الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وهو الحكيم الخبير، شرع لنا من الدين ما أوحى إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم ووصى به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه حتى كَبُر على المشركين ما ندعوهم إليه {اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}الشورى13. وأشهد ألا إله إلا الله الواحد الأحد، أشهد ألا إله إلا الله الحي القيوم الصمد، أشهد ألا إله إلا الله سبحانه ليس بوالدٍ لأحدٍ من الخلق ولا ولد، وأشهد أن سيد الخلق محمَّد خيرُ من عرف حق الله سيِّده وله وحده تعبَّد، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وعلى صحابته سادات المؤمنين، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أيها المسلمون، حذَّرنا الله في كتابه من هؤلاء الذين فرقوا دينهم، وابتدعوا فيه ما لم يأذن به الله فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ}الأنعام159، وبيَّن سبحانه أن هذا التفرُّق إذا كان بعد تبيُّن الدين والعلم؛ فإنه يكون سبباً عظيماً من أسباب عذابه سبحانه، فقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ}آل عمران19، وقال: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}يونس93، وبيَّن أنهم معذَّبون حينما نهانا عن سلوك سبيلهم فقال جل جلاله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}آل عمران105.
وأما نبي الله صلى الله عليه وسلَّم فقد تركنا على مثل البيضاء، لا فيها شوبٌ، ولا فيها اختلاف، وجاءنا من عند الله بكتابٍ أُحكمت آياته ثُم فُصِّلت فلم يدع للاختلاف في أصول الدين مجالاً، فعن الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ رضي الله عنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ؛ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: ((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ -وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيّاً- عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ)) رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما. قال العلماء البيضاء: النقية، ليلُها كنهارها: أي في الأزمنة، فبقاء الدين النقي يكون في أول هذه الأمة ويكون كذلك في آخرها، والله أعلم.
أما بعد فيا عباد الله، لم يكن يخطر لي ببال، وأنا أشاهد حلقتين قُدِّمتا على قناة الجزيرة -قبل أقل من شهر- لا تتجاوز مدتهما الساعتين، وقد انتشرتا في شبكة الانترنت وغيرها أن يبلغ الشيطان بأناسٍ من هذه الأمة هذا المبلغ من الضلال باسم الدين، وقد كُنتُ أعلمُ أن من سُنَّة الله وجودَ الضلال، ووجودَ المخالفات في كثير ممن ينتسب إلى هذه الأمة، ولكن الناظرَ يُدرك ما لا يُدرك السامع، وتعظم عليك الحقيقة إذا رأيتها، وإنْ كُنتَ سمعتَ عنها قبل ذلك، بل وَوُصِفَت لك مراتٍ الكثيرة.
إخواني في الله، تجدون في هاتين الحلقتين المنشورتين على مواقع الفيديو العالمية بعنوان (موالد المحروسة) تجدون فيهما ديناً يُنسب إلى رسولِ الله، وما هو واللهِ بدينِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، تجدون تمدُّحاً بحُبِّ الله ورسوله ودعوى اتباعِ أهل البيت، وما هُم بأتباعٍ لهم على الحقيقة، إنما يتبعون أهواءهم، وما زيَّن لهم الشيطان. نعم ترى باسم ذكرِ الله وُحب الصالحين العظائم: رقصٌ وطبلٌ وزمر، طربٌ وتصفيق وتمايلٌ واهتزاز، رقصٌ جماعي، وآخرُ فردي، قفزٌ ودوران، هيصة واختلاط، تداخلٌ للرجال والنساء، تبرُّجٌ وحجاب، سفور وتهتُّك، تجمُّعاتٌ أُسرية كبيرة، يأتون من المسافات البعيدة للمولد الذي يقصدونه، وليس بالضرورة أن يكون مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فالموالد كثيرة وعلى قفا من يشيل، فهي بالعشرات، بل بالمئات، وإنْ كان من الموالد ما يكون أكثر جمعاً من البعض الآخر، ساحاتٌ هائلةٌ تعُجُّ بعشرات الألوف من البشر، من الرجال والنساء والأطفال والحرافيش، عامةٌ ودهماء، لحىً مزيَّفة، وعمائم ضلالة، تبرُّكٌ، وتمسُّحٌ، وجؤارٌ بالدعاء عند الشيخ، والولي، والعارفِ بالله، بل دعاء له هو، ولها هي... في منظرٍ لا يمكن بحالٍ إلا أن يُذكِّر بثناء الباري تعالى على من لا يحضرون مثل هذه التُرَّهات. يقول تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً}الفرقان72.
