إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
أما بعد، فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.
فإنَّ دولة اليهود (إسرائيل) قامت على مجموعة من الأساطير والخرافات، التي استطاعت تحويلها إلى معتقدات ونبوءات دينية مقدّسة يجب تحقيقها في الواقع ودنيا الناس. واستطاعت القيادات الدينية والسياسية اليهودية العالمية أن تحشُوَ أدمغة يهود العالم ثمَّ نصارى أوربا وأمريكا بهذه الخرافات والأساطير، ومنها: أسطورة الهيكل المقدس، الذي نسبوه زوراً وبهتاناً إلى نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام. وهم اليوم يسرعون الخطى من أجل بنائه بعد قيامهم بهدم المسجد الأقصى المبارك، كما يرجون ويؤمِّلون، خيَّب الله مساعيهم، ورد كيدهم في نحورهم.
أيها المسلمون، لقد أدرك اليهود أثر العقيدة في حياة الشعوب، فَجَعَلوا الدِّين ركيزة تنطلق منها السياسة في الوقت الذي نُنَحِّي نحن الدين جانباً في معركتنا الفاصلة. رفعوا في معركتهم مع المسلمين (التوراة)، ورفعنا (المعاهدات الدولية). وجعلوا اسم دولتهم على اسم أحد الأنبياء: إسرائيل (يعقوب عليه السلام) واختاروا نجمة داود شعاراً مقدساً رسموه على علم دولتهم، ونحن نجعل شعارنا الحريةَ والديمقراطية. جعلوا غايتهم العودة إلى أرض الميعاد المعطاة لهم من الرب بوعد مقدّس، ورسمت أسفارهم حدود دولتهم، ثُم جعلوا أهمَّ أهدافهم التي يسعون لتحقيقها بناءَ هيكل سليمان (الهيكل الثالث) على أنقاض المسجدين الأقصى وقبة الصخرة، ولم يَمَلّ حاخاماتُهم وأحبارُهم وقادتُهم السياسيون وكلُّ زعمائهم مِن تَرداد مقولة: (لا معنى لإسرائيل بدون أورشليم، ولا معنى لأورشليم بدون الهيكل الثالث).
أحبتي في الله، ويؤمن اليهود بوجوب إعادة بناء (هيكل الرب) الذي بناه نبي الله سليمان-عليه السلام- فوق جبل مُوريا كما جاء في كتابهم المقدس، وجبل موريا عند جمهورهم هو جبل المسجد القدسي الشريف، أي حيث يوجد المسجدان: الأقصى وقبةُ الصخرة. ولذا يؤمن هؤلاء بوجوب هدم المسجدين حتى يبنون الهيكل في مكانه الأصلي. واتفق اليهود مع اليمين النصراني المتطرِّف على ذلك. وذلك أن الصهيونية النصرانية استطاعت أن تغرس في أذهان وعقلية الغرب المسيحي أن ثمة أموراً ثلاثة يجب أن تتحقق قبل ظهور المسيح –عليه السلام- في فلسطين وهي:-
الأمر الأول: قيام دولة إسرائيل، وهو حلُمٌ قد تحقق.
والأمر الثاني: جعل مدينة أورشليم –القدس- تحت السيطرة الإسرائيلية، لأنّها المدينة التي سيحكم منها المسيح –عيسى عليه السلام- العالم كله، وهذا أيضاً تحقق.
الأمر الثالث: إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى المبارك بعد هدمه وإزالته من الوجود. وهي المرحلة الأخيرة التي ينتظرها كلاً من متطرفي اليهود، وأتباعهم من صهاينة النصارى.
يقول المبشر الصهيوني النصراني (أوين) وهو ضابط متقاعد: "إنّنا نعتقد بأن الخطوة التالية في الأحداث بعد إقامة دولة إسرائيل وعودة اليهود للقدس هي أن يُعاد الهيكل. هذه ستكون مؤديةً إلى عودة المسيح. وإن اليهود بمساعدة المسيحيين يجب أن يدمروا المعبد القائم –المسجد الأقصى- ويبنوا الهيكل لأنَّ هذا ما يقولُه الإنجيل".
هذا الهيكل المزعوم، الذي يُقيمون لأجله كل هذا الضجيج، وهذه الحروب، والذي يُعد غايةَ ومُنتهى تحقيق الحُلُم الإسرائيلي: ما هو؟ وهل زعمهم الذي يزعمونه بخصوصه حق؟ دعونا نقف في خطبتنا اليوم مع هذه القضية، دفاعاً عن حقِّنا، وتمييزاً للحقائق من الزور والبهتان، وتنبيهاً، ووقاية لي ولكم من تزوير المعلومات، والدعاوى الخاطئة، التي قد يروَّج لها في الأيام القادمة.
