الحمد لله ذي العزة والجمال، والكبرياء والعظمة والجلال، سبحانه وبحمده وهو الكبير المتعال، وأشهد ألا إله إلا الله له الأسماءُ الحُسنى، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، من أدَّبه ربُه فأحسن تأديبَه، وأكرمنا به فربانا وهدانا فما أحسن تأديبه وتهذيبه، صلى الله عليه وعلى آله من كل حسيبٍ وحسيبة، وعلى أصحابه الذي اتبعوه على الحق كتيبة كتيبة، وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم ينسى فيه الحبيب حبيبه، وسلَّم تسليماً مزيداً.
أما بعد فيا عباد الله، أيُّ منهجٍ خيرٌ من منهج الله ورسوله، وأي دين أحسن من دين رب العالمين الذي نقتفي فيه ملة أبينا إبراهيم، وأي تربية يُهدى لها مَن لم يهتدِ بنور الوحي ويأخُذْ بآدابه {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}النساء125.
ولما سألَ فرعونُ موسى وهارونَ عن رب العالمين، وقال: من ربكما (أنتما)؟ يقولها استكباراً عن أن يقول: ربي، {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى{49} قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} فأعلمه موسى صلى الله عليه وسلَّم بأن اللهَ هو الذي أعطى كلَّ أحدٍ –ومنهم فرعون- خلقَه، وأنه بَعد أن خَلَقَهم في ظواهرهم وخِلقتهم في أحسن تقويم؛ هداهم إلى ما يُكمِّل خِلقتهم هذه، فيسَّر لهم الحق، وأرسل لهم الرُّسُل، وجمَّلهم بالأدب، وكمَّلهم بالعلم، وَجَعَلَ في قلوبهم الرَّأفَةَ والرَّحمة، ودلَّهم على ما يُصلح الدين والدنيا.
أيها المؤمنون، جمالُ هذه النفوس، وكمالُ المحبة في قلوب الخلق، لا تكملان إلا بموافقة الصورة الباطنة لجمال الظاهر، وبحُسن التصرُّف والأدب واستعمال ما ينبغي مع من ينبغي في الوقت الذي ينبغي. أولئك الأكياس، الذين هُذِّبت طباعهم، وكُمِّلت آدابهم، وعرفوا كيف تكون المعاملة والأدب فأجدَرُ بأمثالهم أن يكونوا رؤوساً في كل خير، وأن يسبقوا إلى المعالي من كان سابقاً. ويدلهم ذلك على حُسن الأدب مع الله رب الأرباب سبحانه وتعالى. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تجدون الناسَ معادن –زاد مسلم: كمعادن الذهب والفضة- خيارُهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام إذا فقُهوا)).
إن الأدب عباد الله هو: التّصرُّفُ اللّائقُ الّذي يتّفقُ مع المروءة. وهو: استعمالُ ما يُحمد قولاً وفعلاً، ويُمكن أن نقول هو: الأخذُ بمكارم الأخلاق، أو الوقوفُ مع المستحسنات، مما حسُن في الشرع، أو العقل، أو العُرف، وتركُ القبيحات من التصرفاتِ مما يقبحُ في الشرع، أو العقل، أو العُرف. فتصرُّفات المرءِ دالَّةٌ على عقله، وكمالُ أدبه غالباً ما يكون من كمالِ عقله. ولذا فقد ورد في الأثر –وقد رُوي حديثاً ولكنه لم يصح-: ما نَحَلَ والدٌ وَلَدَه مِن نَحْلٍ أفضَلَ مِن أدبٍ حَسَن.
ولأجل هذا لَحَظَ بعضُ أهل اللغة تقاربَ ما بين العقل والأدب في جذر الكلمة: قال أبو زيد: أَدُبَ الرَّجُلُ يَأْدُبُ أَدَبَاً فهو أديب، وأَرُبَ يَأْرُبُ أَرَابَةً وأَرَبَاً في العقل فهو أريب. قال ابنُ منظور: الأدبُ: الذي يتأدَّبُ به الأديب من الناس؛ سُمِّيَ أَدَباً لأنه يأدِبُ الناسَ إلى المحامد –أي يدعُوهم إليها-، وينهاهم عن المقابح.
