الحمد لله الذي خلقنا لعبادته، واصطفى لنا خير دينه وأفضل رسله، وجعلنا من خير أمةٍ أُخرجت للناس، ودلنا على زكاة أنفسنا وفلاح دنيانا وأُخرانا. أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه وأستغفره، وأسأله بركة العمر، وتيسير الطاعة.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. صلى الله عليه وسلم ما صلى المصلون، وصلى الله عليه وسلم ما ذكر الذاكرون، وصلى الله عليه وسلم ما اقتفى أثره المهتدون، اللهم أحينا على سنته، وأمتنا على ملته، وارزقنا الاستقامة على دينه.
أما بعد، فإن خير الحديث كتابُ الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة.
أيها المسلمون، يتحرى كثير من الناس بزكاة أموالهم هذا الشهر الكريم، شهرَ الجودِ والإحسان، وزكاة المال شعيرة ربانية، وركن من أركان الدين، لا يتم إسلام المرء المسلم إذا وجبت عليه إلا بتأديتها.
وقد أوجب الله الزكاة في المال، وأمر في غير موضعٍ من كتابه قائلاً: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}، ورغَّب فيها ببيان بعض مصالحها، وفوائدها للمزكي نفسِه فقال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، وجعلها سبحانه تدور وتعود على الموسر من عباده كلما تجدد سببها من دوران الحول وغيره، وتولَّى سبحانه وبحمده بيان مستحقيها بنفسه؛ فأنزل قُرآناً يُتلى إلى يوم القيامة يبيِّن فيه أصناف المستحقين للزكاة، فقال سبحانه وبحمده: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، فبيَّن أنه إنما تعطى الزكوات الواجبة للفقراء المحتاجين الذين لا يملكون شيئًا, وللمساكين الذين لا يملكون كفايتهم, وللسعاة الذين يجمعونها ما لم يكن لهم رزقٌ من بيت المال على عملهم هذا, وللذين تؤلِّفون قلوبهم بها ممن يُرْجَى إسلامُه أو قوةُ إيمانه أو نفعُه للمسلمين, أو تدفعون بها شرَّ أحد عن المسلمين, وتُعطى في عتق رقاب الأرقاء والمكاتبين, وتُعطى للغارمين لإصلاح ذات البين, ولمن أثقلَتْهم الديون في غير فساد ولا تبذير فأعسروا, وللغزاة في سبيل الله, وللمسافر الذي انقطعت به النفقة, هذه القسمة فريضة فرضها الله وقدَّرها، والله عليم بمصالح عباده, حكيم في تدبيره وشرعه.
فسبحان من أوجب وعفا، وقدَّر ويسَّر، وضيَّق ووسَّع، ووسَّع وضيَّق، وسَّع على الغني في معيشته- وضيَّق عليه في شأن إخراج زكاته، وضيَّق على الفقير أسباب رزقه- ووسَّع عليه باستحقاقه للزكاة لا منَّ فيها للمعطي، ولا منة على الآخذ. فسبحانه من ملك قديرٍ حكيمٍ خبير.
وهل لشهر رمضان مزيةٌ خاصةٌ لإخراج زكاة المال فيه؟ رمضانُ شهرُ الجود والإحسان، إلا أن تكلَّف جعل زكاة المال في رمضان من ل عام لا يخلو من بعض إشكالات، فمن ذلك أن بعض الناس قد يؤخر إخراج زكاة ماله عن وقتها ينتظر بها رمضان، وتكون قد وجبت في ذمته، وهذا الفعل فعلٌ محرَّمٌ على أرجح أقوال العلماء، فلا يجوز لمن حل وقت زكاته أن يؤخرها عن وقتها، إلا زمناً يسيراً جداً إذا كان في تأخير إخراجها مصلحةٌ شرعيةٌ معتبرة؛ كأن يعلمَ مستحقاً لها يرجو قدومه، يكون ذا حاجةٍ شديدة، أو يكون من ذوي الأرحام، ونحو ذلك.
والمفسدة الثانية من تحري أغلب الناس رمضان بزكواتهم أن دورة الرفق الاجتماعي، والتوسعة على المحتاجين من المرضى والعاجزين والأرامل واليتامى ونحوهم، تكون مختلة، فهي مكتظة دسمة في رمضان، ضعيفة هزيلة فيما سواه من شهور السنة، والمحتاج لا تكون حاجته في رمضان فقط، بل إن حاجته تكون في سائر العام. أضف إلى ذلك أن من بادر بزكاته في وقتها ولم ينتظر بها رمضان فإنه تحفزه نسائم الشهر وخيراته على بذل المزيد، وابتغاء المعروف، وربما أقعد الشيطان صاحب الزكاة عن ذلك، باعتباره قد أخرج مبلغاً كبيراً من المال، فربما عسُر على بعض الناس إخراج مالٍ سواه.