أحبتي في الله، الهيكل كلمة عربية يقابلها في العبرية "بيت همقداش" أي بيت المقدس، أو "هيخال" وتعني البيت الكبير في كثير من اللغات السامية. ومِن أهم أسماء الهيكل "بيت يهوه"، و(يهوه) هو إله اليهود، يعني أن معناه: بيت الإله. وهذا الهيكل أُعدَّ أساساً ليكون مسكناً للإله، وليس مكاناً للعبادة وأداءِ الطقوس وتقديمِ النذور والقرابين، وإنْ أصبح فيما بعد مكاناً لهذه الأمور... وفي الكتاب المقدَّس عدةُ نصوص بهذا الخصوص. وأيضاً فإنَّ اليهود يَعُدُّون الهيكل بمثابة المصرف القومي للدولة العبرانية، يُرسلون إليه القرابين والنقود، ويُودع فيه الأثرياء نقودهم، وتُحفظ فيه رموزُ الدولة وطنافسها كالشمعدان ونحوه.
أما عن أصل بناء الهيكل، فقد زعم الكتاب المقدس -عند اليهود- أنّ النبي داود عليه السلام اشترى أرضاً من أرونة اليبوسي لبناء الهيكل، وهيَّأ الأموال والمواد اللازمة لبنائه، ولكنّه لم يَشرع في البناء لانشغاله بالحروب وسفكه لدماء كثيرة. ولهذا السبب منعه الرب من البناء، لأنه عصى الله –بزعمهم- بسفكه لهذه الدماء. لكنَّ الربُّ وَعَدَهُ بأن يكون ابنُه سليمانُ وريثُه هو الذي يقوم ببناء الهيكل. وقد أنجز سليمان بناء الهيكل وأتمَّه وأكمله في سبع سنين. وحسب المزاعم اليهودية الآن فإنَّ سليمان بنى الهيكل فوق جبل مُورِيّا في القدس، وهو جبل بيت المقدس، أو هضبة الحرم حيث يوجد فوقها سور الحرم الشريف الذي يشمل المسجد الأقصى ومسجد قبَّة الصخرة، وعدداً من الأروقة والأبنية. ويُسمِّي اليهودُ المكان بجبل الهيكل.
وقد حافظ الهيكل على عظمته مدة أربعة قرون وربع –بحسب مزاعمهم-، أي منذ حوالي سنة 968 ق.م = إلى أن هاجم البابليون بقيادة الملك نبوخذ نصر (بخت نصر) القدس وَسَبَوا أهلها، واستولوا على ما في الهيكل من ثروات، ثم هدموه سنة 586 ق.م أو سنة 587 ق.م. فهذه كانت قصة الهيكل الأول.
أما الهيكل الثاني، فهو الذي يسمونه بهيكل (زور بابل) أحد كبار كهنة اليهود، إذ بناه هذا الكاهن سنة 515ق.م بعد أذن الملك الفارسي قورش لليهود بالعودة إلى القدس سنة 538 ق.م. وكان البناءُ الجديدُ أضخمَ من البناء الأوَّل لكنّه أقلَّ مصاريف وفخامة، وبقي هذا الهيكل قائماً مدة خمسة قرون. وأخبار هذا الهيكل جاءت في أسفار عزرا وحجي وزكريا.
ثم قام هيرودس -الوالي اليهودي على فلسطين من قبل الرومان- ببناء هيكل جديد على أنقاض هيكل (زور بابل) الذي أصابه الخراب أو لكونه لم يعجب الوالي نفسه، فهدمه وقام ببناء هيكل آخر مكانه أضخم منه، بدأ هيرودس العمل في البناء سنة 20 ق.م واستمر العمل فيه وقتاً طويلاً ولكنه مات قبل أن يُتِمَّه، وتم البناء في عهد أجريباس الثاني سنة 64م. وجاء في (قاموس الكتاب المقدس) أن المسيح عيسى صلى الله عليه وسلم زار هذا الهيكل وأخذ يسأل التلاميذ عند درجات دار بني إسرائيل التي كانت إحدى الدور التي أحاطت بالهيكل. ولقد هُدم هذا الهيكل في التاسع من آب أغسطس سنة 70م على يد القائد الروماني طيطس. ويذهب اليهود إلى أنّ هدم الهيكل كان عقاباً لهم على ما اقترفوه من الذنوب، التي منها: عبادةُ الآلهة من دون الله،وعدمُ القيام بفرائضه ووصاياه، وعدمُ حفظ عهوده التي قطعها على بني إسرائيل.
