وبناتها أصحابِ فكرٍ نيِّر، وعقولٍ متفتِّحة، ونحسبهم كذلك -والله حسيبهم- أصحابَ قلوب مخلصة.


     أحبتي في الله، العلاقةُ بين العالم والمثقف من هذه الشرائح من الناس ينبغي أن تكون علاقة تكاملٍ لا تنافر، وتعاونٍ لا تعاند، وتبادلٍ للاحترام والمنافع بما يكون فيه مصلحةٌ للأمة كلِّها. ويمكن تقسيم ما بين هذين الطرفين إلى نوعين من العلاقة:


     النوع الأول: علاقة الاستفادة الكاملة، والتلقي عن الآخر، وهذا أمرٌ يُسلِّمُ فيه العالمُ لأهل الدنيا تخصصاتِهم، ومعارفَهم، ويأخُذَ منهم ما يحتاج إليه من هذه الأمور، مع التسليم لهم في شأنهم، واختصاصاتهم. وفي المقابل يحتاج المسلم من هؤلاء إلى فتوى العالم وُحكمِه فيما يتعلَّق بالشأن العام من شؤون الناس، أو فيما يتعلَّق بالأمور الشخصية من أمره هُوَ، فتجدُ المسلم الذي يخاف الله ويبتغي مراضيه، يَعْرِضُ ما خفي عليه من أمر الدين والشريعة على علمائها ليدُلُّوه على وجه الصواب، ورأي الشرع فيها. وهذا أيضاً ينبغي فيه مراعاة جانب التخصُّص، وتقدير الجهد والمعرفة لدى أهل الشريعة، مع الحذر من تتبُّع رخص العلماء، والبحث عن الزلل، فإن القضيةَ قضيةُ (دين)، والله سيُحاسبُ كلَّ واحدٍ منَّا عن أخذه لدينه، أأخذه أخذ الجاد الحريص على معرفة حُكم الله ووجه الصواب في مسائله، أم أنه أخذه أخذ اللاعب اللاهي، فدينُه من الأحكام والفتاوى ما كان الأيسرُ، ولا يهتم إن كان يذهب به إلى الجانب الأيمن أم يقذف به إلى الأيسر.


وفي هذه المرتبة يحترم أهل كل تخصص التخصصات الأخرى، إلا ما كان معلوماً من الدين فسادُه، فيعلو الدين ولا يُعلى، وإذا جاء نهر الله بطل نهرُ معقل. أقول هذا، حتى لا يحتج بكلامنا السابق أهل الدجل والشعوذة، وأهل المجون والزندقة، ممن يتسترون بأمور منكرة يسمونها فنوناً وعلوماً، فإذا طَلَبتَ ما فيها وجدتها سراباً.


 


     النوع الثاني يتبيَّن بالحديث عن ما يمكن تسميته بالمنطق المشترك بين العلوم الصحيحة، وانبنائها على أُسُس لا تتخالف، من موافقة سُنن الله في خلقه، ومن ترتُّب النتائج على الأسباب، ومن امتناع النتيجة والأثر عند فقد الشروط أو حدوث الموانع، ومن عدم تكذيبها للعقول السليمة، وعلماء الشريعة يقولون: إن الشريعة قد تأتي بمُحارات العقول- وهي الأمور التي قد يتحيَّر الناس في إدراك حقائقها، أو لا تبلُغُها عقولهم، ولكنها لا تأتي أبداً بمُحالات العقول، وهي الأمور المستحيلة التي لا يمكن أن تقع. على تفصيل عندهم لعل الله أن ييسر الحديث في مرة قادمة عن تفاصيله، وعن مكانة العقل في الإسلام، وكيف تعامل الإسلام مع العقول المختلفة. وإذا عُدنا للحديث عن الأسس النظرية للعلوم، والأُطُر التي تتفق عليها نتذكر قول أبي عمر الجرمي المتوفى عام مائتين وخمسٍ وعشرين: "أنا مُنذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه". ومع أن المبالغة في هذه المقولة ظاهرة، ومع تضمُّنها كذلك لبيان منزلة علوم النحو واللغة وأثرها على فهم الشريعة، إلا أنها تتفق مع الأصل العام الذي أشرنا إليه قبل قليل. فهذا صحيح في الكُليَّات، ومن جهة المراقبة العامة، وملاحظة الآثار والعواقب والسُّنن، ولا يمكن تطبيقه في النوع الأول، وهو التفاصيل الجزئية، التي يُقضى فيها بالأدلة التفصيلية. إذاً فنحن نقول هنا بأن لعالم الشريعة أن يتكلَّم وينصح فيما يتعلَّق بالعلوم الأخرى، ولو كان ذلك خارج إطار الحُكم الشرعي، يعني لتصحيح وضع، أو تعديل مسيرة، أو حتى لبيان حكمٍ شرعي، وكذا فإن للمثقَّف والمختص غير الشرعي أن يتحدَّث عن الشريعة في مجالات كيفية التطبيق العملي، ومدارسة واقع المسلمين، وطرح الرؤى والحلول لواقعهم، ورسم خُطط مستقبلهم، وله كذلك أن يخوض مع أهل العلم –مع التقدير وحفظ المراتب- في مراجعة بعض الرأي، والتأكُّد من الحُجج، والنظرة العامة الشمولية.


