الحمد لله الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تُمنى، وهو الذي عليه وإليه النشأة الأخرى. والحمد لله الذي خلق فسوى ، وقدَّر فهدى. والحمد لله الذي أضل من عباده وهدى، وقدَر أرزاق بعضهم ووسع وأعطى بعضا. أحمده سبحانه وهو الحي القيوم الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون، وأشكره كما يشكره عبادُه المؤمنون وأولياؤه المخلصون.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليما.
أما بعد :
فقد ينجحُ العدو في وقتٍ ما، في حربه على بلدٍ ما، في إسقاط سلطته السياسية أو يهزمُ قوتَه العسكرية، ولكنه لا يمكن أن ينجح في السيطرة على الشعوب المسلمة إلا إذا أفقدها ثقتها بدينها، وأسلمت هي قيادها له باتباعها للهوى، وصدودها عن ربِّها قال تعالى: (وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) آل عمران (69)، وقال تعالى: (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء) آل عمران (89).
ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
ولهذا؛ ففي زمن الحرب الشاملة هذا تجد أن السجال والتنازع قد وصل إلى كل ميدان، واتخذ كل صورة، سواء كانت مما يلائم الذوق أو لا يُلائم الذوق، ومما ترضاه العقولُ السليمة أو مما لا ترضاه العقولُ السليمة، وأما شأنُ الدين، والعاداتُ الحسنةُ غيرُ المخالفة للشريعة فحدِّث ولا حرج، فهذان جداران قصيران عند أراذل الناس من كل فاسق داعر، ومن كل خبيثٍ كافر. وعلى المسلم إزاء حملات تشويه صورة الدين، ومحاولات صد الناس عنه أن يراعي عدة أمور:
منها : الاعتقادُ الجازم بأن مصدر الخير والحق -فيما يتعلق بأمر الدنيا والآخرة- هو الوحي الإلهي بمصدريه الكتابِ والسنةِ المطهرين، مع الوعي بقصور المناهج الوضعية البشرية -المخالفة لنصوص الوحي الإلهي- في التصورات, والقِيَم, والموازين, والأحكام، مهما بدت مُزيَّنة وبراقة، قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) النساء(82). وهي وإن كانت قد تصيب الحق أو بعض جوانبه أحياناً, نتيجة لبقايا فطرة سليمة، أو عقل ونظر متجرد، إلا أن الكتابَ والسنةَ مصادرٌ للحق الذي لا يُخطئ أبداً .
كذلك علينا أن نعي بأن مصدر الشرور التي تعاني منها البشرية, مسلمُها وكافرُها, هو ابتعاد هذه المناهج عن مرجعية الإسلام الحق، قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) "الروم:21"، وقال: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللِه رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) "الأنبياء:22" .
ومنها : أن يُعلم علماً لا تردد فيه أن دين الإسلام هو دينُ العدل، ومقتضى العدل التسويةُ بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين ويُخطىء على الإسلام من يُطلق أنه دين المساواة دون قيد؛ لأن المساواة المُطلقة تقتضي أحياناً التسويةَ بين المختلفَيْن، وهذه حقيقةُ الظُّلم، ولم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة بإطلاق، إنما جاء الأمر بالعدل، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) النحل (90)، فأحكام الشريعة قائمة على أساس العدل، فتُسوِّي حين تكون المساواةُ هي العدل، وتفرِّقُ حين يكونُ التفريقُ هو العدل، قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الأنعام (115)، أي صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الأحكام.
لذا فإن الإسلام يُقيم الحياة البشرية والعلائق الإنسانية على العدل كحدٍ أدنى، فالعدلُ مطلوب من كل أحد، مع كل أحد، في كل حال، وكما تحقق العدل كحد أقل لا أقل منه ، فهي تدعو إلى الفضل وإلى الأكمل في جميع الميادين : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي).
