إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعد، فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.
تتحدَّث الصحف الصهيونية منذ ثلاثة أشهر عن قرب افتتاح كنيس الخراب في حارة الشرف الإسلامية في مدينة القدس يوم 15/3/2010، حيث أصدرت صحيفة هآرتس العبرية يوم الأربعاء 10/12/2009م تقريراً نقلت فيه عن المؤسسة الصهيونية أن الانتهاء من كنيس حوربا (الخراب) سيكون في النصف من شهر مارس الجاري!.
وتوقَّعت صحيفة (هآرتس) في تقريرها بأن تقدم جماعات يهودية على هدم المسجد الأقصى في شهر آذار الحالي لإقامة الهيكل المزعوم مكانه، ليكون هذا الكنيس أحد أهم دور العبادة اليهودية في القدس.
ويتزامن الإعلان عن قرب افتتاح هذا الكنيس حملة تهويدية شرسة غير مسبوقة تشهدها مدينة القدس والمسجد الأقصى منذ بداية العام 2010، وكأنَّ هذا العام بات نقطة الفصل لدى المتدينين اليهود والدولة العبرية في قضية القدس. وهو الأمر الذي تُؤكِّده كذلك دوائرُ عربيةٌ وإسلامية مهتمةٌ بقضية القدس والمسجد الأقصى، ويؤكِّد ذلك أمورٌ عدة، نذكرها إن شاء الله.
فكنيس ها حوربا (الخراب) يشكِّل منعطفاً كبيراً في العقيدة الصهيونية، ضمن مخططها في تهويد مدينة القدس، فوجود هذا الكنيس بهذا الوقت تحديداً وخلال هذا العام أمر لابد منه -كما يزعمون- كي تتحقق رواية صهيونية.
أيها المسلمون، يحاول الصهاينة منذ أمد بعيد طمس الطابع الإسلامي لمدينة القدس وإضفاء الصبغة اليهودية عليها تمهيداً لبناء المعبد داخل مدينة داود المزعومة، وذلك بإحداث المتاحف الصهيونية التي تتحدث عن تاريخ مصطنع للشعب اليهودي داخل البلدة العتيقة، ومن خلال الأنفاق التي أصبحت كنساً ومزاراتٍ يؤمّها اليهود من الأصقاع كافة، والتي باتت تهدِّد بيوت المقدسيين والمسجد الأقصى بأسواره ومعالمه، والتي تشكِّل شبكة عنكبوتية أوجدت مدينة بأكملها أسفل البلدة العتيقة.
وقد أقام الصهاينة خلال السنوات الأخيرة عدداً من الكنس الصهيونية والمتاحف التي حلَّت محل الأوقاف الإسلامية بجوار المسجد الأقصى، مثل:
1. كنيس حمام العين يوهيل يتسحاق (خيمة إسحاق): بناه الصهاينة على أنقاض حمام العين وأسموه يوهيل يتسحاق أي خيمة اسحاق افتتح في عام 2008م.
2. كنيس مصلى المدرسة التنكزية : تعد المدرسة التنكزية أحد معالم المسجد الأقصى بناها تنكز الناصري خلال العام 724 هجري، قام الصهاينة بتحويلها إلى كنيس خلال عام 2008م.
3. كنيس قدس الأقداس مقابل قبة الصخرة: أحد الكنس الموجودة داخل نفق الحائط الغربي وهي تقابل قبة الصخرة قام الصهاينة خلال نهاية العام 2008 بتحويلها إلى كنيس يهودي!.
وغيرها الكثير في محيط الأقصى حتى بات عدد الكنس في البلدة العتيقة يضاهي عدد المساجد والكنائس فيها، وفي نفس الوقت تستعدُّ حكومة الاحتلال لإقامة 62 كنيساً يهوديًّا في محيط المسجد الأقصى و30 مدرسةً دينيةً. وتبعد إحدى هذه الكنس عن المسجد الأقصى 16 مترًا فقط؛ حيث تقام فيها الصلاة ويقع معظمها في الجهة الغربية من المسجد الأقصى.
ومن هذه الكُنُس التي ما زالت تُبنى لتخدم قضية التهويد والمزاعم الصهيونية القائمة على أساس نبوءات حاخامات مزعومة الكنيس المسمى بكنيس الخراب.