إن الأديب من الناس، من قام بحسن التصرُّف مع الخلق، واعتبر لكل حالٍ، ولكل إنسانٍ ما يليق به، فلكل مرتبةٍ أدبٌ، ولكل حالةٍ أدبها.
ولبعضِ الناس من الأدب الخاصِّ بالتعامل معه ما لا ينبغي لك تجاوزه، وتضييع حقِّه فيه؛ فللوالدين في التعامل معهما أدبٌ خاصٌ لا يبلغُ غيرُهما منزلة ما لهما عليك من الحق، وما ينبغي مِن التواضعِ وخفضِ الجناح، بل والذُل لهما: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}، وللمُعلِّم والشيخ أدبٌ فكما أن لوالديك عليك أبوةٌ دنيوية، فلمعلِّمِك عليك أبوَّةٌ بحسب ما تعلمت منه قد تكون دينية أو علمية أو نظرية، ولذلك فلا أجلَّ ولا أعلى كعباً من علماء الشريعة إذا جَمَعَ اللهُ لهم بين شرف العلم وشرفِ العمل؛ فيُشرعُ التواضُعُ لهم، والتلطُّف في نيل ما عندهم، وابتغاء القربة إلى الله بإكرامهم؛ إذ إكرامهم فرعٌ لإكرام ما يحملونه من أمانة دين الله.
إن المعلِّم والطبيــــبَ كلاهما |
لا يَنْـصَحان إذا هُما لم يُـكرما |
فاصبِر لدائكَ إن جفوتَ طبيبَه |
واصبِر لجهلِك إن جفوتَ مُعلِّماً |
وللكبير أدبٌ في تقدير شيبته، وخبرته، وفضله، وسابقيته عليك في الإسلام، ولصديق الوالدين أدبٌ يخصُّه، وهو تكميلٌ للأدب في حق الوالدين، وللقريب أدب، وللضيف أدب، وللغريب أدب، ولا يُحتملُ بعضُ العملِ والقولِ مِنك في مجلسٍ - بينما هو صحيحٌ لا غبار عليه في مجلسٍ آخر. فصديقُك ومن يعرفُك يحتمل منك، ويعرف عنك ما لا تُحاذر معه ببعض الترخُّص والتساهل، بينما لا يليق ذلك أمام الآخرين إذ يستسخفونك، ويحكمون بضعف عقلك، وما أنت كذلك.
ولكلّ حال أدب: فللأكل آداب، وللشراب آداب، وللرُّكوب والدُّخول والخروج، والسَّفر والإقامة، والنّوم والاستيقاظ، والكلام والصَّمت آداب. بل إن للتّبوّل ودخول الخلاء –أكرمكم الله- آداب. فعن سلمان رضي الله عنه، قال: قال له: بعضُ المشركين وهو يستهزئ به إني لأرى صاحبكم يُعلِّمَكم كُلَّ شيء حتى الخراءة!! قال: أجل؛ أَمَرَنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجيَ بأيماننا، ولا نكتفيَ بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم، رواه مسلم وأحمد واللفظ له.