أيها المسلم، أخرج زكاتك في وقتها، عند استقبال حولها، سواءً كانت في رمضان أو في غيره، فإن زكيت أموالك في رمضان، فلا تنس نفسك من مزيد برٍ وإحسان، فإن من أحب عباد الله إليه: من تقرَّب إليه بالنوافل بعد الفرائض.
أيها المسلمون، وجعل الله في كلِ مالٍ زكويٍ ما يلائمه من المقدار، ومن الزمان. وحذَّر ربنا جل وتعالى من تأخير الزكاة عن مستحقيها، وجعله كبيرةً من كبائر الذنوب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له مالُه شجاعاً أقرعَ له زبيبتان، يُطَوِّقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه -يعني بشدقيه- يقول أنا مالك أنا كنـزك)) ثم تلا هذه الآية {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} رواه البخاري، ورواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله بنحوه. لا والله ما أنا قلتُه، ولا هي روايات لا يُدرى ما هي، ولا هي أحاديث الوعاظ، ولكنه قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلَّم، أخرجه عنه أصحابُ أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى: البخاري ومسلم.
وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين)) رواه الطبراني في الأوسط وغيرُه، وصححه الألباني.
وروى الطبراني وغيره عن ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لم يمنعْ قومٌ زكاةَ أموالِهم إلا مُنعوا القطرَ مِنَ السماء ولولا البهائم لم يمطروا)).
بل إنه صلى الله عليه وسلم ذكر في بعض الأحاديث أنواعاً من الأموال المستحقة في الزكاة ثم قال: ((من أعطاها مؤتجراً –يعني طالباً للأجر من الله في إعطائها- فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمةً من عزمات ربنا عز وجل)) ثم بيَّن قائلاً: ((ليس لآل محمد منها شيء)) رواه أبو داود وغيره. فعاقب صلى الله عليه وسلَّم من لم يُخرجها باختياره، وهي مقدارٌ قليل بأن جعل حُكمه أن تُؤخذَ منه، ويؤخذَ فوقها شطرَ ماله، عقوبة له على هذا الصنيع، الذي هو منعُ الفقراء حقهم الذي أوجبه الله لهم من مالك.
وإن امتنعت طائفةٌ من المسلمين عن أداء الزكاة قوتلوا حتى يؤدوها، وقد أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الحُكم، وهذا القتال.
أيها المسلمون، وتجب الزكاة على المسلم البالغ العاقل، الحر المالك للنصاب، ولا تجب على الكافر ولا تصح منه، وتجب في مال الصبي والمجنون، والهرِم، والمال الموروث الذي لم يُقسم إن حال عليه الحول وهو على حاله لم يُقسم، لعموم الأدلة في وجوب الزكاة، ولقول عمر رضي الله عنه فيما رواه الشافعي والطبراني وغيرهما: ((ابتغوا –أو اتجروا- في أموال اليتامى لا تأكلْها الصدقة)). وهذا القول بوجوب الزكاة في مال الصبي ونحوه مرويٌ عن عمرَ وعليٍ وعبدِ الله بنِ عمرَو عائشةَ وجابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهم.
وتجب الزكاة في الذهب والفضة والتجارات إذا حال عليها الحول وبلغت النصاب، وكذا في الماشية، وتجب في الزروع والثمار في يوم حصادها كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} فما كان منها يُسقى بمؤونةٍ وكُلفة ففيه نصف العشر، وما كان مما يُسقى بماء السماء ففيه العُشر، ويجب الخُمُس في الخارج من معادن الأرض من ذهبٍ وفضةٍ وحديد وغيرها، ومما يخرج من البحر من سمكٍ ولؤلؤٍ ونحوه إذا بلغ المستخرج منه نصاباً.
أيها الناس، ويشترط العلماء في (المال) الذي تجب فيه الزكاة: المُلكَ التام، فلا زكاة في مالٍ سرقه لصٌ وأيس صاحبُه من استعادته، ولا في الأموال التي ليست لمعيَّنين من الناس كـأموال بيت مال المسلمين، ولا في أموال الجمعيات الخيرية وما أشبهها من الأموال التي تُجمع لتوزع على الفقراء، وتُنفق في وجوه الصدقة. والدليلُ على اشتراط الملك التام مثلُ قولِه تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}، وقولِه: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}، وغيرها من الأدلة.
وأما الأموال التي يشترك فيها مجموعةٌ معيَّنون من الناس في تجارة أو ماشية أو نحوها، فلا زكاة فيها على أحدٍ من الشركاء ما لم يبلغ نصيبه المملوك له من هذه التجارة أو الماشية نصاباً مع بقية ماله عند جمهور علماء المسلمين. وأما مال الرجل الواحد إن كان متفرِّقاً في البلدان فإن تفرُّقه غير مؤثر، فإن بلغ مجموعه نصاب الزكاة وجبت فيه الزكاة، ولو كان متباعداً.