     أنا أعلم أني بهذا الحديث أستثير طائفتين من الناس، تقول لي الأولى: وما دخل أهل العلم، وما علمهم ببقية التخصصات حتى يتدخلوا فيها. وتقول الطائفة الأخرى: ساويت بين العالم والجاهل، وسلَّطت أهل الدنيا على أهل العلم. وأقول لهذا وهذا رويداً رويداً أخي الحبيب. ألم يطرق سمعك قول حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة)). قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله وكتابه ورسوله وأئمة المؤمنين وعامتهم، أو أئمة المسلمين وعامتهم)) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وورد التكرار من رواية أبي داود.  وهذا المعنى لم يستثن الرسول الكريم منه أحداً صلى الله عليه وسلَّم.  ودعني أضرب لك مثلاً يقرِّب الأمر. افرض طبيباً حاذقاً متميِّزاً، يُجري في اليوم الواحد عدداً من العمليات، ينهمكُ فيها سائر نهاره، ويمكثُ في غُرَف العمليات ساعات طويلة، ثم إذا انتهى من عملياته مضى إلى بيته بعد أداء واجبه. بالطبع هو منذ أن يدخل إلى غرفة العمليات يبدأ بالاهتمام بمريضه، الأمر الذي يُشغله –مثلاً- عن ملاحظة درجة نظافة الغرفة وخلوِّها من الميكروبات، لذا فإن غيره الذي لم ينهمك مثله في أعماله قد يُلاحظ هذه الملاحظة، فإذا نبهه عليها لم تجدهما يختلفان حولها. نعم أخي المبارك إن المنهمك في أمرٍ من الأمور قد يحتاج إلى من يُنبِّهُه على ما غفل عنه، وما علماء الإسلام عن ذلك ببعيد. نعم إن لدينا من آليات التطوير، ومن التجرُّد للحق، ومن الحرص على المصلحة، ومن العلم بدلائل الكتاب والسنة التي بها يهتدي المهتدون ما يُصحِّح كثيراً من المسيرة، إلا أن ذلك لا يُغني عن النقد الناصح، والنصيحةِ لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. ثم إنه ليس كل من انتسب إلى الشريعة من أهلها العارفين بها، وليس كل من كان من أهلها صوابُه أكثر من خطئه، وليس في الإسلام كهنوت، وحُرمة لرأي أحد ما لم يكن مما وردت به أدلة الشريعة، أو أجمعت عليه علماءُ الأُمة، ولا شك أن لقول جماهير العلماء من المنزلة والمكانة ما لا ينبغي معه أن يُعتدى عليه، إلا أنه ليس له حُرمة إجماعهم، فضلاً عن أن تكون له حُرمةُ الكتاب والسنة. وعملية النقد والتصحيح والمراجعة هذه ينبغي أن تكون بالرفق والنُّصح وطلباً للصلاح والإصلاح، {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وكُلما كان المرءُ على أصول نظرٍ واستدلالٍ صحيحة، عارفاً بمصادر الأحكام، قريباً من أهل النظر فيها، كان أرجى للنفع وموافقة الصواب، وكلما كان أبعَدَ عنها وعن أصولها، أو متخذاً أصولاً فاسدة كان أبعد عن الصواب، ولذا فإنك تجدُ أهل العلوم التي لا تدخلها العقائد والأيديولوجيا أقدر على النقد الصحيح ممن كان علمُه مخلوطاً بالنظريات الفلسفية، والعلوم الإنسانية إذا كانت مبنية على أُسس مخالفة لشرع الله.


