الصيام أحد أركان الإسلام الخمسة وهو من أفضل العبادات على الإطلاق لأن الله جل وعلا اختصه لنفسه فقال في الحديث القدسي ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ....)) متفق عليه.
وهو عبادة سرية بين العبد وربه يتمثل فيها عنصر المراقبة الصادقة في ضمير المؤمن إذ لا يمكن أن يتطرق له الرياء بحال، وصدق الله العظيم { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
فالصوم يربي فيك يا عبد الله مراقبة الله ــ عز وجل ــ حتى إذا تأصَّلَت فيك هذه الخصلة كانت عوناً لك على الإذعان لأمره، وابتغاء وجهه في سائر العمل.
ولو لم يكن في شهر الصوم إلا أنه أحد أركان الإسلام التي لا يتم إسلام المرء إلا بها؛ ثم إنه العمل الذي اختصه الله لنفسه من بين عمل ابن آدم كله؛ وأن فيه ليلة أفضل من ألف شهر فيما سواه؛ وأنه الشهر الذي اختصه الله بنزول القرآن، أقول: لو لم يكن في شهر الصوم إلا هذه الأمور لكفاه شرفاً ومنزلة، يقول تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}، ويقول تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.
إن صيامَ رمضان أحد أركان الإسلام، وفرض من فروض الله المؤقَّتة، معلومٌ من الدين بالضرورة، مجمعٌ عليه بين المسلمين، توارثته الأمة خلفاً عن سلف، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ثم قال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ...} والأمر في قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} للوجوب.
ومن السنة أحاديث كثيرة، يأتي على رأسها الهديُ العملي للنبي صلى الله عليه وسلم إذ صام في المدينة منذ أن فُرض عليه الصيام في العام الثاني للهجرة، إلى أن قُبض عليه الصلاةُ والسلام، وتفاصيل صومه وأحواله مبسوطةٌ مُفصَّلة في دواوين السُّنة ودواوين الفقه بما لا مزيد عليه. ومما ورد عنه في شأن وجوب الصوم:
ما رواه عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)) متفق عليه.
وعن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجدٍ، ثائرَ الرأس، نسمع دويَّ صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خمس صلوات في اليوم والليلة)) فقال: هل عليَّ غيرُهن؟ فقال: ((لا إلا أن تطوع))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وصيام شهر رمضان)) قال: هل علي غيرُه؟ قال: ((لا إلا أن تطوع))، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ فقال: ((لا إلا أن تطوع)). قال فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفلح الرجل إن صدق)) متفق عليه.
وقد أجمعت الأمة على أنَّ الصيام ركن من أركان الإسلام وأنه معلوم من الدين بالضرورة، بل وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر.
ثم اعلموا رحمني الله وإياكم أنه يجب صومُ رمضان أداءً على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ مقيمٍ قادرٍ خالٍ من الموانع.
فأما الكافر: فلا يجب عليه الصوم ولا يصح منه، لأنه ليس أهلاً للعبادة، ومتى أسلم لزمه الصيام من حين إسلامه ولا يقضي ما مضى، يدل على ذلك قوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}.
وأما الصغير: فلا يجب عليه الصوم لرفع القلم عنه حتى يبلغ، وإن كان يُستحب تعويد من أطاق منهم الصيام على ذلك، ولو مع إشغاله بشيء من الأمور أو اللُّعَب حتى يغفل بها عن جوعه. ويحصل بلوغ الصبي بواحدة من ثلاث: إنزال المني باحتلام أو غيره، أو نبات شعر العانة، أو بلوغ تمام خمس عشرة سنة. وتزيد الأنثى على الذكر بالحيض؛ إذ تبلغ به، بالإضافة إلى الأمور الثلاثة السابقة.
وأما المجنون: فلا يجب عليه الصوم لرفع القلم عنه، وإذا كان الشخص يجن أحياناً ويفيق أحياناً أخرى؛ لزمه الصوم متى أفاق ولم يجب عليه قضاءُ ما جُنَّ فيه.
وأما المسافر: فلا يجب عليه الصوم بل هو مُخيَّر بين الفطر والصيام والأفضل له فعل الأيسر عليه يقول تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.
وأما غير القادر: وهو العاجزُ عن الصيام لمرضٍ أو كِبَرٍ، فلا يجب عليه الصوم حال عجزه ويقضيه بعد رمضان، وأما الكبير والذي لا يُتوقَّع أن يُشفى من مرضه الذي أفطر بسببه فإنه يُطعم عن كل يوم مسكيناً، قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، وهو قول ابن عباس ومذهب جمهور العلماء، وفعله أنس رضي الله عنه في حال كِبَرِه وعجزه عن الصيام.
وأما من قام فيه مانع من موانع الصوم فلا يجب عليه الصيام، بل يجب عليه الفطر، والمانع كالحيض والنفاس.
قال ابن رشد: ((.... وأما على من يجب وجوباً غير مخيَّر فهو البالغ العاقل الحاضر الصحيح إذا لم تكن فيه الصفة المانعة من الصوم وهي الحيض للنساء هذا لا خلاف فيه لقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ))
يا عباد الله، ثم إن الصوم الشرعي هو الإمساكُ عن المفطِّرات من الطعام والشراب والجماع (بنيةٍ)، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ثم يباح ذلك كلُّه طُوال الليل، يوضح ذلك قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ}، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم)) متفق عليه.
إذا أكل المسلم الصائم أو شرب ناسياً صومه فلا شيء عليه فصيامه صحيح ولا يلزمه القضاء ودليل ذلك قولُ تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}. وقولُه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)) متفقٌ عليه.
