إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستنصره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونسأله الهداية في جميع أحوالنا، والتوفيقَ للقيام بأمره ابتغاء مرضاتِه.
وأشهد ألا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله، ونبيه ووليُّه، الذي ارتضى دينه، وخلَّد أمتَه، وجعلهم على العالمين شهوداً، ثم جعله عليهم شهيداً. صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أهل السؤدد، وعلى تابعيه من بعده ما حادوا وما تغيروا عن العهد، وسلِّم تسليناً كثيراً.
أخي المبارك، إنما مَثَلُ الحياة الدنيا كأرضٍ كبيرة مُجدبة أنزل الله عليها من السماء ماءً في حينٍ من الدهر فأثمرت، وأينعت ثمرتها، ثم طال عليها الأمد فسقاها بماء آخر جدَّد نُضرتها وأعاد إليها بهجتها، حتى إذا طال الأمدُ ثانية تبدَّل الخِصب محلاً، وعادت البهجة وحشة... حتى أذِن الله بماء مبارك ملأ الربوع، وسالت به الأودية، وأذن لأهله بحفظه وحمايته؛ فنبت به -بإذن الله- الزرع، وأدر الله لهم به الضرع، وعادت الثمار مبتهجة سخية. فكلما انتُقص أهلُ هذه الأرض من معيشتهم هُرعوا إلى حياض الحيا، وعيون الماء= فذلك مثل ما بعث الله به أنبياءه ورُسُله من هداية الوحي، الذي لا يستغني عنه الناس لصلاح معاشهم فكيف بصلاح معادهم؟!، وهو مَثَلُ الأنبياء؛ أَتَوا الناس بوحي لم يَبْقَ فيهم إلا يسيراً، ثم أذن الله أن يُنزل على رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلَّم هدايتَه التي لن تزالَ في الناس، ما كان بالناس إليها حاجة، ولهم في هذا الوحي أرَب، ولهم إليه مراجعة. فما داموا كذلك فلهم من كل مَحلٍ خِصبٌ بإذن الله، ولهم من كل شدة فرجٌ، ومن كل بلاء عافية. وإذا استغنوا وأذن الله بعدم انتفاعهم بهدايته التي أنزلها لينتفعوا بها= أخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق، فلا حاجة لبقاء البشر بعد أن أغلقوا باب هدايتهم، واستغنوا عن صلاح دينهم ودنياهم، وعلى هؤلاء تقوم الساعة، وهم شرار الخلق عند الله، والعياذ بالله.
أخي الموفق، وبينما الناس في بستانهم الذي أينع وأثمر، واخضر بالنعمة وأورق إذْ هُم بالرياح والآفات تنتابهم!، فكان بعضُ النبات صغيراً ليِّناً استكان للعاصفة وتجنَّب أذاها؛ فمرَّت العاصفة وبقي هذا النبات وعاد كما كان، بل إنه اكتسب من العاصفة قوة. وكان من النبات نباتٌ قد اشتد بالأرض تعلُّقُه، واستوعب منها حظَّه، وانتفش كأنْ لا حوادث تعتريه ولا رِيَبٌ من الزمان تبتليه، فصمد لأول العاصفة، ثم أصابه زفيفُها، فَرِيحَت الشجرة، ثم كان أن سقطت سقطةً واحدة؛ لا خير فيها، ولا بقاء بعد العاصفة لها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ يَفِيءُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا، فَإِذَا سَكَنَتْ اعْتَدَلَتْ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللهُ إِذَا شَاءَ)) رواه البخاري.
وفي لفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيثُ أتتها الريح كفأتها فإذا اعتدلت تكفَّأَ بالبلاء. والفاجر كالأرزة صماءَ معتدلةً حتى يقصمَها الله إذا شاء)).
وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ((مثل المؤمن مثل السنبلة تستقيم مرة وتخر مرة، ومثل الكافر مثل الأرزة لا تزال مستقيمة حتى تخر ولا تشعر)) حم
يا عباد الله، إن صلاح المؤمنِ وأهلِ الإيمان إنما هو باستمدادهم من وحي الله ونورِه الذي أنزله عليهم والذي فيه ذكرٌ لهم في العالمين {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.