     وحين نتكلَّم عن الدور النقدي من قِبَل أهل الاختصاصات المختلفة لأهل العلم وصولاً لما فيه مصلحة الأمة= لا ننسى أن من دورهم كذلك: المؤازرةُ والنُّصرة لأهل العلم والدين في مسائل يُشغِّبُ عليهم فيها المُغرضون لا فيها برهانٌ من الله ولا هم فيها مستمسكون برأي من الحق، فالوقوف حينئذٍ بمناصرة أهل العلم، والذب عن مواقفهم، واتخاذ المواقف الشجاعة في ذلك فيه نصرٌ للدين والملة، ونصيحةٌ لأئمة المسلمين وعامتهم.


 


     أيها المسلمون، وإن كان هذا الذي قدَّمنا به صحيحاً ونحن نتحدَّث عن أهل الحق من أهل السنة والجماعة، فلا شك أنه منطبقٌ ومن باب أولى على غيرهم، وإن كان علماؤنا هُم خيارُنا، فإن علماء كثير من النِّحَل والمذاهب هُم قائدوهم إلى النار، والحاجزون بينهم وبين الهُدى، يحرِّفون الكلِمَ عن مواضِعِه، ويقبِّحون الحَسَن، ويُحسِّنون القبيح، فعلى الله حسابهم، ونبرأ إلى الله من حالٍ كحالهم، وهم المغضوبُ عليهم إذ عرفوا الحق وتركوه، فاللهم {اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين}.


     أحبتي في الله، قد جعل الله في قلوب الناس وعقولهم ما ينفرون به عن الخبائث من الأقوال والأعمال، وما يعلمون به أن الله لا يرضى عن بعض الأعمال، وكذلك كتابُ ربِّنا الذي حَفِظَه اللهُ من أن تناله أيدي العابثين، وحضَّ كُلَّ مسلمٍ على قراءته دون واسطة، ولا وصاية عليه عند قراءته يفعل مثل ذلك. كلُّ هذا يُؤسِّس لقواعد اليقين، ومنطق الحق في قلوب المؤمنين. واستمع إلى الصحابي الجليل وابصةَ بنَ معبد رضي الله عنه وهو يقول: رأيتُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئاً من البر والإثم إلا سألتُ عنه. فقال لي: ((ادنُ يا وابصة)). قال: فدنوتُ منه حتى مسَّت رُكبتي ركبتَه. فقال لي: ((يا وابصةُ، أخبرك عما جئت تسأل عنه؟)) قلت: يا رسول الله أخبرني! قال: ((جئت تسأل عن البر والإثم)) قلت: نعم. فجمع صلى الله عليه وسلَّم أصابعه الثلاث فجعل ينكُتُ بها في صدري ويقول: ((يا وابصة استفت قلبك والبر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك)) رواه أحمد بإسناد حسن.


     أحبتي في الله، العقلُ السليمُ، والفطرةُ، وأدلةُ الشرع، تتوافقُ ولا تتعارض، وعلماء الملة غير معصومين إلا من الاجتماع على الخطأ، والناس شُهداءُ الله في أرضه، وبتعاوننا، وسعي الجميع لمصلحة الأمة، وصلاح دينها ودُنياها ننجح ونُفلح، ونحقق طرفاً من خيرية الأمة {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}.


 


 


 


 


 



 


     الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، يخلق ويرزق، ويقسم بين عباده بالعدل، له الحمد والمجدُ والكبرياء، وله الملك والعظمةُ والآلاء، سبحانه ما أعظمه، وما أكرمه، وما أعظم مجده {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}. وأشهد ألا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، وحبيبه وخليلُه صلى الله عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


     قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، وقال: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، إن العلاقة بين الناس وعلمائهم إذا انتقلت إلى مراتب التقديس، ونقل الدين من العقيدة والشريعة وحُكمِ الله ورسولِه إلى أن يكون مُمثَّلاً في أشخاصٍ من الناس ما هو إلا اتخاذٌ للأحبار والرهبان أرباباً من دون الله. وهذه القضية كما تشير الآية الكريمة وُجدت عند أهل الكتاب، وتابعهم بعض المسلمين عليها. ففي بعض مبتدعة المسلمين من جعل العلماء والعُبَّاد بالمنزلة التي لا يُسألون فيها عن أعمالهم، بل وأسقطوا تكاليف الشريعة عن بعضهم لأن الله يقول: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} وهم قد أتاهم اليقين بزعمهم. وفي علماء الصوفية والرافضة من الصد عن سبيل الله، ومن محاربة الدين القويم، والعقل المستقيم، وترويج الخرافة، واستغلال البُسطاء ما ينفر عنه كل صاحب ذوقٍ سليم، وعقل مستقيم. بالطبع يتردد الناس في تخطئة من يرونه عالماً، ولكن يصح هنا أن نذكِّر بقول الله تعالى فيما تردَّدَ فيه نظرُ بعض الناس، وعجزوا فيه أن يتخذوا مواقف تليقُ به إذ يقول لهم: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}، فلا بد من التفكُّر، ولا بد من أن يتعاضد العقلاء على بيان شيء من باطل أهل الضلال مثنى وفرادى. وقد كان في كل زمانٍ، ومكانٍ من يجعله الله للناس عبرة في مثل هذه الأبواب.