من الواضح أن هذا البرنامج لم يُرِد التشنيع على هذه الظاهرة، بل كان يميل إلى بيان فوائدها على الناس،والتي كانت في مجملها فوائد دنيوية تافهة، وربما ركَّز على بعض الاستغلال السياسي لذلك –مما سنُعرِّج عليه في خطبتنا إن شاء الله- أقول: ومع ذلك –مع أن البرنامج لم يُرد عيب هذه الظاهرة دينياً= إلا أني أظن أن كُلَّ من نظر إليه ممن سلمت فطرته، ولم تألف عيناه مشاهدة هذه المناظر سابقاً= كُلُّ من كانت هذه حاله تنفرُ نفسُه، ويشمئز وجدانه، من حجم الضلال، والبُعد عن هدي خير الرجال صلى الله عليه وسلم. إنه دينٌ محرَّف، بل هديٌ وسمتٌ مُبدَّل، ليس من الدين في شيء، فمن سلمت فطرتُه عرف بُعد ما بين الحق والباطل: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ{19} وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ{20} وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ{21} وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ}فاطر.
أحبتي في الله، سجَّلتُ لكم من خلال مشاهدة هذا البرنامج، الملاحظات التالية:
أولاً: تُعرفُ الأمور بعواقبها؛ فالبِدَعُ من أخطر الأمور على دين الله، ولهذا عَظُم تحذير الشريعة من الوقوع فيها، وعاقبة البِدَع التي يُظنُّ أنها صغيرة أن تقود أصحابَها إلى ما هو أكبرُ منها، حتى لا يبقى معها شيءٌ يدل على صوابيتها لا الدين، ولا العلم، ولا العقل، ولا الفطرة السليمة= ومع ذلك لا تزيد أصحابها إلا استمساكاً بها، تعطيلاً للعقول، وإهمالاً لدين الرسول، ومضادةً ومعاندةً لمن كان بالحق يدعو ويقول. وقد أظهر هذا البرنامج طرفاً من التقارب بل والتطابق –أحياناً- بين الموالد التي تكون عند المسلمين وبين موالد الأقباط، المظاهر متقاربة، بل وهناك عواملُ مشتركة بين هاتين الضلالتين، مع الأسف أنها لم تُوقظ كثيراً من الناس لكراهية الباطل، والحذر منه. فهذا الشيخ إسماعيل المقشقش الذي يرى أصحاب الموالد الإسلامية أنه وليٌ لله، يرى النصارى في الوقتِ نفسِه أنه كان قدِّيساً من عظماء النصارى، ويشتركون جميعاً في تعظيم قبره، وطلبه من دون الله. حتى قال أحدهم: (مُسلم وقبطي يبحث عن العلاج، ولا يهتمُّ إذا كان هذا الشيخ أو القديس يختلفُ عنه ديناً). وجاؤوا في البرنامج بأمثلة لزيارة المسلمين لمقام العذراء المزعوم، وتقديمهم النذور والصدقات للمقام، وبعضهم ذهب إلى قبور بعض النصارى وقال بعضُهم: (ما فيش فرق)، حتى كان مما قال مقدِّم البرنامج –وبئس ما قال-: (مدحٌ نبويٌ وصوفيٌ للمصطفى هُنا، وترانيمٌ للبتول العذراء ولوليدها المخلِّص هُناك. صُلبانٌ وتماثيلُ هُنا، وقِصارٌ للسُّوَر وكتبٌ للتفسير هناك. لكنَّ الشمع والحمُّصَ والحلاوة، ولمَّة الأهل والأصدقاء، والمكوثُ في العراء لساعات طويلة، بل لأيامٍ طويلةٍ؛ محبةً في القديسين وأولياء الله= هي هي لا تتغيَّر) اهـ. وتأتيك الطامة العُظمى لما يزداد الانحراف حتى يتجاوز ضلالَ النصارى ويؤولَ إلى تعظيم معابد الوثنيين، ففي بعض الموالد تسير المواكب إلى قبر الولي الشيخ أبي الحجاج حتى تصل إليه في قبره في معبد آمون، يقول أحد الأكاديميين: (المسلمين مرتبطين بآمون، وحتى شيخهم في معبد آمون، والمسيحيين مرتبطين بأُزِيريس).