ومع تمسُّكهم بهُداه فإن الله يمتحنهم في صدقِ الإيمان، وقوةِ اليقين فيبتليهم بالمصائب والفتن، ويعرِّضُهم للشبهات والشهوات. فمن كان مستيقناً بدينه وربِّه، وعلى بصيرةٍ من أمره وصدقِ رسولِه لم يغُرَّه تخليطُ المخلِّطين، ولا دعاوى المدَّعين، الذين استهوتهم الشياطين. ومن كان ضعيفَ اليقين، متلجلجَ الإيمان، في صدرِه حرجٌ من أمر الله وشرعه= اقتلعته رياحُ الفتَن حتى يكون انجعافُه ومهلِكُه، والعياذ بالله. {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
أحبتي في الله، وقد يكون البلاء النازل بالمؤمن تبصرةً له وتذكيراً ألَّا يكون حالُه كحال الفجار والمنافقين، وألا يُؤثرَ الحياةَ الدنيا على الآخرة، وألا يُؤثرَ حظَّه وشهوتَه على حظِ الدين وأوامرِ الله تعالى، وقد يكون عقوبةً على تركِ الناس أمرَ الله، وابتغائِهم الفتنة في دين الله. وحين تُطلبُ الدنيا بالحلال والحرام، ويُستهانُ بحرمات الله، ويفشو المنكر، ويُؤكلُ الربا، ويُشَرَّعُ الباطل، وتُخرسُ دُعاة الحق، وينطقُ كلُّ تافهٍ رويبضة، ويُعرفُ المُنكَرُ ويُنكَرُ المعروف، ويُستدلُّ بالحق على الباطل، ويُستعلى بالباطل على الحق، وحين يعيبُ قومُ لوط طهارةَ آل لوط: {أخرجوا آل لوطٍ من قريتكم إنهم أناسٌ يتطهرون}، وحين يَقبضُ الناسُ على الذئب بعد جنايته فلا يُطلقه إلا الراعي، ويُبرَّاُ الجاني، ويُعانُ على الخلاص بل وعلى الاستمرار في الجناية، وحين تُمنع بعض سُوَر القرآن في بلد إسلامي بحجة أنها مصدرٌ للتطرف، وحين يسعى ويجهدُ شخصيةٌ في أعلا المناصب الدينية لخلع حجاب طالبة صغيرة، ويستهزئ بها وبنقابها، ويقول لها أنا أعلم بالدين منك ومن اللي خلفوك، وحين تُمنع كُتُبُ الهُداةُ ومنهم ابنُ تيمية وابنُ باز والشيخ محمد الحمد ويُوَجَّه إلى دور النشر في دولةٍ مسلمة بمعاقبة من يبيعها ومصادرتها منه= حينئذٍ يكون المعروف منكراً، ويكون المُنكر معروفاً، وحينئذٍ تنزل العقوبة، وتَحيقُ بالدين والدنيا الدوائر.
تُعَدّ ذُنوبي عندَ قَوْمٍ كثِيرَةً |
ولا ذَنْبَ لي إلا العُلى والفواضِلُ |
فوا عَجَبا! كم يدّعي الفضْلَ نَاقصٌ |
ووا أسَفا! كم يُظهِرُ النّقصَ فاضل |
وكيف تَنامُ الطيرُ في وُكُناتِها |
وقد نُصِبتْ للفَرْقَدَينِ الحَبائلُ؟ |
إذا وَصَفَ الطائيَّ بالبُخلِ مادِرٌ |
وعَيّرَ قُسّاً بالفَهاهةِ باقِلُ |
وقال السُّهى للشمس أنْتِ خَفيّةٌ |
وقال الدجى يا صُبْحُ لوْنُكَ حائلُ |
وطاوَلَتِ الأرضُ السّماءَ سَفاهَةً |
وفاخَرَتِ الشُّهْبَ الحَصَى والجَنادلُ |
فيا موْتُ زُرْ! إنّ الحياةَ ذَميمَةٌ |
ويا نَفْسُ جِدّي! إنّ دهرَكِ هازِلُ |
فإن كنْتَ تَبْغي العِزّ فابْغِ تَوَسّطاً |
فعندَ التّناهي يَقْصُرُ المُتطاوِلُ |
تَوَقّى البُدورُ النقصَ وهْيَ أهِلّةٌ |
ويُدْرِكُها النّقْصَانُ وهْيَ كواملُ |
ونحن وإن نقلنا هذا النقل عن الشاعر فإنا لا نوافقه في تمنيه للموت، فلا يجوز للمسلم تمني الموت لضُرٍ ينزل به، فإن كان لا محالة فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا الوفاة خيرا لي.