ويبنى كنيس الخراب في مدينة القدس العتيقة كأحد المعالم البارزة جداً والمرتفعة فيها، بجانب المسجد العمري الكبير داخل البلدة العتيقة في القدس على أنقاض حارة الشرف الإسلامية؛ التي قام الصهاينة بتحويلها إلى حارة اليهود بعد أن هُدمت وبدِّلت معالمها بعد احتلالها عام 1967، ويعدُّ هذا الكنيس أكبر كنيس يهودي بارز في البلدة القديمة، ويتألَّف من أربع طبقات، ويتميَّز هذا الكنيس بشكله الضخم وقبته المرتفعة جداً.
تبدأ المزاعم الصهيونية في إعادة بناء هذا الكنيس من رواية لأحد الحاخامات عرفت بنبوءة إيليا بن شلومو زلمان المعروف بجاؤون فيلنا، والتي ادعى فيها في القرن الثامن عشر ميلادي، أن بناء المعبد (الهيكل) يكون في النصف الثاني من الشهر الثالث من العام 2010 كما أشار فيلنا إلى أن بناء المعبد (الهيكل) يأتي بعد تدشين معبد حوربا (كنيس الخراب) الموجود في الحي اليهودي في مدينة القدس العتيقة...
يعود تاريخ هذا الكنيس، حسب رواية بعض حاخامات اليهود إلى القرن الثامن عشر ميلادي، حيث قَدِمَتْ مجموعة من اليهود من بولندا، وقاموا بجمع أموال طائلة لرشوة بعض عمال الدولة العثمانية، للحصول على تصريح حتى يقوموا ببناء معبد حوربا، لكن المجموعة فشلت في دفع ثمن الأرض التي تم شراءها، الأمر الذي دفع أصحاب الحقوق إلى التحرك للمطالبة بأراضيهم. نتيجة لذلك تركت المجموعة اليهودية مبنى المعبد من دون أن تكمل بناءه وتحول الكنيس إلى خراب، وظلَّ 89 عاماً والمعبد خراباً، ولذلك سمي بـ(كنيس الخراب).
وأعيدت الأرض المحيطة به لأصحابها، وهم عائلة فلسطينية من آل البكري، وفي عام 1808م، جاء إلى القدس مجموعة يهود من تلاميذ (جاؤون فيلنا) حاولوا بناء الكنيس من جديد، إلا أنهم فشلوا في ذلك لمنع السلطات العثمانية عملية البناء كون الأراضي المحيطة يسكنها عرب ومسلمون. وفي عام 1834م وقع زلزال في البلد، لينتهز اليهود فرصة انشغال الناس ويبدؤوا ببناء الكنيس من جديد في عام 1836م، حيث تحركت عائلة الثري اليهودي روتشلد بتمويل إعادة بناء هذا المعبد. ومع ذلك لم يبدؤوا ببنائه إلا في عام 1857 ميلادي بعد إحدى وعشرين سنة، واستمر البناء ببطء طوال ثماني سنوات.
وظل الكنيس على حاله حتى 25/5/1948 عندما حاصر الجيش الأردني مجموعة من قوات الهاجانا، وطلب من الصليب الأحمر أن يخرج جميع المتمركزين داخل كنيس حوربا حتى لا يقوموا بقصف الكنيس، حيث استغل الصهاينة الكنيس كمعسكر حربي. وفي اليوم التالي أُعطيت قوات الهاجانا مهلة 12 ساعة للخروج، وإن لم يفعلوا فسيقصف الكنيس، وبالفعل تمَّ طرد عصابات الهاجانا التي تمركزت داخله، وخُرِّب الكنيسُ المقترنُ بالخراب منذ إنشائه.
أيها المسلمون، ومع أخذ النظرة الصهيونية للمدينة طابعَ الإسراع ببناء هيكل سليمان، وتحويلَ المدينة إلى مدينة يهودية بالمنظور والتاريخ= ظهرت فكرة إعادة إحياء بناء كنيس حوربا من جديد في بداية عام 2000م، وأقرّ المشروع في بدايات العام 2003م، وتم تقاسم تكاليف بناء هذا الكنيس بين الحكومة اليهودية، ومتبرعين يهود.