أحبتي في الله، هذا بابٌ كان أولُه محبة الصالحين حباً غير شرعي، آل بأصحابه إلى التمسُّح بهم وبمقاماتهم، وسؤالهم من دون الله، ثم آل الأمر بالبعض حتى ضلوا عن أصل الإسلام فلم يروا بين الإسلام والنصرانية، وبين شيوخهم وقديسي النصارى أي فرق (ما فيش فرق)، وأخيراً تعظيم معابد الأوثان باسم محبة أولياء الله الصالحين. فهل هذا من البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء؟! وهذا داخلٌ –شئنا أم أبينا- في قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ}الشورى21.
ثانياً: ليس من الضروري لكي يكون العمل ضلالاً وشركاً أن يعتقد عاملُه أن هؤلاء الذين يعتقدُ فيهم= مساوون لله، وأنهم يخلقون كخلقه، وإن كان في هؤلاء الدهماء من يظن ذلك. ومع ذلك فإن مجرد صرف هؤلاء العبادات لهؤلاء البشر الأحياء والأموات تبديلٌ لدين الله وشرعه، وإعطاء محضِ حق الله لغيره، وتسويةٌ بين الله وبين عبيده في صرف العبادة لهم، سبحانه عما يصفون. ولذا فاحتجاج كثيرين منهم بأنهم لا يعتقدون في هؤلاء أنهم يخلقون ويرزقون... والخ لا يدفع عنهم الوقوع في عمل الشرك والجاهلية. فإن كانوا سلموا من الشرك في الربوبية –وليس كلهم مَن سلم منه- فإنهم لا يسلمون من إشراك غير الله مع الله في صرف هؤلاء العبادات له، {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}الإسراء43-44.
ثالثاً: كلُّ من استبدل بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم هدياً غيره يظُنُّ أنه خيرٌ من هديه صلى الله عليه وسلَّم فإنما يشتري خُسراً، ويزداد هبوطاً، وسواءٌ أكان ذلك في الدين، أو السياسة، أو الاقتصاد، أو منهج الحياة، أو في الطعام أو اللباس، يُرينا الله في ذلك المَثْلات والمَثُلات بهؤلاء الذين هُم عن التذكرة مُعرضين. ولذا فلا ترى في احتفالات الموالد التي عُرضت في هذا البرنامج وقارَ مجالس الذِّكر، ولا بهاءَ الطاعة ونورَها. نعم إنهم يذكرون الله، ويصلون على النبي، ولكنك تراهم يقفزون قفز البهائم، ويدورون دوران الرحى، ويكررون ألفاظاً لا معنى لها، ويترنمون بنغماتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، ويصفِّقون ويُطبِّلون ويزمُرون, كُلُّ ذلك باسم ذكر الله، وطلب بركة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هامش ذلك ملاعبٌ وأسواقٌ وملاهي للأطفال، وأكلٌ وشربٌ وطراطير ودخانٌ وحُمُّص, ويعتقد بعضهم أن بركة الولي تُكثِّرُ الطعام في ذلك اليوم، فلا يمنعون أحداً من طعامهم. وأعمال سحرٍ وشعوذة، وأعمالٌ بهلوانية. كُلُّ هذا ببركة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلَّم من كُلِّ هذا بُرءآء. بل إن قضيةَ آل بيت النبي صلى الله عليه وسلَّم تُوظَّف لتعظيم الشيوخ الحاضرين من طواغيتهم التي تأمُرُهُم بهذا، حتى قال أحد الشيوخ المُعمَّمين، قال: (جعل لنا مولانا سيِّدنا الرسولْ وأهلَ البيت هُم الباب، وهم الطريق، وما دون ذلك: همج). قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}الأحزاب40.