أحبتي في الله، كم نُصاب بالمصائب ونحن لا نشعر، أما ترون تسلُّط الكفار ومراسليهم ووكلائهم في بلادنا على أمتنا. فقد تسلَّط الكافرُ، وطمع اليهودي، وباتوا على أبواب المسجد الأقصى ينتهكون حُرمته، ويطؤون منه مواطئ تُغيظ أهل الإيمان، على عادتهم فيما يُعرف بمسيرات (شد الظَّهر) أو (أسوار القدس) التي يقوم بها متطرفون يهود إلى القدس، لا سيما إلى حائط المبكى خصوصا في بعض أعيادهم ومناسباتهم (كعيد الغفران) أو (يوم كيبور) الذي حل قبل أسبوع، و(عيد العرش أو المظلة) الذي من المقرر أن يحتفلوا به مطلع الأسبوع القادم... إلا أن الجديد في الأمر معاونةُ الشرطة لهم، وتماديهم في غيِّهم وضلالهم، في وسط سكوت عربي وإسلامي، بل وفضيحة في تخليص العدوِّ الصهيوني من ورطته في ملف غلادستون الذي أدان اليهود فلم يجد اليهودُ من يبرئهم من هذه التهمة مثل من يتحدَّث بلسان الضحية ليكون جلاداً مثل الجلاد، وقاتلا مثل القتلة.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على القلب من وقع الحُسام المهنَّد
أليس من العقوبة أن يُسلَّط الأشرار على العلماء والأخيار؟!، ولنا في كل يوم من سفهاء الصُحُف تأويلاً للدين وتحريفاً، وتسفيها للرأي الرجيح وتقبيحاً.
ألم يكفنا عقوبةً أن يُسلَّطَ سفلةُ الناس على عامَّتهم، وأرذلوهم على عقلائهم، وطائشوهم على أهل الحلم والسكينة منهم. ولك في كل مناسبةٍ دليلاً، وفي كل قناة برنامجاً وبيلاً، وفي كل شارع قالاً وقالاً وقيلاً.
ألم يُسلَّط على الناس في أموالهم ومعايشهم؟! ألم يفشو من الأمراض والسرطانات ما لا عهد للناس به؟! ألم يختلْ من الأمن ويظهرْ من الفساد ما كنا نعيبه على شرق العالم وغربه ونحن منه في عافية؟!
كل ذلك مع جهودٍ للأطباء والمسؤولين ورجال الأمن تُدافع ذلك... إلا أن الخرق بدأ يتسع على الراقع.
ما الجديد؟! وما الذي تغيَّر على حياة الناس؟!
هل السبب انتشار الصحويين، وأهل العلم والدين كما يُخلِّطُ كثيرٌ من الليبراليين ومن لفَّ لفَّهم؟!
أم السبب ازدياد قيام أهل العلم بواجب النصح لكل مسلمٍ بمُحكمات الشريعة على وفق قول عبادة بن الصامت وأبي ذر في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولغيرهم من الصحابة بأن يقولوا بالحق أينما كانوا لا يخافوا في الله لومةَ لائم؟!
أما إن الناس إذا أُخذوا بالسنين فلم يتوبوا، وجاءهم من أمر الله النذير فازدادوا غياً ولم يؤوبوا، فإن العقاب وبيل، وما لهم من الله من نصير: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.
أيها المسلمون، أعيذُكم بالله من أن يكون غايةُ هم الواحد عيشه ونكاحه، وطعامه وشرابه، ومرتَّبُه في آخر الشهر، وإرضاء زوجه أو مديره ولو في معصية الله تعالى. أُعيذُكم بالله من مثَل السوء من أن يكون الرجلُ بليداً كالرخم، أو كما قال الشاعر:
أبنيَّ إنَّ من الرجال بهـيـمةً |
في صورة الرجل السميع المُبصِرِ |
فطنٌ لكـل مصيــبةٍ في ماله |
وإذا أصيــب بدينه لم يَشعُرِ |
حتى لقد قال الحسن : بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي .وأقول إن بعضنا يسمع الصوت فيعرف من المُطرب، أو ينظر إلى الجهاز فيُخبرك بكامل مميزاته، أو يرى الطير في السماء في البر أو البحر فيُخبرك بفصيلته وجنسه وأوقات اصطياده، أو يعرف تفاصيل الدوري الإنجليزي، وكأس الواق واق وهو لا يُحسنُ أن يصلي، ولا يهتم لنقصان دين، ولا لظهور منكر أو خفوت معروف.
{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}
عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام أتته الجنودُ وعليه إزارٌ وخُفانِ وعمامةٌ، وأخذ برأس بعيره يخوضُ الماء. فقالوا له: يا أمير المؤمنين تلقاك الجنودُ وبطارقةُ الشام وأنت على هذا الحال!! قال: فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نتلمس العز بغيره.
فلا تلتمسوا عزَّكم بغير الإسلام يا عباد الله.
اللهم صل على محمد...