ولما كان متقرِّراً أنه لا يكون شيء من الأمور بالناس إليه حاجةٌ ماسةٌ إلا جاءت هذه الشريعةُ المباركةُ بأحسنِه وجوامِعِه= رأينا أن الآداب النبوية التي جمعها أهل العلم من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلِه، ومن هدي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تأدَّبوا بأدبه= رأينا أن ذلك يتناول: برَّ الوالدين وتحريمَ عقوقهما، وعفافَ اللسان والتحذيرَ من آفاته، وصلةَ الأرحام وبيانَ عقوبة قاطعها، وفضلَ الإحسان إلى الضعفة من قريب أو بعيد، واللُّطفَ والرحمةَ في معاملة الزوجة والولد، وإحسانَ معاملةِ الجيران والوصاةَ بهم، وأبواباً في معاملة الخدم والعبيد، وحديثاً عن آداب الطريق، وتأصيلاً وتنويعاً في جميل وقبيح الضحك والمزاح، وآداباً في اكتساب المال والتصرُّف فيه، وفي الزيارة، والاستقبالِ، والتعاملِ مع البهائمِ، والهَجرِ، والبناء، وعيادةِ المرضى، ومعاملة الضيف، وحُسنِ اختيار الأسماء، وآداباً للعطاس، والتثاؤب، والسلام، والاستئذان، والجلوسِ، والطعام، والختان، والحُداء، والمكاتبةِ، والعلمِ، وغيرِ ذلك كثيرٌ كثيرٌ، مما هو زهرةٌ من حدائق هذه الشريعة الملأى بكل خير وجميلٍ وحكمة.
جمَّل الله خُلُقي وخُلُقَكم، وكمَّل أدبي وأدبَكُم، ورزقنا حُسن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهاك أخي المبارك، أدباً نبوياً واحداً نستدل برونقه على عبير ما وراءه من سُنته صلى الله عليه وسلم: فعن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف عن أبيه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ((لا يقولن أحدكم: خَبُثت نفسي، وليقل: لَقِسَت نفسي)) متفق عليه.
قال أبو عبيد: لَقِسَت وَخَبُثَت بمعنى، لكن كره - عليه السلام - لفظَ الخُبث وبشاعةَ الاسم، وعلَّمهم الأدب في المنطق واستعمال الحسن منه، وهُجران القبيح.اهـ وذلك لأن الخُبث هو الفِسق، ومنه قوله تعالى: {الخبيثات للخبيثين} فيكره أن يصف الإنسان نفسه بذلك من غير مُوجِب.
يا عباد الله، إن هذه الآداب هي لمن يعقلُ ما أنزل الله على رسوله، ولم تنهزم نفسُه، وتضعُفْ مَلَكَتُه لهي والله خيرُ الآداب، فأين منها قواعد الإتيكيت المزعوم، أين آداب الوضوء والخلاء والاستحمام والحث على نظافة الأجسام، من آداب الإباحية واختلاط الحلال بالحرام.
أي أحبتي، أما إنه بقدر التزامكم بسنته وأدبه صلى الله عليه وسلَّم بقدر ما تجملون وتجمُلُ فِعالُكم في عين الله، ثم في عين المخلوقين، وإن شوَّه ولبَّس المرجفون، أو تشوَّه أو التبس على المرجوفين.
ومن أعرض عن شيء من شرع الله استبدالاً له بما هو دونه من الطرائق كان كمن قال الله عنهم: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} فَمَن تركه ضعفاً وكَسَلاً فبحسبه، ومَن تركه استهجاناً واستخفافاً فبحسبه، وما الله بغافلٍ عما تعملون.
قال عبد اللّه بن المبارك- رحمه اللّه-: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السُّنن، ومن تهاون بالسُّنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة.