وها قد تم بناء الكنيس الآن، فماذا بعد، كان يوم افتتاح هذا الكنيس في يوم الاثنين 15/ 3/ 2010، ونُشر قبل مُدة إعلانٌ باللغتين العبرية والإنجليزية يقترح أن يكون يوم الثلاثاء 16/ 3/ 2010 وهو اليوم التالي لبناء هذا الكنيس: اليومَ العالمي من أجل بناء الهيكل، هل كان هذا مصادفة؟!!، بالطبع لا.
وقد كان من المتوقع أن يتبع افتتاح الكنيس محاولةً لدخول الأقصى في (16/3) إلا أن يقظة أهل الرباط من إخواننا في فلسطين، وتداعيهم إلى شد الرحل للجهاد والدفاع عن المسجد الأقصى أخَّرت هذه المخططات الخبيثة.
وكان قد شهد المسجدُ الأقصى عدةَ محاولات للاقتحام كان آخرُها يوم الجمعة 15/1/2010؛ حيث اقتحمته قوات الاحتلال من كافة الأبواب واعتدت على المصلين، على الرغم من أن سلطات الاحتلال لا تسمح للمواطنين دون سنِّ الخمسين من دخول المسجد إلا لمن يحمل هويَّة القدس ويقيم فيها.
يقول الشيخ رائد صلاح: إنَّ هناك قرائن كثيرة تؤكد أن المسجد الأقصى ستقع عليه بعض الخطوات المصيرية والحاسمة، وأخشى ما أخشاه أن يكون هذا الأمر خلال النصف الأول من العام 2010.
وطالبت (مؤسسة الأقصى للوقف والتراث) أهالي القدس وفلسطيني 48 بالرباط الدائم والباكر في المسجد الأقصى المبارك، كما دعت حراس المسجد الأقصى إلى أخذ الحيطة والحذر من أي اقتحام للمسجد الأقصى من قبل المغتصبين والجماعات اليهودية.
وقالت (مؤسسة الأقصى) في بيان لها: "واجب الوقت يملي علينا أن نتواجد في المسجد الأقصى بشكل دائم، إذ هو صمام الأمان للحفاظ على المسجد الأقصى، في ظل دعوات وإعلانات لاقتحامه أو تدنيس حرمته من قبل الجماعات اليهودية خاصة في فترة ما يسمَّى بالأعياد اليهودية".
وأضاف البيان: "نحذر من تبعات ومخاطر الإعلان الذي بدأت تنشره بعض المواقع العبرية التابعة لمنظمات يهودية، وتعلم من خلاله تخصيص يوم 16/3/2010 يوماً عالميًا من أجل الهيكل المزعوم".
وقالت (مؤسسة الأقصى): "هذا الإعلان يتزامن مع حملة إعلانية قامت بها بعض الجماعات اليهودية تدعو إلى اقتحام المسجد الأقصى وإقامة الشعائر التوراتية والتلمودية داخل الأقصى، كما وتزامنت هذه الإعلانات مع حملة لجمع التبرعات من أجل بناء الهيكل الثالث على حساب المسجد الأقصى المبارك".
أيها المسلمون، إن العوامل التي دفعت بقضيّة القدس إلى صدارة أولويّات الاحتلال كثيرة، منها ما هو سياسيّ يتعلّق بانعدام الرؤية المستقبليّة والتنافس بين الأحزاب المختلفة، ومنها ما يتعلّق بطبيعة الدولة ونظرة المجتمع لها وثقته بقدرتها على الاستمرار بعد فشلها في حربيّ لبنان وغزّة، وفشلها في حسم مصير المدينة بعد مرور 43 عامًا على احتلالها. ومنها أسبابٌ دينيّة.
وقد انعكست هذه التطوّرات على الأرض على شكل هجمةٍ تهويديّة غير مسبوقةٍ على مدينة القدس وصلت ذروتها خلال عام 2009 الذي كان أكثر عامٍ شهد تطوراتٍ في قضية القدس كماً ونوعاً، طالت كلّ شيءٍ في المدينة بدءًا بمقدّساتها وسكانها وأرضها وحتى هويّتها الثقافيّة وطرازها المعماريّ.