رابعاً: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }التوبة34. فبيَّن الله تعالى، وحذَّر مِنِ اتباع أيِّ أحدٍ ولياً كان أو صالحاً أو عالِماً إذا لم يكن على بُرهانٍ من الله، ويوم القيامة يتبرَّؤُ الذين اتُبِعوا من الذين اتبعوهم. وأصلُ هذه الضلالة التي نشرح بعضَ أمرِها في خُطبتنا اليوم عائدٌ إلى اتباع علماء السوء، والعُبَّادِ الجهلة، فقومٌ يحصلُ لهم بها مالٌ وثراءٌ، وإرضاءٌ للسلطان، وتخديرٌ للشعوب، وقومٌ يحصُلُ لهم بها شرفٌ ووجاهةٌ ما كانوا ليبلغوا معشارها بدون سلوك هذه الطريق. والشُّبهةُ تختلطُ بالشهوة، واتباعُ المشايخِ وفعلُ هذه البدع يختلط ببغض أهل الحق الدَّاعين إليه، وإذا بلغ الأمر هذا المدى فالمعصومُ من عَصَمَه الله. والدهماءُ تَتْبَع، والنذور تُدفع، والدين يُمزَّق، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن خصائص شيوخ الطرق التي أظهرها البرنامج: توارث المشيخة، والتمسُّح بهم وتقبيل الأيدي وربما غير الأيدي، والتقديسُ والمحاكاةُ، ودفع النذور. وترى عدداً منهم وقد ظهرت عليه آثار النِّعمة، وربما التعليم والفهم، ومع ذلك هو لا ينزع عن غَيِّه وإغواء الناس؛ لما يحصلُ له من ذلك من منافع عاجلة. تراهم يحيط بهم الدهماءُ، وهم يسوسونهم فينقادون، ويأمرونهم فيطيعون حتى قال شيخ الطريقة الشهاوية الذي ظهر في البرنامج: (شيخ الطريقة كلمتُه لا تُرَد لأيِّ مُريد، أو أيِّ أحدٍ مُنتمٍ للطريقة؛ بمعنى أقول لأي واحد: صح؛ يبقى صح... حتى في الشأن السياسي. ويقول آخر مستغفلاً الناس وقد لبس عمامة خضراء كبيرة تمتد أمام رأسه بمسافة لا تقل عن ثلاثين سنتيمتراً بصورة مُقزِّزة، يقول: (ما فيش أي إنسانٍ بِييجي فرح سيدي أبو الحسن بمزاجُه، لازم يكون سيدي أبو الحسن هو اللي داعيه عشان ييجي يحضر الفرع بتاعه هنا، فطبعا بييجوا له من أنحاء البلاد... وكانوا بييجي له ناسْ من أمريكا أسلموا مخصوص عشان ييجوا يزوروا سيدي أبو الحسن).
