{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا، قَيِّماً}، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه وألطافه التي تصلنا منه دائماً، وأُكبِّره وأعظِّمه كما ينبغي له ولا يزال ربي مُحسناً، وأسأله إجابة الدعوات، وقبول الصلوات، والمباركة في الختمات، والنفع بالحسنات، إحساناً منكَ يا ربِّ ومنَّاً.
وأشهد ألا إله إلا الله الكبير المتعال، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خيرُ الرُّسل، وأكرمُ الرجال، صلى الله عليه وعلى آله خيرِ آل، وعلى صحابتِه الأبطال، ومن تبعهم على طريقتهم إلى يوم المآل.
أما بعد، فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله تعالى، وخير الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَنَحْنُ في الصُّفَّةِ فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ في غَيْرِ إِثْمٍ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ؟».
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: «أَفَلاَ يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمَ أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلاَثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ » رواه مسلم.
أيها المسلمون، شهرُكم هذا شهرُ القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}، وفي شهرنا هذا يتعاهد القرآن كثير ممن قصَّر مع القرآن وهَجَرَه، وتكون بداية العلاقة مع كتاب الله لكثيرٍ من الصغار، ومن الشاردين عن الله تعالى. والكلام عن كتاب الله كبير، وأثير، وسنختار في خطبتنا هذه الكلامَ على أدب التعامل مع كتاب الله تعالى، الأدبُ الذي هُوَ استعمالُ ما يُحمدُ قولاً وفعلاً، والتصرفاتُ الموافقةُ لتعظيم هذا الكتاب الذي نتعاملُ معه، وهو أغلا وأنفسُ مقتنى. أليس هو كلامَ الباري، أليس هو صفتَه تعالى، والدالَّ عليه.
وقد أفاض العلماءُ في أمور تتعلق بهذا الباب فمن ذلك:
أولاً: أنه يجب على قارئ كلام الله تعالى أن يُخلص نية قراءته لله، وأن يبتغي بها رضاه. وبئس البدلُ واللهِ أن تترُك أعمالك، وتنقطع عن مهماتك، وتمكُث في المسجد لا لتعود بالربح والفلاح، ولكن لتبوء بالخسران. فراقب قلبك ونفسك، وليكن نظرُ اللهِ قصدَك، لا نظرُ فلان أو فلان عن جندب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سَمَّع سَمَّعَ اللهُ به، ومن يرائي يُرائي الله به)) متفق عليه.
ثانياً: ينبغي لمن يقرأ القرآن أن يكون على طهارةٍ حسية ومعنوية، فحرام على القلوب المتنجِّسة بنجاسة الشهوات المحرَّمة، والصور الصادة عن ذكر الله أن تتلذذ بالقرآن، أو أن يُفتح عليها من أسراره وبركاته. وكذا ينبغي عليه أن يتحرى أن يكون حال قراءته للقرآن متوضئاً، إذ أخبر الله تعالى عن اللوح المحفوظ المتضمِّن للقرآن ولما سواه أنه لا يمسُّه إلا المطهَّرون، وَوَصَفَ هؤلاء الملائكةَ المذكورين في الآية بوصف الطهارة لملاحظة معنى هذه الصفة، ولذا فالمنبغي لمن مس القرآن صرفاً أن يكون متوضئاً. وجمهور العلماء يُجيزون قراءة القرآن عن ظهر قلب للمُحدِث حدثاً أصغر، ويمنعون من مس المصحف إلا بطهارة، ويُفرِّقُ أكثر العلماء في الحكم في ذلك بين الكبير والصغير، فيجوِّزون مس المصحف من غير طهارة للصغير ولا يجوِّزونه للكبير، لما في إلزام الصبيان بالوضوء في كل مرة من تنفيرهم عن قراءة القرآن، ولما فيه من مشقة ظاهرة. إلا أن المحافظة على قراءة القرآن أو مسِّه على طهارة- من كمال الأدب مع كتاب الله، والله أعلم.
ثالثاً: يستحب السواك قبل قراءة القرآن، قال يزيد بن أبي مالك: إن أفواهكم طرقٌ من طُرق القرآن؛ فطهِّروها ونظِّفوها ما استطعتم.
وقال الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الآجري رَحِمَهُ اللهُ: وَأَحِبُّ لِمَنْ أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نِهَارٍ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يَسَتَاكَ؛ وَذَلِكَ لِتَعْظِيمِ الْقُرْآنِ، لأَنَّهُ يَتْلُو كَلامَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَدْنُو مِنْهُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وَيَدْنُو مِنْهُ الْمَلَكُ، فَإِنْ كَانَ مُتَسَوِّكَاً وَضَعَ فَاهُ عَلِى فِيهِ، فَكُلَمَّا قَرَأَ آيَةً أَخَذَهَا الْمَلَكُ بِفِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَسَوَّكَ تَبَاعَدَ عَنْهُ. فَلا يَنْبَغِي لَكُمْ يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَنْ تُبَاعِدُوا مِنْكُمْ الْمَلَكَ؛ فَاسْتَعْمِلُوا الأَدَبَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَهُوَ يَكْرَهُ إِذَا لَمْ يَتَسَوَّكْ أَنْ يُجَالِسَ إِخْوَانَهُ. اهـ
عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام للتهجد من الليل يَشُوصُ فاه بالسواك، متفق عليه. قال البيهقي: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إنما كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِلصَّلَاةِ، وَلِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
رابعاً: من آداب قراءة القرآن عند جمع من العلماء: استقبالُ القبلة حال القراءة. نَصَّ على ذلك: الآجريُ، والغزالي، والقرطبي، والنووي، والسيوطي وغيرهم، واستدلوا لذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لكل شيء سيداً، وإن سيدَ المجالس قُبالةُ القبلة)) رواه الطبراني وحسَّنه الشيخ الألباني.