وبناءً على قراءةِ المتغيّرات السياسيّة والدينيّة في دولة الاحتلال، ومتابعة إجراءات التهويد وتطوّرها على الأرض، فإن من المتوقع بناءً على متابعات، وتقارير بحثية صادرة من جهات محترمة= أن تشهد الأحداث في القدس خلال العام 2010 تطوّرًا جذريًّا:
فعلى مستوى الهوية الدينية فإن العام 2010 مرشح لأن يشهد تطوّراتٍ رئيسة تتمثّل في:
1. محاولاتٍ حقيقية لتقسيم المسجد الأقصى بشكلٍ دائم، بحيث تُقتطع ساحاته الجنوبية الغربية لتخصص للمصلين اليهود، منهيةً بذلك الحصرية الإسلامية للمسجد، وستحاول مختلف الأوساط المعنية على مستوى الدولة والجمعيات المتطرفة أن تستثمر الأعياد والمناسبات اليهودية لمحاولة فرض مثل هذا الأمر.
2. استكمال مشروع "المدينة اليهوديّة المقدسة" أسفل المسجد الأقصى ومحيطه، من خلال افتتاح عددٍ من مواقع الحفريات التي وصل فيها العمل إلى مراحله النهائية، خصوصًا في الجهة الجنوبيّة للمسجد، وليس من المستبعد أن تصل الحفريّات في هذه الجهة إلى المصلى المروانيّ، كما من المتوقّع أن تتوسّع الحفريّات في الجهة الغربيّة للمسجد باتجاه الأسوار الغربيّة للبلدة القديمة.
3. البدء ببناء المزيد من المعالم والرموز اليهوديّة الدينيّة في البلدة القديمة للقدس، فبعد افتتاح "كنيس الخراب" الذي يُمثّل الرمز اليهوديّ الأهمّ والأكبر في بلدة القدس القديمة، من المتوقّع أن يبدأ المحتلّ بمشاريع بناءٍ إضافيّة تُعزّز وجوده الدينيّ في المدينة قد يكون أبرزها كنيس "قدس النور" الذي كان مخطط "أورشليم أولاً" قد تحدّث عنه في عام 2008، ويفترض أن يقام فوق المحكمة الإسلامية الملاصقة للسور الغربي للأقصى.
4. استمرار محاولات الاستيلاء على الأوقاف الكنسيّة وخصوصًا أملاك الكنيسة الأرثوذكسيّة في البلدة القديمة.
وأما على صعيد الهوية السكانية للقدس، فمن المتوقع أن تشهد بدورها تصعيداً مماثلاً، من عدّة نواحٍ، أبرزها:
1. تصاعد وتيرة سحب الهويات بشكلٍ كبير، وتفعيل هذا السلاح كوسيلة ناجعةٍ للتخلص من أكبر عددٍ ممكن من السكان، خصوصاً إذا ما أُعلن تعديل الحدود البلدية مخرجاً بعض التجمعات الفلسطينية الأساسية خارج حدود القدس بشكلٍ نهائي.
وقد كان عدد الهويات التي سحبتها الحكومة الإسرائيلية من سكان القدس من العرب منذ عام 1967 إلى عام 2007 يقارب 8500 عملية سحب هوية، بينما سحبت في عام 2008 وحده 4500 هوية؛ فسحبت في سنةٍ واحدة ما يفوق نصف ما سُحب على مدار أربعين سنة.
2. تكثيف محاولات الترويج للقدس كمركز سكني في محاولة لتعديل ميزان الهجرة اليهوديّة العكسيّة من المدينة، و سيكون هذا الأمر محور اهتمام بلدية الاحتلال خلال هذا العام، ومن المتوقّع أن تُقرّ البلديّة وحكومة الاحتلال بناء ما لا يقلّ عن 12000 وحدة سكنيّة جديدة في شرقيّ المدينة، وقد أعلنت إسرائيل مؤخراً عن قرارها بإقامة 1600 وحدة استيطانية جديدة في القدس. وكتب بعدها إسرائيل هرئيل في صحيفة هآرتس العبرية:
((يوجد درس رئيس لم تتعلمه إسرائيل قط: إذا كانت توجد خطة أم استراتيجية لبناء عشرات آلاف الوحدات السكنية في القدس، وأن يضمن بذلك أن يحافظ فيها لأجيال على الأكثرية اليهودية المطلقة، فانه يجب إجازة الخطة كلها – وبموعد واحد. إذا أجازوا 1600 أو 50 ألف وحدة فستكون التنديدات والتهديدات من الخارج، والنفاق أيضا والذعر والنقد الداخلي بنفس القوة بالضبط. فبدل اجتذاب النار بهذه القوة مرة كل سنة أو سنتين: يمكن تركيزها في موعد واحد، والاستعداد للاحتمال والاستمرار على بناء القدس حتى ينقشع غبار التنديدات وهو ينقشع دائماً)).