ومن ميادين الصراع الحامية في هذه الأيام، مدخلٌ للعدوِّ إلى كُلِّ بيت، في قضيَّةٍ علِمَ الصادقُ المصدوقُ صلى الله عليه وسلَّم خَطَرَها، ونبَّهنا على أنها مدخلٌ لإفساد الأمة وظهور عدوِّها عليها، وتسلُّطِ فاجرِها على سائرِها، ألا وهي قضيةُ المرأة، والسعيُ الدؤوبُ لإخراجها من حيائها وعفتها اللذَين لَزِمَتهُما منذ أن بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وإلى عهدٍ قريب، حتى أصبحنا نسمع اليوم وهم لم يحققوا كل ما يريدون بعد= أصبحنا نسمع بظواهر مثل هروبِ الفتيات، وابتزازِ الشباب للبنات بصوَرِهن الفاضحة وغير الفاضحة، وعن الزنى وتنظيماته، والعلاقات البريئة وغير البريئة، وفضائح بعض من ينتسب إلينا من البنات المبتعثات، وتبذُّل الموظفات في بعض الشركات، ما يخجلُ له كل من بقي في قلبه إسلامٌ وإيمانُ. وأنت ترى في هذه الأيامِ كثرةَ النقاش حول هذه المسألة، وترى كذلك بعض المحاولات العملية الوقحة لتحدي القيم التي حثَّت عليها الشريعة، بل ولتحدي أنظمة البلد وأعراف الناس، ولذلك فلعلنا أن نتكلَّم في عدة خُطَب عن مسألة المرأة تأصيلاً، وتفصيلاً، وتحليلاً، حتى نُدرِك جميعاً بعضاً مما يدور من حولنا، تُحرِّكُه أصابع أهل الشهوات، والمستغربين، والمنحلين، ضمن خُطط أعداء الملة والدِّين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وتأصيلاً لما نحن بصدده لا بد من أن نبين في مثل هذه المعركة الأمور التالية:
أولا: إن الحقوق عند المسلمين لم يقررها الرجلُ ولا المرأةُ إنما قرَّرها اللهُ اللطيفُ الخبير، الذي قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) الأعراف (189) ، فإن وُجِد في واقع المسلمين حيفٌ في الحقوق من طرفٍ تُجاه آخر؛ فهو نتيجة لانحراف المسلمين عن دينهم، وجهلهم بأحكامه وضعف إيمانهم بربهم؛ أو بسبب تحكم الأعراف والتقاليد المخالفة للشرع في أحوالهم.
ولم يُعرف في تأريخ المسلمين، على مدى عمر أمة الإسلام، مشكلة اسمها "قضية المرأة"، سواء أكان ذلك في أوج عزتهم وتمكنهم، أو في أزمنة ضعفهم وهزيمتهم.
ثانيا: المرأة أحدُ شطري النوع الإنساني، قال تعالى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى) النجم(45)، وهي أحدُ شِقَّي نفسٍ واحدةٍ، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)النساء (1)، فهي شقيقةُ الرجل من حيث الأصل، والمنشأ، والمصير، تشترك معه في عمارة الكون -كلاً فيما يخصه- بلا فرق بينهما في عموم الدين، في التوحيد والاعتقاد، والثواب والعقاب، ولا في عموم التشريع في الحقوق والواجبات، قال عز وجل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)النحل(97)، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما النساء شقائق الرجال" أخرجه أبو داود والترمذي, ومن هنا كان ميزان التكريم عند الله التقوى قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)الحجرات(13). ولذا فكم من خيرةٍ صالحةٍ تقيةٍ هي خير من ألوفٍ من الرجال، ولا يوجد تعبيرٌ عن هذا المعنى أدقُّ ولا أبلغُ من لفظ: (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ)، في قوله سبحانه وتعالى: ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ)آل عمران(195)، فهما سواءٌ في معنى الإنسانية، وفي عموم الدين والتشريع، وفي الميزان عند الله.