هذه قصة الهيكل في نسختيه الأولى والثانية كما يزعمون. ولمّا كان الهيكل هو المعبد المقدس عند اليهود، وقد هدم عام 70م فإنّهم يحرصون بشدة على إعادة بنائه وتشييده من جديد، ويطلقون مصطلح "الهيكل الثالث" على الهيكل الجديد.
ولكي يبقى الهيكل المهدوم حياً في ذاكرة كل يهودي فقد ابتدع الحاخامات اليهود مجموعة من الطقوس والمراسم يقوم بها اليهودي، منها: ذِكرُ الهيكل عند الميلاد والموت، وعند الزواج يُحطَّم أمام العروسين كوبٌ فارغٌ لتذكيرهم بهدم الهيكل، وقد يُنثر بعضُ الرماد على جبهة العريس، من أجل ذلك أيضاً. وفي الماضي كان الحاخامات يوصون اليهودي الذي يطلي بيته أن يترك مربعاً صغيراً دون طلاء حتى يتذكر حادثة هدم الهيكل، وفي يوم التاسع من آب (أغسطس) يصوم اليهود تخليداً لتلك الحادثة، وعلى اليهود الأتقياء الصلاة في منتصف الليل حتى يُعجِّلَ الإلهُ بإعادة بناء الهيكل.
إنّ معظم قادة اليهود في فلسطين المحتلة من الحاخامات والأحبار ورجال السياسة لا يملون من الحديث عن وجوب إقامة هيكل سليمان ومن العبارات التي يرددونها دائماً: (لا معنى لإسرائيل بدون أورشليم، ولا معنى لأورشليم بدون الهيكل).
أيها الإخوة في الله، مجرد بناء معبدٍ لليهود سواءً سُمِّيَ هيكلاً أو سُمِّي بأي اسمٍ آخر، ليس أمراً ذا بال، ولكن هذا الهيكل يكتنفه الآن أمران:
الأمر الأول: أنه إيذانٌ عندهم بنهاية عصور الشتات، وتحقُّقِ الحلم بتملُّك الأرض المقدسة، الأمر الذي سيُمهِّد لنزول مسيحهم –المسيح الدجال- الذي يزعمون أنه سيقودهم إلى الجنة.
الأمر الثاني: أنهم ضاقت عليهم الأرض فلم يجدوا مكاناً يزعمونه مكاناً للهيكل، إلا أن يكون تحت بنيان وحجارة المسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثالث المساجد التي تُشَدُّ لها الرحال، وأبرز المعالم الإسلامية في القدس.
ولذلك، يثير اليهود الشكوك حول المسجد الأقصى المبارك وما حوله ويزعمون أنه بُني فوق أرض يهودية، وعلى أنقاض الهيكل المقدس الذي كان يشكل رمزاً للهوية اليهودية،ومعلماً دينياً ووطنياً لهم في زمن من العصور الغابرة. وقد جنّد اليهود ومن أجل تأكيد هذه الشكوك، كثيراً من الطاقات،والمقدرات،والإمكانات البشرية والمادية، لتصبح بعدئذٍ حقائق دينية أكيدة لدى جمهور كبير من اليهود. فهل ظفروا من ذلك بشيء؟!
وسنعرض إن شاء الله في بقية الخطبة لكشف مزاعم الصهيونية المزيفة في الهيكل المنسوب لسليمان عليه السلام، من عدة أوجه؛ معتمدين أولاً على الأسفار اليهودية المقدسة عندهم، وعلى أقوال علماء الآثار من اليهود والنصارى وغيرهم، ثمّ على حقائق التاريخ ووقائعه، وعلى أقوال علماء المسلمين من المؤرخين والمفسرين ونحوهم، ومن الله العون والتوفيق.