3. احتمال تعديل الحدود البلدية للقدس لتتطابق مع حدود الجدار، لإدخال نحو 163 كلم2 إلى مساحة القدس الأصليّة يسكنها أكثر من 69900 مستوطن يهوديّ.
4. تكثيف نشاط الجمعيّات الاستيطانيّة المرتبطة بدولة الاحتلال في البلدة القديمة للقدس للاستيلاء على أكبر عدد ممكن من عقارات البلدة، مع توفير غطاء قانونيّ وأمنيّ كامل من دولة الاحتلال. وهو أمرٌ مُعلنٌ وجاري تنفيذُه.
عباد الله، إن الأمر جلل، وإن القوم في سعيهم سائرون، وستمكِّن لهم حكومة نتنياهو، وهي فُرصةٌ لن يضيِّعها متطرفو اليهود، فأين نحن من هذا كُلِّه. إنه من العار أن يصلى بنار قضيتنا شباب دون العشرين، ويحملون هم مسجدنا، ونحن في احتفالاتنا، وفي همومنا اليومية. إن المسجد الأقصى كان خطاً أحمراً، نتسلى به عن عجزنا، ونقول فإذا مُس الأقصى سيرين الله منا ما نفعل، فلما بلغ الوهنُ، وحبُّ الدنيا مبلغه، ووصل الخطر المسجد الأقصى لم يلق منا مسامعَ ولا أبصاراً، ولا قلوباً. اللهم أحي قلوبنا بذكرك، وأعنا اللهم على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك. عباد الله يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق. فهل حدَّثت نفسك به.
الحمد لله حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
وصَف القرآنُ الكَريم في كثيرٍ مِن آياتِه بيتَ المقدِس ومَسجدَه بالبَرَكةِ، وهي النّمَاءُ والزيادةُ في الخَيرات، قالَ سُبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه)ُ [الإسراء:1]، وقالَ تَعَالى: ( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:71]، وهذا حكاية عن الخليل إبراهيمَ عليه السلام في هجرته الأولى إلى بيت المقدس وبلادِ الشام، قال تَعالى: (وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا) [الأعراف:137].
وفي قصّة سليمانَ عليه السّلام يقول سبحانَه: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا) [الأنبياء:81]، وقالَ تعالى عَلى لسانِ موسَى: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة:21], وعندَ حديثِ القرآنِ عن رغَد عيشِ أهلِ سبَأ؛ يقول سبحانَه: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القُرَى الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً) [سبأ:18]، وهي قُرى بيتِ المقدس كما روى العوفيّ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما.
وصَف القرآن أرضَها بالرَّبوَة ذَاتِ الخصوبَةِ، وهي أحسَن ما يكون فيه النَّباتُ، وماءَها بالمعينِ الجاري، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) [المؤمنون:50]، قالَ الضَّحاك وقتادةُ: "هو بيتُ المقدس".
وفي قولِه تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) [البقرة:114], قالَ كَثيرٌ من المفسِّرين: " هو مسجِد بيتِ المقدس ", وقال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) [الإسراء:7]، أجمَع المفسِّرون على أنَّ المسجِدَ المذكورَ ها هنا, هو: المسجدُ الأقصى.
المسجِد الأقصى هو ثاني مسجِدٍ بُنِيَ في الأرض، لما في الصّحيحين عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أيّ مسجِدٍ وضِع في الأرض أوّل؟ قال: " المسجدُ الحرام "، قال: قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: " المسجد الأقصى "، قلتُ: كم كان بينهما؟ قال: " أربعونَ سَنةً، ثمّ أينما أدرَكتكَ الصلاة بعدُ فصلِّهِ فإنّ الفضلَ فيه ".