قال النووي رحمه الله: ولو قرأ قائماً، أو مضطجعاً، أو في فراشه، أو على غير ذلك من الأحوال= جاز، وله أجر، ولكنه دون الأول.
خامساً: من آداب قراءة القرآن الكريم الاستعاذةُ قبل قراءته، قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} يقول الشيخ السعدي –رحمه الله-:
أي: فإذا أردت القراءة لكتاب الله الذي هو أشرفُ الكتب وأجلُّها، وفيه صلاحُ القلوبِ والعلومُ الكثيرة؛ فإن الشيطانَ أحرصُ ما يكون على العبد عند شروعه في الأمور الفاضلة، فيسعى في صرفه عن مقاصدها ومعانيها= فالطريقُ إلى السلامة من شره الالتجاءُ إلى الله، والاستعاذةُ به من شرِّه، فيقول القارئ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" متدبِّراً لمعناها، معتمدا بقلبه على الله في صرفه عنه، مجتهداً في دفع وساوسه وأفكاره الرديئة، مجتهداً على السبب الأقوى في دفعه، وهو التحلي بحلية الإيمان والتوكل. اهـ
قال العلماء: ومعنى الاستعاذة: أن المستعيذَ بالله يقول: أستجير بجناب الله، وألجأُ إليه، وأعتصمُ به من شر الشيطان الرجيم العاتي المتمرِّد- أن يضرَّني ويُغويَني ويُضلني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أُمرتُ به، أو يحثَّني على فعل ما نُهيت عنه؛ فلا يدفع شرَّه وضُرَّه عني إلا اللهُ رب العالمين.
ولأن الاستعاذة بهذا المعنى- قال ابن الجزري في الجماعة يقرؤون القرآن هل تكفي استعاذةُ بعضهم أم أنه لكلٍ منهم استعاذة؟، قال: والظاهر الاستعاذة لكل واحد؛ لأن المقصود اعتصامُ القارئ، والتجاؤه بالله تعالى عن شر الشيطان... فلا يكون تعوُّذُ واحدٍ كافياً عن آخر. اهـ
قال النووي: فإذا أراد الشروع في القراءة استعاذ فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... وكان جماعةٌ من السلف يقولون: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ولا بأس بهذا، ولكن الاختيار هو الأول. اهـ
سادساً: أن يُبسمل بعد الاستعاذة، وقبل الشروع في القراءة. ومعنى البسملة في هذا الموضع أن القارئ يقول: أبدأُ بتسمية الله وذِكرِه قبل كُل شيء، مستعيناً به جل وعز في جميع أموري، طالباً العون منه؛ فإنه القادر على كل شيء سبحانه وتعالى. وقد اتفق العلماء على أن البسملة عند قراءة القرآن مستحبة سوى سورة براءة. قال القرطبي: يُستحب أن يستعيذ بالله عند ابتدائه القراءة من الشيطان الرجيم، ويقرأَ (بسم الله الرحمن الرحيم) إن كان ابتداءُ قراءته من أول السورة. وقال الزركشي: ولا بد من قراءة البسملة أولَ كل سورة. ومما يُستدل به على ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا!! فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُورَةٌ)) فَقَرَأَ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) )) رواه مسلم.
ويدل عليه كذلك إجماعُ الصحابة رضي الله عنهم على كتابة البسملة في المصاحف في أول السُّوَر عدا براءة.
وأما إن كانت قراءته من أثناء السورة وليس من أولها فقد ذهب أكثرُ القراء إلى أنه يجوز له الإتيانُ بالبسملة وعدمُ الإتيان بها، وتتأكدُ البسملة في نحو قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ...}، وقولِهِ: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ...} ونحو ذلك من المواضع التي في أولها ضميرٌ يعود على الباري تعالى؛ قالوا: لما في ذِكْرِ ذلك بعد الاستعاذة من البشاعة، وإيهامِ رُجوع الضمير إلى الشيطان.
سابعاً: ومما يُستحب لقارئ القرآن أن يرتِّل القرآن كما قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} قال ابن عباس: بيِّنهُ تبييناً. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرتِّلُ السورة حتى تكون أطوَلَ من أطولِ منها، كما رواه مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها. وسئل أنس رضي الله عنه: كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مداً؛ ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم، رواه البخاري.