ويُلحق بالجماع في الحُرمة في نهار رمضان إنزال المني بشهوة متعمِّداً ذلك، وليس المقصود الجنابة، ولكن المقصود -والله أعلم- انتهاكُ حُرمة الشهر، فإذا ما أدرك الرجلَ أو المرأةَ الفجرُ وهو جُنب وكان جماعُ الرجل لأهله في الليل فإنه قد وردت الرُّخصة في ذلك، ولا يكون ذلك سبباً في الفطر فعن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم، متفق عليه.
ولكن متى جامع الصائم في نهار رمضان فقد بطل صيامه وعليه التوبةُ والاستغفارُ وقضاءُ اليوم الذي جامع فيه. وعليه مع القضاء الكفارةُ وهي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين أطعم ستين مسكيناً، ولا بد أن يكون الصيام متتابعاً لا يُفطر فيه إلا لعُذر شرعي كأيام العيدين والتشريق وأيام الحيض والنفاس للمرأة، أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر، فإن أفطر لغير عذر ولو يوماً واحداً لزمه استئناف الصيام من جديد ليحصل التتابع.
وقد كان أمر الفِطرِ مُشدَّداً في أول الإسلام أكثر مما هو عليه الآن، فقد كان الفطرُ مباحاً في أول الإسلام من غروب الشمس حتى ينام الصائمُ. فإذا نام؛ حَرُم عليه الطعام والشراب والجماع حتى غروبَ شمس اليومِ التالي فَشَقَّ ذلك على بعض الصحابة، يبين ذلك ما رواه البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: كان أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلتَه ولا يومَه حتى يُمسي، وإنَّ قيسَ بن صِرمة الأنصاري –رضي الله عنه- [أو أبو قيس صرمة بن أنس كما رجح الحافظ ابن حجر في الفتح] كان صائماً فحضر الإفطارُ؛ فأتى امرأته فقال لها: أعندك طعام، قالت: لا، ولكن أنطلقُ فأطلبُ لك. وكان يومَه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غُشي عليه فذُكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ...} الآية، ففرحوا بها فرحاً شديداً. ونزلت: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} رواه البخاري. والمقصود بالخيط الأسود والخيطِ الأبيض سوادُ الليل وبياضُ النهار.
فالحمد لله الذي تمَّم نعمته، ويسَّر فريضته، ووهب من نعمته ما يجعلها علينا أكثر يُسراً وسهولة، فاللهم لولا نعمتك لكنا من الهالكين، لك الحمدُ فرضتَ وأعنت، وأوجبت وسهَّلت، وكل ذلك لمصالحنا العاجلة والآجلة، ولتهذيب النفوس وتزكية الأبدان، وإظهار طاعة الرحمن. لا نُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
أحبتي في الله، إن الانتهازية من أقبح الخصال، ويعظُمُ قُبحُها حينما تكون في الوقت غير المناسب. تأمَّل –حفظني الله وإياك من كل مكروه- لو أنكم بدار عزاء تواسون أهل الميت، وتدعون له ولهم، فعلم بعض الناس بأن هذه الدار سيجتمع فيها جماعةٌ من أهل المال والجاه –وهم إنما اجتمعوا للعزاء- فجاء إلى دار العزاء يريد أن يُروِّج ويذكر بين أيديهم مشروعه الجديد شاليهات على البحر.. فلو أن أحداً فعل ذلك فكيف يكون وقع فعله على الناس.. لا شك أن فعله القبيح قد يحمل البعض على حمله وطرده خارج الدار. وهكذا كل من رأى الناس اجتمعوا على شيء فجاء يتلصصُ ليصرفهم إليه ولو كان على حساب الدين والمروءة والأخلاق. وكل هؤلاء أهون ممن يسرق الناس من طلب فلاحهم في رمضان ليأخذهم من قصص القرآن إلى قصص الغرام، وينقلهم من هدي المرسلين إلى طرائق الغاوين، ويشوِّشَ عليهم عمل البِر ليعينهم على عمل الإثم. قد امتلأ الفضاء وتزاحمت إعلانات الصحف، وشُغلت المجالس بأنباء مُضلات رمضان فمن مسلسلات تركية أو مطعمة بالتركية، إلى قصص غرامية، إلى فوازير غنائية، إلى مسلسلات دينية كثيرٌ منها ضرُّه أكثر من نفعه، إلى ليالي ساهرة في المنتزهات على روائح الشيشة والمعسل ويسمونها ليالي رمضانية، وقبل عدة سنوات نشرت إحدى القنوات الشهيرة إعلاناً في الشوارع: رمضان شهر (...) وذكروا اسم قناتهم فبدلا من أن يكون شهراً للقرآن تحوَّل المفهوم عندهم ليكون شهراً للإعلام البريء وغير البريء.
فهلُمَّ أخي المبارك لنستقبل شهرنا بعزم على المقاومة، وروحٍ تأبى الاستغلال، فإن كُنت لا بد فاعلاً فالقليل الذي لا يُشغل تضعه بعد ترتيبك لأمر ختمتك وصلاتك والنظر في أحوال وظيفتك وأهل بيتك، وليكن هذا القليل محافظاً لا متهتِّكاً، وتستغفر الله.
لننادي أقبلت يا رمضان ونحن نعاهد الله أن نجعلك شهر البر لا شهر فلتان.
أقبلت يا رمضان ونحن نستعين الله أن يجعلك شهر عبادة لا شهر دوران بالأسواق.
أقبلت يا رمضان ونحن نستعين الله أن نجعلك شهر تربية لأهلينا على المكرمات لا تضييع للأمانات.
أقبلت يا رمضان ونحن نستعين الله أن يجعلك شهر قرآن لا شهر عصيان.
أقبلت يا رمضان ونحن نستعين الله أن يؤمننا من مكر شياطين الجن والإنس وأن نكون بعدك من الرابحين لا من الخاسرين.