ثالثا: وقد اقتضت حكمة الخالق أن الذكر ليس كالأنثى في صفة الخلقة، والهيئة، والتكوين، وكان من آثار هذا الاختلاف في الخلقة: الاختلافُ بينهما في القوى والقدرات الجسدية، والعاطفية، والإرادية. قال سبحانه وتعالى عن الذكر: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى)آل عمران (36)، وقال عن الأنثى: (أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) الزخرف (18).
وقد أنيط بهذا الاختلاف في الخلق بين الجنسين جملة من الحِكَم والأحكام، وأوجب هذا الاختلاف ببالغ حكمة الله العليم الخبير التفاوتَ بينهما في بعض أحكام التشريع، وفي المهام والوظائف التي تلائم تكوين كلٍ منهما وخصائصَه، قال الله تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)الأعراف(54)، فتلك إرادةُ الله الكونيةُ القدريةُ في الخلق والتكوين، وهذه إرادتُه الدينيةُ الشرعيةُ في الأمر والحكم والتشريع، فالتقت الإرادتان في شأن الرجل والمرأة على مصالح الخلق، وعمارة الكون، وانتظام حياة الفرد والمجتمع.
رابعا: ويترتب على هذه الحقيقة الثابتة أحكامٌ شرعيةٌ كليةٌ، ثابتة ثبات هذه الحقيقة، منها: أحكامُ الأسرة، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)الروم (21).
وللمرأة دور أساس في قوة الأسرة وتماسكها، وأيُّ اختلال في أداء المرأة لمسؤوليتها في الأسرة، ينعكسُ أثرُه على أفرادها، فالمجتمعُ الصالحُ يقفُ بحزم في مواجهة سفاهات الجاهلية المعاصرة، التي تهوِّنُ من دور المرأة في الأسرة، أو من أهمية قيامها بمسؤولياتها تُجاهها، وهو أهمُّ عمل تقومُ به المرأةُ المسلمةُ لمصلحة الأسرة والمجتمع.
وفي المقابل فعلى الرجل تحمُّل أعباء القِوامة التي هي تكليفٌ فرضته عليه الشريعة الغراء، قال عز من قائل: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء(34) والقوامة هي القيادة أي قيادة المجتمع الصغير (الأسرة) قيادةٌ يتشرف بها الرجل أو قُل يتحمَّلَها دون تسلُّط أو تعسُّف، وهي كذلك تكليف لصالح المرأة والبيت والأسرة، حيث تكون مسؤوليةُ النفقةِ فيها وطلبِ الرزق والحمايةِ والرعايةِ واجبةٌ على الرجل، وله –في المقابل- حقُّ الطاعة المطلوبة للقائد، وهي الطاعة بالمعروف، كما قال صلى الله عليه وسلم :"إنما الطاعة في المعروف" رواه البخاري ومسلم.
خامسا: العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع الإسلامي وداخل الأسرة تقوم على أساس التكامل بين أدوارهما -وهو ما يسمى بالتكامل الوظيفي-، ومن مقاصد هذا التكامل: حصولُ السَّكَن للرجل، والمودةِ والرحمةِ بينهما، قال سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)الروم (21)، ولفظ السكن لا يوجد أبلغُ منه في اللغة العربية، فهو يعني جملة من المعاني منها: الأمنُ، والراحةُ، والطمأنينة، والأُنس، وهو ما ينعكس إيجاباً عليهما وعلى أولادهما، ومن ثم على المجتمع كافة.
فإذا كان الجنسان يتمايزان في صفاتهما العضويةِ والحيويةِ والنفسيةِ، فإن من الطبعي أن يتمايزا في الوظائف الاجتماعية. والتكاملُ بين الجنسين في المسئوليات والحقوق، هو ثمرةُ العدل الذي يأمرُ به الإسلام.