قال الغزالي رحمه الله: واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبر؛ فإنَّ العَجَميَّ الذي لا يفهم معنى القرآن يُستحب له في القراءة أيضا الترتيلُ والتؤدةُ؛ لأن ذلك أقربُ إلى التوقير والاحترام، وأشدُّ تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال. اهـ
فهذا حُكم تزيين الصوت بترتيل القرآن والتمهُّل في قراءته، وأما الاستعجالُ في القراءة فقد يكون مكروهاً، فقد اتفق العلماء على أن الإسراعَ المُفرطَ الذي يُخل بالحروف، والحركات والسكنات الواجبة= أنه مكروه؛ قال ابن مسعود: إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يُجاوزُ تراقيَهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسَخَ فيه نفع.
ثامناً: ومن آداب قراءة القرآن تحسينُ الصوت به، والصوتُ الحسن يعين على التدبُّر والخشوع والخضوع لله. وقد اتفق العلماء على استحباب تحسين الصوت بقراءة القرآن، وأنه سُنة. قال أحمد بن حنبل: يُحسِّنُ القارئُ صوتَه بالقرآن، ويقرأه بحزنٍ وتدبُّر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أَذِنَ الله لشيءٍ كما أذن لنبيٍ حَسَنَ الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)) رواه البخاري ومسلم واللفظ له. قال ابن كثير رحمه الله: ومعناه أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبيٍ يجهرُ بقراءته ويُحسِّنها؛ وذلك أنه يجتمعُ في قراءة الأنبياء: طيبُ الصوت لكمال خلقهم، وتمامُ الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك وهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم... ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغُ كما دل عليه هذا الحديث العظيم. اهـ
وثمة آدابٌ أُخرى لعلنا أن نأتي عليها في مناسبة قادمةٍ إن شاء الله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، له الحمد وله الشكر، وله الثناء الحسن، وأشهد ألا إله إلا الله الرحمن الرحيم، وأشهد أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم رسولُ رب العالمين، المرسولُ بالهدى والصراط المستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً.
أيها المسلمون ويمضي الشهر ويحمل لنا في طياته رحمةَ من أراد الله به الخير والهُدى، ومكرَ الله بآخرين ممن استهوتهم الشياطين، فخسروا في موسم الربح، ونقصوا في موسم الزيادة {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}، وأُعلِّق من ذلك على أمرين تعليقاً سريعاً:
أولاً: نبأ محاولة اغتيال مساعد وزير الداخلية عن طريق حيلة غادرة لئيمة. وشرُّ الخديعة الإساءةُ إلى من أحسن إليك، وشر الأعمال قتل نفسٍ مسلمةٍ بغير برهانٍ من الله في حل قتلها، وشر الطرق أن يكون ذلك بقتل النفس لا عن بيِّنةٍ وثَبَت، ولا في مصلحةٍ ظاهرةٍ للمسلمين. فإن كان هذا في شهر الغفران، والصلح بين الإخوان، فكيف يكون مثل هذا الفعل.
فنسأل الله أن يهدي ضال شبابنا، وأن يردهم إلى جادة الحق والصواب، وأن يجعل بأسهم وسهامهم موجهةً إلى أعداء الأمة لا إلى داخلها.
والأمر الثاني: التحذير من أهل الفجور والانحلال، وهم الطرف الآخر لمعادلة الفساد في مجتمعنا، حيث بذلت وسائل الإعلام جهودها، ومكَّنت أجمل قوالبها لأطياف مختلفة من الناس، والمؤسف أن يكون بعض أوسع البرامج متابعة بأيدي غير أمينة تكتب مضامينه أو سيناريو حلقاته لتملأها بالكذب والافتراء. وهنا أقول لك أخي الموفق، استعمل عقلك، في محاكمة ما يقول هؤلاء، ولا تكن إمعةً تصدِّقُ كل ما يُقال لك. فإن قالوا: المناهج، فاطلع بنفسك على المناهج، وإن تنقصوا أحكاماً شرعية ظاهرة، فاسأل، وتعلَّم، فبعضُ ما يستنكر المنافقون عليمو اللسان- من الأحكام المتفق عليها بين جميع علماء المسلمين متشددهم ومتساهلهم، وإن صوَّروا بعض مرافق البلد أو بعض الموظفين بصفات غير مستحسنة فتلفَّت من حولك، فلا بد أن لك قريباً أو صديقاً هناك فتبيَّن منه جليَّة الأمر. وأما إن كان الغمزُ واللمز بالأحكام الشرعية، ولو تلبَّس بلبوس نقد أصحابها، أو نقد التشدد فأحذِّرك الله، وأخوِّفُ نفسي وأخوِّفُك به، فالله عالم بالسرائر، والخطأ في السكوت في مثل هذه المسائل خيرٌ من الخطأ بالكلام والزلل {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ}.
استفدت أثناء إعداد هذه الخطبة من رسالة ماجستير غير منشورة، مقدمة لقسم التفسير بكلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، بعنوان: آداب القارئ والقراءة لكتاب الله تعالى. إعداد: د. عبد العزيز بن عبد الله الجربوع. 1412 .