وبيتُ المقدس لا يدخُلُه الدجّال؛ فقد روَى جُنادة بن أبي أميّة قال: أتينا رجلاً من الأنصارِ من أصحابِ رسول الله فدَخَلنا عليه، فقلنا: حدِّثْنا ما سمعتَ من رَسولِ الله، فذَكَر الحديثَ وفيه: " عَلامتُه يمكُث في الأرضِ أربعين صَباحًا، يبلغ سلطانُه كلَّ مَنهلٍ، لا يأتي أربعةَ مساجِدَ: الكعبةَ ومسجِدَ الرّسولِ والمسجِدَ الأقصَى والطّور " رواه أحمد ورجاله ثقات.
وعَن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: تَذاكَرنا ونحن عندَ رسول الله أيّهما أفضَل: مسجِد رَسولِ الله أم بيت المقدس؟ فقالَ رسولُ الله: " صلاةٌ في مسجِدِي هذا أفضَلُ من أربَعِ صَلوات فيه، ولَنِعمَ المصلَّى هو، وليوشكَنَّ أن يكونَ للرّجل مثلُ شطنِ فرسه من الأرضِ حيث يَرَى منه بيتَ المقدِس خيرٌ له من الدّنيا [جميعًا] ", أو قال: " خيرٌ له من الدّنيا وما فيها " أخرجه الحاكم وصحّحه.
وفي مسندِ أحمدَ وسُنَن أبي داود وابن ماجَه عن ميمونةَ مولاةِ النبيِّ قالت: يَا نبيَّ الله، أفتِنا في بيت المقدس، فقال: " أرضُ المنشَر والمحشَر، ائتوهُ فصلُّوا فيه؛ فإنَّ صلاةً فيه كألفٍ فيما سواه ".
تُشَدّ الرحال إلى المسجِدِ الأقصى؛ فعَن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عَنه قال: قال رسولُ الله: " لا تَشُدُّوا الرحالَ إلا إلى ثلاثةِ مساجِدَ: مسجدي هذا والمسجدِ الحرام والمسجدِ الأقصَى " رواه البخاري ومسلم. حديثُ شدِّ الرّحال يدلُّ على الاهتمامِ الذي أولاه الرَّسول للأقصَى المبارك، وربَط قيمتَه وبركتَه مع قيمةِ وبركة هذين المسجدين.
إِتيانُ المسجدِ الأقصى بقصدِ الصَّلاة فيه يُرجى أن يُكفِّر الذنوبَ ويحُطّ الخطايا، فعَن عبدِ الله بن عمرو عَن النبيِّ قال: " لمّا فرَغ سليمانُ بن داودَ من بناءِ بيتِ المقدس سأل الله ثلاثًا: حُكمًا يصادِف حكمَه، ومُلكًا لا ينبغي لأحَدٍ من بعدِه، وأن لا يَأتيَ هذا المسجدَ أحدٌ لا يريد إلاّ الصَّلاةَ فيه إلاّ خرَج من ذنوبه كيومَ ولدَته أمُّه "، فقال النبيّ: " أمّا اثنَتَان فقد أُعطِيَهما، وأرجو أن يكونَ قد أعطِيَ الثالثة " رواه أحمد والنسائيّ وابن ماجه.
بَشَّر النبيُّ بِفتحِ بيتِ المقدِس، ومِن مؤيِّداتِ هذهِ البِشارةِ حديثُ عوفِ بنِ مالكٍ عن النبيِّ قال: " اعدُد ستًّا بين يدَيِ الساعةِ: موتِي ثمّ فتحُ بيت المقدِس " رواه البخاري.
القدسُ حاضِرَةُ الخلافةِ الإسلاميّة في آخرِ الزَّمان، فعن عبد الله بنِ حَوالَة الأزديّ قال: وضَعَ رَسول الله يدَه على رَأسِي أو قَالَ: عَلَى هَامَتي، ثمّ قَالَ: " يَا ابنَ حَوالة؛ إذا رَأيتَ الخلافةَ قد نَزَلَت الأرضَ المقدَّسَة فقد دنَت الزلازلُ والبلابِل والأمورُ العِظام، والساعةُ يومئذٍ أقربُ من النّاس [من] يدِي هذِه مِن رأسِك " رواه أبو داود وأحمد.
إنَّ شأالصفحات [1] [ 2]