وبناءً على ذلك فلقد حدد الشرع مجالَ عمل الرجل في هذه الحياة ونوعيته، كما حدد مجالَ عمل المرأة الأساس ونوعيته، وقد جاء ملائما لما تقتضيه العقولُ السليمةُ والفِطَرُ المستقيمة, وبما يُحدث التكامل والاتزان والأمن الاجتماعي، دون أن يتحمل أحدُهما أكبرَ من حمله، الذي يحتمله طبعاً وعرفاً.
ولذا كان من الظُّلم والجور تحميلُ المرأة أعباء الرجل، دون حاجة شخصية أو اجتماعية، حيث يمثلُ ذلك اعتداءً على حق العدل في الحقوق والواجبات، كما يمثل اعتداءً على كرامة المرأة وأنوثتها.
إن المرأة بتكوينها الجسدي والفكري والوجداني، مهيأةٌ لوظيفة أساسية معينة، هي الأمومةُ ولوازمُها، فإذا لم تقُم بها فذلك إهدارٌ لطاقةٍ حيويةٍ أودعها الله في النساء، وتحويلٌ لها عن صراطها المستقيم. وحينما تكون هناك ضرورةٌ أو حاجةٌ شخصيةٌ أو اجتماعيةٌ للعمل فلا اعتراض، أما اللجوءُ إليه بغير حاجة، ولمجرد استجابةٍ لنزوة حمقاءَ، أُصيب بها جيلٌ من البشرية؛ بسبب ظروفه التاريخية والثقافية، أو أنه يريد أن يستمتع بغير حد، وليأت بعده الطوفان، فأمر لا ينتظر من الإسلام قبوله، ولو استجاب الإسلام لهم لتخلى عن مزيته العظيمة، وهي النظر إلى جنسي الإنسانية على أنهما متكاملان، وأن البشريةَ عبارة عن كيانٍ متصلُ الأجيال.
سادسا : يعتبر الحجاب حصناً أساساً من الحصون التي تُحافظ على العفة والستر والاحتشام, ويمنع من إشاعة الفاحشة، كما أنه مظهر من مظاهر الاعتزاز بالشعائر الشرعية، المحققة لعفاف الرجل والمرأة والمجتمع.
وحجاب المرأة ليس نافلة، فضلاً عن أن يكون مجرد رمزٍ يَسَعُ المسلمةَ التحَليَ به أو تركه، بل هو فريضةٌ من الله على النساء؛ صوناً لهن؛ وإعلاناً لعفافهن، كقدواتهن من أمهات المؤمنين، فلا يطمع فيهن أهل الأهواء والشهوات، كما قال الحق سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً)الأحزاب (59).
إننا عندما ندرك أهمية الحجاب والقيمة المرتبطة به، يزول عجبنا من شراسة الحرب ضده, فالغرب -مثلاً- أصبح يضيق بالحجاب ذرعاً, كما لم يضق بأي لباس آخر لأي طائفة دينية, أو نحلة بشرية، والصحافة تهاجم متسترة تارة ومستعلنة تارات، والقنوات الفضائية تهدم، وتُشيع كراهية الحجاب في كلام نواعم، أو في مسلسلات مدبلجة، أو في مذيعات سافرات، أو في أغاني من جنس شيلي الطرحة، ألا حسبنا الله على المفسدين وأذنابهم، والله المُستعان.
إن من مزايا الإسلام الكبرى أنه دين ونظام واقعي، يحكم في مسألة الرجل والمرأة على طريقته الواقعية، المدركة لفطرة البشر، فيسوي بينهما حين تكون التسوية هي منطق الفطرة الصحيح، ويفرق بينهما حين تكون التفرقة هي منطق الفطرة الصحيح قال تعالى: ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك (14)
وإن أي فكرة أو حركة تقوم على مصادمة السنن الاجتماعية والفطر البشرية، مصيرها الفشل الذريع، والخسران المبين، وهذا سبب فشل حركات تحرير المرأة -حتى في العالم الغربي- في تحقيق ما تصبو إليه، بالرغم من مرور أكثر من قرن ونصف على انطلاق هذه الحركة.