     ففي اليهود مناوئون لعلمائهم، يبينون ضلالهم وأطماعهم السياسية، وبُعدهم عن الحق في دولة بني صهيون، بل إن من علمائهم من يتخذ ذات الموقف، فمن المثقفين نعوم تشومسكي، ومن المتدينين والعلماء منظمة ناتولي كارتا اليهودية. وفي النصارى كذلك من يؤمن بأن عقيدة الصلب خرافة، وأن التثليث المزعوم خرافة، ومن ينتقد تسلُّط الكنيسة، ويبين أخطاءها، وقد يكون ذلك منهم باقترابٍ شيئاً ما من الحق، وخطوة في الطريق الصحيح، وقد يكون بالبعد أكثر وأكثر عن الحق، ومن أمثلة ذلك الرواية التي شرقت وغرَّبت، وصوِّرت في فيلم سينمائي، شيفرة دافنشي لمؤلفها دان براون، ففيها من النقد ما ينفع الله به بعض النصارى.


     وكان من بني الطائفة النصيرية الضالة المشركة رجلٌ يقال له سليمان أفندي الأذني لما رأى بعض ضلال طائفته ارتد عنها، ولكنه أخطأ الطريق وصار نصرانياً، وكتب كتاباً سما بالباكورة السليمانية، يقول في أوله: ((الحمد لله الذي أخرجنا من الظُّلمة إلى النُّور، وأنقذنا من الشك والعصيان والفجور، وهدانا إلى كتابه المقدَّس الذي هو تجارة لن تبور، وأرسل لنا ابنه الوحيد خلاصاً للمؤمنين به من العذاب المُزمع والشرور، وقد اعتصمنا بنعمته عن التصديق بكل مضلٍ غَرور. أما بعد فيقول العبد الفقير إلى غنى ربه القدير سليمان الأذني، المعتزل عن الإيمان الوثني، المعتنق الإيمان المسيحي...)) الخ


     وفي الشيعة اليوم، عقلاء ينتقدون بعض خرافات بني قومهم، وقد كان منهم من مثقفيهم، وحملة الشهادات منهم من كتب قبل عدة أشهر ينتقد بعض تصرفات بني قومه، وغيِّهم وضلالهم وما أدخلوه في الدين من الشرك والخرافة، وكتب أخيراً المثقف الشيعي أحمد الكاتب ما أسماه بالبيان الشيعي الجديد ينتقد فيه ولاية الفقيه، وعصمة الأئمة، والقول بغيبة الإمام الثاني عشر، ويُنكر عليهم التمسُّح بالقبور، والطعن في القُرآن والصحابة، في بيان ممتاز، فيه الكثير من الحق، وإن كان لم يخلُ من بعض أخطاء.


     فإن يُطع القومُ أمثال هؤلاء العقلاء يهتدوا، وإن يتعصبوا لآبائهم وشيوخهم وآلهتهم فإنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئاً، {وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.


 


 


 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 27-03-2009

الزوار: 506

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
بقيع الغرقد... تاريخ.. وجريمة
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
قواعد شرعية في ذكر الله تعالى
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
موالد المحروسة-خـطبة الجمعة مكتوبة
من أحكام الإحداد-خـطبة الجمعة مكتوبة
الخطبة المرورية-خـطبة الجمعة مكتوبة
أمة التحريف والاحتيال.. وصنيعهم بالمسجد الأقصى -خـطبة الجمعة مكتوبة
أمة العلم أمتي-خـطبة الجمعة مكتوبة
من شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم-خـطبة الجمعة مكتوبة
الحكماء -خـطبة الجمعة مكتوبة
أن يفخر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم..... لمحات من سيرة سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه -خـطبة الجمعة مكتوبة
الأدباء-خـطبة الجمعة مكتوبة
مسؤولية فضح الفساد والمفسدين (الفساد الإداري والمالي)-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :26856
[يتصفح الموقع حالياً [ 17
الاعضاء :0 الزوار :17
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3