أحبتي في الله، لا يُسلم قياده لهؤلاء بهذه الطريقة إلا جاهل، غلب عليه جهلُه وأغلق على نفسه باب الإفادة من نعمة الله بالعقل الذي به تكون المحاكمةُ والمقارنةُ كما أسلفنا قبل قليل أنه لا تستوي الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، عند أولي العقول، والفطر السليمة. وها هم هؤلاء الشيوخ يُفسدون على هؤلاء الأتباع دينهم ودنياهم. ولأجل هذا الخنوع والاستسلام كان هؤلاء الدهماءُ مطيَّةً يركبُها من يشاء لينال بهم مآربه، أو ليرمي بهم في وجوه أهل السنة والاتباع، وهو ما سَنُفرِدُ له الفقرة التالية:
خامساً: هذه الجموع الغفيرة، التي أسلمت قيادها لغيرها يطمعُ فيها كُلُّ ماكر خبيث لينتفع بهم ويُسيِّرَهم في الوجهة التي يُريد. يقول أحد الضباط الكبار ممن أخذوا شهادته في البرنامج عن هؤلاء بعد أن بيَّن أنهم يذكرون الله، ولا يضرُّون أحداً –بحسب اعتقاده- ثم قال: (سِيْبهُم يذكروا الله، واعمل فيهم ما شئت). لأجل هذا تجد أن السياسي يسعى لاستغلالهم في معاركه الانتخابية، ولكسب تأييدهم في مواقفه ولو كانت مُخزية، وفي ضرب أثر وتنامي المد الإسلامي النقي الصحيح. يقول أحد هؤلاء الشيوخ (مصطفى الهاشمي): (لو اترشح السيد (فلان) عشر مرات حنبايعه). وقال الآخر (كامل ياسين) وهو رئيس نقابة آل البيت سابقاً، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية سابقاً: (أوصيكم باتباعه؛ لأنا لن نجد خيراً من هذا الرجل رئيساً للجمهورية). ولذا تجدُ عددا من الدُّوَل تدعمُهم: بالمال، وبإفساح المجال لبدعهم وخرافاتهم، بل وبحضور المسؤولين على اختلاف مسؤولياتهم، ومراتب تديُّنهم -حتى بعض العلمانيين الذين لا دين لهم- إلى هذه الاحتفالات البدعية؛ فتجدُ تحالفاً مُعلناً وغير مُعلن بين الدُّوَل، وبين هذه الطرق الصوفية، هذه القوة الشعبية السائمة التي تُقدَّر بما لا يقل عن عشرة ملايين، ليس من شأن أرباب السياسة والسلطة في هذا الزمن أن يُضيِّعوا فرصة استغلالها، أو أن يتركوها لتتدَيَّن بالدين الحق.
وهذا يقودُنا إلى أن الإسلام الصوفي –إن صحَّت العبارة- هو الإسلام الذي رأت مراكز البحث والدراسات الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 أنه أفضل صيغةٍ للإسلام للتعامل معها، وأنها أفضل حالات المسلمين= أن ينشغلوا بأذكارهم وأورادهم، وبالمحبة والسلام، والسُّكر، والجذب، عن الإضرار بهم، وعن جهادهم، وعن تعطيلٍ أيٍ من مشاريعهم في العالم الإسلامي. وقد حضر السفير الأمريكي في مصر (ريتشارد دوني) مولد البدوي، ولبس طاقية الطريقة الجزولية, وهكذا يتحدَّث (هانز موني) المستشار الثقافي في السفارة الأمريكية عن دعم التصوُّف وعن المؤتمرات التي عُقدت في أمريكا بحضور مشايخ الطرق الصوفية، وعن حلقات البحث والنقاش التي تُنظَّم لدعم التوجُّهات الصوفية في العالم الإسلامي. وحتى ذكر أحد شيوخ الصوفية الذين حضروا أحد الاجتماعات في أمريكا –مفاخراً- أنهم أقاموا ذكراً في أمريكا يجمع بين المسلمين واليهود والنصارى، وأنهم سبَّحوا الله بذكرٍ واحد: وقالوا جميعاً باللغة العربية: لا إله إلا الله. طبعاً أقول وبحسب ما شاهدت من الصُّوَر: كان هذا على أنغام الموسيقى والجيتار الأمريكي، وبنكهةٍ أمريكية خالصة.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم بيِّن لنا الحق من شرعِك وهدي نبيِّك، ولا تجعلْه ملتبِساً علينا فنضل. واهدِ اللهم ضال المسلمين، ورُدَّهم إلى دينك رداً جميلاً، اللهم اهدِهم للسنة، وباعد بينهم وبين الضلالة والغواية والشرك والبدعة. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبيِّك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، الذي له الحمدُ في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه تُرجعون، سبحان الله ما عبدناه حق عبادته، ولا قُمنا بواجب الدعوة إليه كما ينبغي لعظمته وألوهيته. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليماً.