أيها المؤمنون، ومن عانى الأدب، وعرف له قدره، عَرَفَ أن أكمل الخلق وأحقَّهم باستعمال الأدب معه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فيحملُه احترامُه له صلى الله عليه وسلَّم، وإجلالُه لمقامه صلى الله عليه وسلم، ومعرفتُه لفضله عليه صلى الله عليه وسلَّم= أن يستعمل معه أكملَ الأدب، وكمالَ الموافقة والاتباع؛ فلا يتقدَّم بين يديه بأمرٍ ولا نهي ولا إذن ولا تصرّف حتّى يأمرَ هو، وينهى ويأذن، كما قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وهذا باق إلى يوم القيامة، لم ينسخ. ومن الأدب معه: أن لا يستشكلَ قوله، بل تُستشكل الأقوالُ لقوله. ولا يعارَضُ نصُّه بقياس، بل تُهدر الأقيسة وتُلقى لنصوصه. ولا يُحرَّفُ كلامُه عن حقيقته لخيال يسمّيه أصحابه معقولاً، بل إنه لمجهول، وعن الصّواب معزول. ولا يُوقَفُ قبولُ ما جاء به صلّى اللّه عليه وسلّم على موافقة أحد. فكلّ هذا من قلّة الأدب معه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ورأس الأدب معه صلّى اللّه عليه وسلّم: كمالُ التّسليم له، والانقيادُ لأمره، وتلقّي خبرَه بالقبول والتّصديق، دون أن يقدّم عليه آراءَ الرّجال. فيُفردَه بالتّحكيم والتّسليم، والانقياد والإذعان ولا يرضى بحكم غيره. ولا يُوقفُ تنفيذَ أمره وتصديق خبره على عَرْضِهِ على قول شيخه وإمامه، وذوي مذهبه وطائفته، وَمَن يُعظِّمه، فإن أذنوا له نفّذه وقبل خبره، وإلّا أعرض عن أمره وخبره وفوّضه إليهم.
يقول الإمام ابن القيِّم رحمه الله: ولقد خاطبتُ يوما بعض أكابر هؤلاء، فقلت له: سألتُك باللّه، لو قُدّر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيٌّ بين أظهرنا، وقد واجَهَنا بكلامه وَبِخِطابه: أكان فرضاً علينا أن نتّبعه مِن غير أن نعرِضَه على رأي غيره وكلامه ومذهبه، أم لا نتّبعه حتّى نعرض ما سمعناه منه على آراء النّاس وعقولهم؟ فقال: بل كان الفرضُ المبادرةُ إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه. فقلت: فما الّذي نسخ هذا الفرض عنّا؟ وبأيّ شيء نُسخ؟ فوضع إصبعه على فيه، وبقي باهتا متحيّراً، وما نطق بكلمة.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، له الحمد وله الشكر، وله الثناء الجميل، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
قد ينفع الأدب الأحداث في صغر |
وليس يُفيد عند الكبرة الأدبُ |
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت |
ولا يلينُ إذا قَوَّمتَه الخشبُ |
قال الإمام الآجري: اعلموا أنه من لم يحسن أن يكون طبيباً لنفسه، لم يصلح أن يكون طبيباً لنفس غيره، ومن لم يُحسن أن يؤدِّب نفسه، لم يُحسن أن يؤدب نفس غيره، واعلموا أنه من لم يعرف ما لله عز وجل عليه في نفسه مما أمره به، ونهاه عنه، ولم يأخذ نفسه بعلم ذلك، كيف يصلح أن يؤدب زوجته وولده، قد أخذ الله عز وجل عليه تعليمهم ما جهلوه. ما أسوأ حال من توانى عن تأديب نفسه ورياضتها بالعلم، وما أحسن حال من عني بتأديب نفسه، وَعَلِمَ ما أمره الله عز وجل به وما نهاه عنه، وَصَبَر على مُخالفة نفسه، واستعان بالله العظيم عليها.
وقال لقمان لابنه: فاحذر نفسك واتهمها على دينك...، ولا تُغفلها عن الزجر فَتَفْسُد عليك، ولا تَأْمَنْها فَتَغلِبك، فإنه من قوَّم نفسه حتى تستقيم، فبالحرى أن ينفع نفسه وغيرها، ومن غلبته نفسه فَأَنفُس الناس أحرى أن تغلبه، وكيف لا يضعف عن أنفس الناس وقد ضعف عن نفسه؟ وكيف يؤمن على شيء من النفوس، وهو متهم على نفسه؟ وكيف يُهتدى بمن قد أضل نفسه؟ وكيف يُرجا من قد حُرم حظَّ نفسه؟... ما أسوأ حال من توانى عن تأديب نفسه ورياضتها بالعلم، وما أحسن حالَ من عُني بتأديب نفسه، وعلم ما أمره الله عز وجل به وما نهاه عنه، وصبر على مخالفة نفسه، واستعان بالله العظيم عليها.