وأما بالنسبة للديون، فزكاة الدين أي المال الذي لك على آخرين يختلف باختلاف حال المدين؛ فإن كان الذي استدان منك موسرٌ باذلٌ مقرٌ فعلى صاحب الدين أن يزكي هذا المال، مع ماله الحاضرِ في كل حول؛ وأما إن كان الدين على مُعسرٍ لا يُرجى يساره، أو على جاحدٍ لا بيِّنة عليه فالأرجح أنه يزكيه إذا قبضه لسنةٍ واحدة، وهذا مذهب مالك ورواية عن أحمد، واختيار اللجنة الدائمة للبحوث العملية والإفتاء.
ويشترط كذلك في المال الذي تجب تزكيته: النماء، نص عليه الفقهاء الحنفية، وبهذا الشّرط خرجت الثّياب الّتي لا تراد لتجارةٍ سواء كان صاحبها محتاجًا إليها أو لا، وأثاثُ المنزل، والعمائر والبيوت والعقارات غير المراد بها التجارة، والكتبُ لأهلها أو غير أهلها، وخرجت الأنعام الّتي لم تعدّ للدّرّ والنّسل، بل كانت معدّةً للحرث، أو الرّكوب، أو اللّحم.
وأما الذّهبُ والفضّةُ فلا يُشترط فيهما النّماء بالفعل؛ لأنّهما للنّماء خلقةً، فتجب الزّكاة فيهما، نوى التّجارة أو لم ينو أصلًا، أو نوى النّفقة.
ومن شروط وجوب الزكاة في المال: دوران الحول عليه، والمراد بالحول أن يتمّ على المال بيد صاحبه سنةً كاملةً قمريّةً، فإن لم تتمّ فلا زكاة فيه، ويُخطئ بعضُ الناس بعد أن ابتُلي الناس بالتأريخ بتاريخ الكفار فيُخرجون زكواتهم بحسب دوران الحول بالسنة الميلادية الشمسية، وهو غير جائز، وفيه بخسٌ لحقوق الفقراء، بتضييع حقهم، وزيادة أيام لم يأذن الله بزيادتها، فيجب على من كانت حساباته أو حسابات شركته تتم باعتبار التاريخ الميلادي، أن يحتاط لزكاته، ويحسبها ثم يُخرجها قبل ذلك الوقت.
وإن استفاد المرء مالاً أثناء الحول، فإن كان هذا المال المُستفاد من نماء المال الذي بدأ حوله مثل ربح التجارة، وولد البهيمة السائمة، فهذا لا إشكال في أنه يزكيه مع أصله متى استتم الحول. وأما إن كان المال المستفاد مالاً آخر لا هو من نماء المال الأول، ولا هو من جنسه كأن يكون مالكاً لذهب فيحدثُ له مِلكٌ على إبل أو غنم، وفي هذه الحالة يكون لكلٍ من المالين حوله المستقل عن المال الآخر. وأما إن كان استفاد مالًا من جنس نصابٍ عنده قد انعقد حوله، وليس المستفادُ من نماء المال الأوّل فهذا يضمه إلى المال الذي عنده في تكميل النصاب، ويُخيَّر بين استقبال حولٍ جديدٍ له، وبين ضمه إلى حول المال الآخر، وتعجيله بإخراج زكاتهما في حول المال الأول، والله أعلم.
ومن شروط وجوب الزكاة في الأموال وغيرها أن يبلغ المال نصاباً. والنّصاب مقدارٌ المال الّذي لا تجب الزّكاة في أقلّ منه، وهو يختلف باختلاف أجناس الأموال الزّكويّة؛ فنصاب الإبل خمسٌ منها ، ونصاب البقر ثلاثون، ونصاب الغنم أربعون، ونصاب الذّهب عشرون مثقالًا، ونصاب الفضّة مائتا درهمٍ، ونصاب الزّروع والثّمار خمسة أوسقٍ. ونصاب عروض التّجارة مقدّرٌ بنصاب الذّهب أو الفضّة.
وفي بعض ذلك تفريعات وخلاف لا يتسع المجال للخوض فيه.
والحكمة في اشتراط النّصاب واضحة والعلم عند الله تعالى، وهي أنّ الزّكاة وجبت مواساةً، ومن كان فقيرًا لا تجب عليه المواساة، بل تجب على الأغنياء إعانته، فإنّ الزّكاة تؤخذ من الأغنياء لتردّ على الفقراء.
والمرجَّح من أقوال العلماء اشتراط وجود النصاب كحدٍ أدنى للمال في جميع الحول، فإن نقص ماله عن النصاب في الشهر الحادي عشر مثلاً، دون احتيال لإسقاط الزكاة؛ انقطع حوله حتى يملك نصاباً مرة أخرى، فإن ملكه استقبل به حولاً جديداً، ولا يجب عليه تزكية هذا المال إلا بعد سنة كاملة.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، ويسِّر علينا أداء ما أوجبت علينا من طاعتك، ولا تجعل لأحد علينا حقاً واجباً إلا أعنتنا على أدائه، والتخلصِ من تبعته يا رب العالمين.