إذا نظرنا للفوائد التي يذكرها البرنامج لهذه الموالد نرى أن منها: المحافظة على بعض الألعاب والصُّوَر الفلكلورية الشعبية. وأن من فوائدها كذلك التنفيس عن الناس ممَّا يجدونه من طحن الحياة المعاصرة لهم، وشدة الفقر عليهم، فيُنفِّسون عن أنفُسِهم بهذه الاحتفالات. ومن فوائدها –بحسب زعمه-: تقريب ما بين المسلمين والنصارى (وحسبُك من شرٍ سماعُه). ومن فوائدها: ما عَرَضَه مِن ملحِّن موسيقيٍ معتوهٍ استخرج من بعض أغاني الموالد الشعبية أغنيتين حديثتين. ومن فوائدها: استرزاق الباعة المتجوِّلين من هذه المهرجانات، وإعالتهم لأهليهم منها. هذه هي الفوائد، فهل تُسلِّم -أنت يا عبد الله- أن هذه الفوائد (ما صح منها) أنه لا يُمكن أن تحقيقها إلا بهذه الصورة؟ ثُم هب أن ذلك صحيحٌ فأين هي هذه الفائدة في مقابل المنكر العظيم؟! استمع يا رعاك الله إلى بعض الترانيم والأناشيد التي أوردها البرنامج، وإنما هي غيض من فيض باطلهم، نُوردُها هُنا بياناً لشناعة المُنكر؛ إذ قد حكى القُرآن طرفاً من مقالة أهل الباطل لِيَحذَرَ منهم الناسُ:
في بعض النشيد: (يا شيخ نذرك علي.. عجلين واربع ذبايح.. عجلين والدم سايح) وهذا نشيدٌ مشترك يُقال للعذراء، كما يُقال للسيد البدوي أيضاً.
وفي بعض نشيدهم -وإن شئت فقل ذكرهم- وهو ذِكرُ الشيطان: (لقد أتيتُ الحمى بِذُلِّ.. بحقِّ طه والزهرا ماما.. مدوا الأيادي واسعفوني).
ويقول آخرون: (نحن في ساحة الحسين نزلنا.. في حمى الله من أتى لِحُسينا.. قد أتيتُك بفاطمةٍ النبوية وأمِّ كلثوم وسُكينة) وهؤلاء لم يكفهم أنهم دعوا حُسيناً رضي الله عنه من دون الله، بل زادوا عليه التوسُّل إليه بقرابته. وإن كان الصواب في التوسل إلى الله بالصالحين أنه لا يجوز، فكيف بالتوسُّل بهم إلى غيره في تحقيق المطالب الدينية والأخروية؟!
ويُكرِّرُ بعضُهم لفظ الجلالة: الله الله الله الله ومع التصفيق أو بدونه. ويكرر بعضهم: حي حي حي حي.. بطريقة تُذكِّرك ببعض المخلوقات المستقذرة طبعاً وشرعاً.
ويقول آخرون: (يا سيِّد الخلق مدد.. يا صاحب الجاه العظيم.. مدد مدد يا رسول الله.. سيِّدنا الحسين نظرة لله) ومعنى قولهم: (مدد) أي: أمِدنا من عندك، وانفحنا بنفحاتك، وأجب طلباتنا ورغباتنا.. والتي هي مما لا يجوز سؤاله من الأموات، وأغلبُها لا يجوز سؤاله حتى من الأحياء.