ومن هنا إخواني في الله فإننا ننكر ونستنكر ما يريد أعداؤنا من أبنائنا وبناتنا فعله من اختلاط ومنكرات في المحافل المختلفة، والمنتديات الاقتصادية، والمستشفيات، وغيرها، والذي ترى فيه التسمي بأسماء الاقتصاد، والضرورة، وتوفير الوظائف للأيدي النسائية المدرَّبة، ثم ترى تمرير قضايا اجتماعية، ومنكرات علنية تحت هذا الستار، وهو ستار شفاف لا يستر عورة، ولا يغني من برد.
الخطبة الثانية:
(ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) المؤمنون 76.
ماكان الله ليدع الظالم ينعم بظلمه كثيرا، أو يُمهل الباغي في بغيه على الزمان بكرة وأصيلا، فما أن يظن كل ظالم أنه نجح في مغالبة الأقدار ومعاندة الحقائق حتى ينذره الله بسوء العاقبة قبل أن يُستأصل ويُستحصد، (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) (آل عمران:179)
إنه ما يكاد يمر على أهل الأرض يومٌ بغير نازلة آخذة، أو فاجعة في البر أو البحر حاصدة، أو كارثة لأشد منها ممهدة، وذلك من جرَّاء ما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا، ففسادُ قلوبِ الناس وعقائدِهم وأعمالِهم يوقع الفساد في الأرض لا محالة، ويملؤها برا، وبحرا، بهذا الفساد، ويجعله مسيطرا على أقدارها ، غالبا عليها، لا يتم ذلك عبثا،ولا يقع في الكون مصادفة، إنما هو من تدبير الله جل جلاله وسننه"ليذيقهم بعض الذي عملوا" من الشر والفساد، حينما يكتوون بناره، ويتألمون لما يصيبهم منه"لعلهم يرجعون" فيعزمون على مقاومة الفساد، ويرجعون إلى الله وإلى العمل الصالح والمنهج القويم. (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41)
إنها سنة من سننه جل جلاله الماضية في خلقه (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء:16) فإرادة الله تعالى قد جعلت للحياة البشرية نواميسَ لا تتخلف، وسنناً لا تتبدل، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج، فتنفُذُ إرادة الله وتتحقق كلمته (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنعام:115) (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) ،قاعدة لا تتغير في الدنيا ولا في الآخرة.
إن الله تعالى يأمر بالطاعة فيعمل المترفون بالمعصية، ويأمر بالحق فيسير المترفون في الناس بالباطل؛ لأنهم مترفون، لا يعرفون للحق حرمة، ويأمرَهم بالعدل فيمشون في الحياة بالظُلم لأنهم مترفون لم يألفوا الإنكار أو يعرفوا على باطلهم الاستهجان من العامة، فحق عليهم جميعا القول " فدمرناهم تدميرا" يقول صلى الله عليه وسلم "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم أنت ظالم فقد تودع منهم"،وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها " أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث"، فوجود المترفين الناعمين الذين ترهَّلَت بالدعة والفحشاء قلوبُهم، وأَسِنَت بالرفاهية نفوسُهم هو في ذاته السببُ الذي من أجله سلَّطهم الله عليها ففسقوا، ولو أخذ الناس على أيديهم لما استحقوا الهلاك ، وما سلط الله عليها من يفسق فيها ويفسد فيقودها إلى الهاوية. فوجود هؤلاء في ذاته دليل على أن الأمة قد تخلخل بناؤها،وسارت في طريق الانحلال، وأن قدر الله سيصيبها جزاءً وفاقا. وما أكثر صور الهلاك عند انتشار الخبث!!