الحمد لله الذي بيَّن السبيل وأوضح الحق لمبتغيه، أشهد ألا إله إلا الله شهادة مَن تبرَّأ من مقولة كل كافرٍ سفيه، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله من جاء بالهدى وتبعه على دينه كل مهتدٍ نبيه، ممن تغلغل الدين في نفسه حتى فضَّله على أمِّه وأبيه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أيها المسلم، فإن قُلت لي: فأين المخرج؟ قلتُ لك: هذا كتابُ الله بين أيدينا، وهذا دينُ الله يحمله من بيننا رجالُ صدق. فأول الطريق أن نؤمن بكلام الله على مراد الله، وأن نؤمن ونصدِّق بكلام رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكفى بالمرء حظاً وعافيةً أن يفعل الخطأ والزلة وهو يراها زلة، ويستغفرُ الله منها، وكفى به سقوطاً ومكراً يمكره الله به أن يكون ممن يحرفُ الكلم عن مواضعه كحال يهود. وهؤلاء هم الذين سماهم علماء الإسلام على مرِّ العصور بأهل الأهواء، وشددوا عليهم النكير لما يترتب على تمكينهم وإلقاء السمع إليهم من بلايا ومصائب.
ثم إذا عرفت المعروف والمنكر، وحكَّمتَ الشرع لا الهوى، فلا يكونن الدينُ أهونُ عندك من ناديك الذي يناديك، وتتعصَّبَ له، فادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة، وقُلْ كلمة الحق، وغُضَّ من الباطل وأهله، فإن صولة الباطل ساعة، ولن يستكين بعد ساعته هذه إلا بمقارع أهل الحق من أمثالك، وأما الحق فقيامه وجولته فإلى قيام الساعة.
ولا بد للأمة ولي ولك من تجديد عهد الولاء والطاعة مع ربنا سبحانه وتعالى، لا بد من مراجعة البيعة بيننا وبينه سبحانه، لا بد من تجريد التوحيد، وصدق الانقياد والاستسلام، وبيع النفس له سبحانه. إن الجهاد في سبيل الله، أحبتي في الله دليل صدق الإيمان وقوَّتِه، ودليل محبة الله ورضوانه، ويجب ألا يغُرَّنا ركونُنا إلى الدنيا ومحبتنا لها، أو خطأُ من أخطأ فيما يسميه جهاداً وليس هو من الجهاد في سبيل الله في شيء= أقول يجب ألا يغرَّنا هذا ولا ذاك فنُلغي هذه الكلمة الشريفة من قاموسنا، أو أن لا نبايع الله على أن يكون انقيادنا لأمره يبلغ غايته حتى ولو كان ذلك قتلاً في سبيل، أو أن نفرِّطَ في حب الشهادة وإن كنا لسنا من أهلها، عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)) رواه مسلم. ولن يزال في هذه الأمة من يقوم بأمر الله ظاهراً به إلى قيام الساعة، ولو لم يكن منهم إلا مائتين من فتية الصدق يرابطون منذ أيام في المسجد الأقصى حماية له من رجس يهود، فشكر الله سعيهم، وأعظم الله أجرهم، وأكثر في المسلمين من أمثالهم.
يا عباد الله، ومن الثبات على الدين وصِدق المحافظة عليه= الحرصُ على إقامته في نفسك وأهلك وولدِك، وأن تقيهُم ونفسك النار، وألا يغُرَّك منهم كبَرٌ في السن، أو رتبةٌ في العلم، فإن الدين النصيحة، والمُشفقُ المُحب ينصح أهله وولده لأنه يخاف عليهم من عذاب الله، ومن سوء المنقلب والعياذ بالله.
ولا بد من قول كلمة الحق، ومن مناصرة الحق، ومن الأخذ بأسباب العدل في الحكم، والرأي، والتصوُّر، ومع كل الخلق
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويُكذَّبُ فيها الصادق، ويؤتمنُ فيها الخائن ويخوَّنُ فيها الأمين، وينطقُ فيها الرويبضة)) قيل: وما الرويبضة؟ قال: ((الرجل التافه يتكلَّم في أمر العامة)) رواه الإمام أحمد وغيرُه.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر وفتنة.
اللهم أصلح من في صلاحه صلاحُ الإسلام والمسلمين، وأهلك من في هلاكه صلاح الإسلام والمسلمين، وَوَلِّ على المسلمين خيارهم، واكفِهم شرور أشرارهم. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يُعزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذلُّ فيه المتعالي بمعصيتك، ويُؤمرُ فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المُنكر.
اللهم ادفع عنا الوباء، والغلاء، والزلازل، والفتن، والمحن، اللهم سلِّمنا وسلِّم منا، واجعلنا اللهم على دينك من الثابتين، وفي مرضاتك مسارعين. ونعوذ بك اللهم من خطل الرأي، وضلال المُعتقد، أو أن نكون ممن زُيِّنَ له سوء عمله فرآه حسناً.
اللهم سلِّم أبناءنا وبناتنا، وانفعهم بالعلم النافع، وجنبهم الأمراض والأخلاق الردية، وجنبنا وإياهم منكرات الأخلاق والأهواء، والاختلاط، ومرضِ متابعة النساء، واشغلهم بالنافع المفيد، وبما يصلح لهم الدنيا والآخرة.