أتقوم تلك المصالح الهزيلة بهؤلاء المنكرات العظيمات اللواتي: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً}مريم90؟!! سبحانك هذا بُهتانٌ عظيم.
إن مما أظهره هذا البرنامج من المُنكر العظيم: التعلُّق بشبابيك الأضرحة، وتقبيلُها والانطراحُ عليها. وتشبيهها ببعض شعائر الدين حتى قال الأكاديميين: (الوزير زي الغفير كلُّهم متجهين لله.. زي الحج بالضبط). وظهر في بعض المشاهد نصرانيٌ يسجد لضريح ماري جرجس، وفي من ينتسب إلى الإسلام من يفعل مثل ذلك بأوليائه والموتى من الصالحين. بل لقد أظهرت بعض اللقطات التمرُّغ في التراب بقرب قبر الولي الصالح، وذكرت المرأة أن هذا القبر يُقصد لجلب الحمل، وللاستشفاء من وجع الرأس والرُّكَب والظَّهر. وأنه تُنذر له النذور من الثياب والأموال والذبائح. ومما يدُلُّ على عِظَم ذلك عند من يقوم به ما قاله أحدُهم: (اللي عندو ندر لو يشحت حيدفعوا) وما هذه بأخلاق كثيرين منهم عند أوامر الله، وعند زواجره.
أيها المسلمون، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}الأعراف194، ويقول عن نفسه تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}فاطر13، فإن قالوا هؤلاء أولياء صالحين يُقرِّبونا إلى الله قلنا لهم: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}الزمر3، ويقول تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }يونس18.
إنا لا نقول: إنَّ كل صوفي فهو بهذه المنزلة، ولكن هؤلاء الملايين من الصوفية ليسوا بنسبةٍ قليلة منهم، وهكذا فإن التصوُّف الذي يُظهر للناس التنسُّك والزهادة هو الطريقُ الموصل إلى كل ذلك الضلال، فمن أراد الله به خيراً عصمه من أول الطريق، باتباع السنة، واجتناب البدعة، واتباع الأثر، كما كان شيوخ الصوفية الأوائل يأمرون أتباعهم به.
وهكذا أؤكِّدُ أيضاً أنه ليس كل مَن حضر مولداً فإنه صوفي، ولكن هذه الموالد هي مواسم هذه الأعمال كُلِّها، وهي بوابة الصوفية لعقول الناس وقلوبهم وجيوبهم، ولذا فإن أول طُرُق تجفيف منابع هذا الباطل العظيم هو إغلاق باب أعياد الجاهلية هذه، فإن زالت زال بزوالها تسعةُ أعشار الشر إن شاء الله تعالى.
أخيراً، أيها المسلمون، المؤمنون، لم نُرد في هذه الخطبة أن نُعادي أحداً من الناس إلا من ضلَّ عن جادة الصواب، واتبع سبيل الشيطان، أما نبيُّ الله وآلُ بيته الصالحين فإنما نحن أولياؤهم على الحقيقة، وكذلك لم نُرد تنقُّص أهل بلدٍ من بلاد المسلمين عزيزٍ على نفوسنا، ونحب الكثير الكثير من أهله، وفيهم مَن هُو –حقاً- من أصلح أهل الأرض، ولكن الباطل لا دين له، والحقُّ أحق أن يُتَّبع. فلو فعل هذا المُنكر أقربُ الناس مِنا نسباً أو مذهباً أو بلداً لكنا أشدَّ تحذيراً منه ومن خطره. ولعل في تداول فضحِ الباطِلِ وأهلِه، وإحياء الاستنكار منه، ما يأذن ببداية نهضة تصحيحية تقوم بأمر الله، وتسعى لانتشال هؤلاء المساكين من الظلمات إلى النور، وُتنبِّهُ من قد يسلك بدايات هذه الطريق من أهل بلدنا، فيحذروها قبل أن يُصيبهم وحلُها، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}الأنعام125.
اللهم صلِّ على محمد على آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك اللهم على محمد وعلى آله محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.