فمن الفيروسات المتلمظة، إلى الإيدز الماحق، والأوبئة اللاهثة، (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (العنكبوت:40) ثم يأتي الوباء المقزز في طيِّه ونشره- انفلونزا الخنازير- وكأن البشرية هانت على ربها جل جلاله الذي بارزته بكل أنواع البوائق في البر والبحر فسلَّط الله على الجميع وأنزل بهم ما لم يكن منه جل جلاله في الظالمين المجرمين المتجبرين من قبل؛ أمثال فرعون وجنوده، فلم يعذبهم بمثل ما عذب به دول حضارات القرن الواحد والعشرين ونظمه الذين استباحوا الحرمات بأقبح الصور، وطاردوا المكارم بأقبح الوسائل، وحاصروا وأجاعوا المغلوبين ، وأحرقوا المستضعفين، وطاردوا الآمنين.
إن فرعون على جرائمه لم يبلغ في قبائحه ما بلغه أدعياء حقوق الإنسان اليوم الذين استباحوا كل مُحَرَّم، وقد عوقب وقومَه أولا بما قاله الله فيهم ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) (الأعراف :133) ولما تمادي في بغيه عوقب بالتغريق ، وقد كان في جرائمه دون هؤلاء بكثير من رسل الديمقراطية الكاذبة، وأدعياء المدنية الخادعة، فعُذِّب ومن معه على وفق ذنبه وذنوبهم بغير هذا العذاب الذي لم يعذب الله به من قبلُ، "إنفلونزا الخنازير" فهذا هو قدر فراعين اليوم من الله الذي يملي للظالم بغير غفلة منه ولا نسيان، حتى إذا أخذه لم يُفلته.(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102) وصدق الله العظيم :(وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)(الرعد: من الآية31).
إنه يجب على الجميع بعد أن نزل بالعالم أقبح نازلة –" انفلونزا الخنازير" أن يراجعوا على الحق أنفُسَهم، ويصححوا مع الدين مواقفهم، فإن انفلونزا خنازير القلوب التي نزلت بغيرنا من قبل، والتي تبحث عن وطنٍ بيننا، لهي أشد فتكا من انفلونزا خنازير الحظائر والبيوت إن هي نزلت واستحكمت.
وإن ويلات إنفلونزا خنازير القلوب التي يلبس أصحابها لنا لبوس الضأن وفي صدورهم قلوب الذئاب لَهي والله أشدُّ فتكا، والناس عنها غافلون، فهي المؤسِّسةُ لكل نازلة، والداعية لكل ماحقة، والمثمرة لكل نبت خبيث في الأمة، ومع هذا لا نزال مشغولين بالبثرة عن الدُّمَّل، وبآثار المرض عن أسبابه، إنها –انفلونزا خنازير القلوب- علة العلل، وهي ليست غريبة عنا، فقد عوقب بها من قبل الكثير من الملاعين المجرمين الذين حادُّوا الله ورسوله من قبل –كما يفعل الكثيرون اليوم- فصارت أفئدتهم هي أفئدة الخنازير وقلوبها (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:60) . وبذلك استوجبوا عقوبة الاستئصال بعد أن جعل الله منهم القردة والخنازير لأنهم أطاعوا في الناس وفي أنفسهم غير الله، فعبدوا الطاغوت الذي يعني السلطات الطاغية، والشخصيات المتجبرة، والأوضاع الجائرة التي تجاوزت كل حد في كل ميدان من ميادين الحياة ، عبدوها عبادة طاعة وخضوع، و حب وتوقير، بدلا من شرع الله الذي بدَّلوه كفرا وأحلوا قومهم بذلك دار البوار (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ) (ابراهيم 28 :29) أحبوا الانحراف وركنوا إليه في كل شأن من شؤونهم في ثقافاتهم، واقتصادهم، وقضائهم، وتعليمهم، وحربهم ،وسلمهم، فكان ذلك عبادتهم إياه، وبذلك صاروا في الأمة شرا من اليهود والنصاري الذين ينقمون منها على الدوام عبادتنا لربنا في جميع شؤننا، (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:8)
يقول جل جلاله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة:59)