أحبتي في الله، إنّ المصدر الديني المقدس الذي يتحدث عن وجود هيكل سليمان بالصفة المحددة عند اليهود هو الكتاب المقدس الذي يشتمل على التوراة بأسفارها الخمسة وأسفار الأنبياء والأسفار التي يسمونها بالكتابات. وإنّ سفري الملوك الأول والثاني-من أسفار الكتاب المقدس- هما اللذان تحدثا عن بناء سليمان عليه السلام للهيكل وذكرا أوصافه وهيئته ومواد بنائه. ولكن يجب أن يُقال هُنا بأن أسفار العهد القديم ومنها أسفار الأنبياء التي جاء فيها الحديث عن هيكل سليمان قد كُتبت ولُفقت وجمعت من مصادر مختلفة متباينة. واعترفت بهذه الحقيقة (الموسوعة اليهودية)، و(دائرة المعارف الأمريكية) التي قالت: إن الكتبة قد غيَّروا بقصد وبدون قصد في الوثائق والأسفار اليهودية التي كتبوها على مدار الفترة من القرن الحادي عشر قبل الميلاد إلى القرن الأول بعد الميلاد.
ولقد شكّك علماء كثيرون من اليهود والنصارى في (العهد القديم) كمصدر موثوق به، ومن هؤلاء "ول.ديورانت" صاحب كتاب (قصة الحضارة) و"أين أسرا" من علماء القرن السادس عشر، "وباروخ سبينوزا"، "وموريس بوكاي" الذي قال: "إنّ العهد القديم يتكون من مجموعة من المؤلفات الأدبية، أنتجت على مدى تسعة قرون تقريباً. وعليه فدليلكم الذي بيَّن الله تحريفه، ثم تتابع المنصفون والباحثون على التشكيك في موثوقيته = لا يصلح أن يكون دليلاً فاصلاً في هذه المسألة.
ونضيف كذلك بأنَّ سفري الملوك الأول والثاني –اللذين تحدثا عن هيكل سليمان–شكّك العلماء والمؤرخون فيهما –أيضاً– كمصدر تاريخي يمكن الوثوقُ به، وذهبوا إلى أنَّ السفرين عبارةٌ عن مجموعة من المدونات استقى كاتبُها موادَّه مِن سجلات البلاط، وسجلات الهيكل، وَسِيَر الأنبياء، واعتمد على كثير من الروايات الشفهية والحكايات الشعبية. وذهب العلماء إلى أنّ هذين السِّفرين قد تمَّ تأليفُهما مرتين وبصيغتين مختلفتين. ويذكر الكاتب الفرنسي "موريس بوكاي" أن أسفار (صموئيل) و(الملوك) قد شك العلماء في قيمتها التاريخية حيث تختلط الأحداث بالأساطير وأنّ "أدموند جاكوب" وجد فيها أخطاء متعددة، وأن الحدث الواحد له رواياتٌ مزدوجةٌ وحتى ثلاثية. ظلماتٌ بعضها فوق بعض.
ثانياً: وإذا تجاوزنا التشكيك في أصل المصدر الذي يعتمدون عليه في إثبات هذا الهيكل المزعوم فسنجد أن روايات الأسفار المقدسة عند اليهود التي تحدثت عن بناء سليمان للهيكل وعدم قيام أبيه داود ببنائه فيها من التناقض والاختلاف الذي يثبت بلا مراء خرافة الهيكل. ومن ذلك، ما جاء فيها مِن أن:-
الربّ منع داود من بناء الهيكل لأنّه سفك دماءً كثيرة وخاض حروباً كثيرة، واختار الرب سليمان للقيام بمهمة البناء لاستقامته. ومن خلال دراسة السفرين نجد التناقض التالي:- داود عليه السلام حرمه الرب من بناء الهيكل لسفكه الدماء، أي ارتكابه معصية – حَجَبَت عنه شرف بناء بيت الرب، وسليمان عليه السلام ناله هذا الشرف مع أنه عَبَدَ آلهةً من دون الله تعالى ومات عابداً للأوثان. مع أن الشرك أشد إثماً وجُرماً مِن معصية سفك الدماء.
سليمان لم يحفظ وصايا الرب وعهوده وفرائضه، ولم يتبع الرب، فعصى كما عصى والدُه داود سواءً بسواء= كما في سفر الملوك الأول، وأما في سِفر أخبار الأيام الأول فقد وعد الله داود أن يولد له صاحب راحة، وهو الذي يبني بيت الرب، بل يكون لله ابناً واللهُ له أباً، أي لاستقامة داود وحسن عبادته للرب. وسبحان الله أن يكون له ولد، وحاشا أنبياء الله أن يكونوا كما يصفهم اليهود. وسبحان الله الذي يُظهر عوار الباطل حتى من كلام أهله.
ثالثاً: هل اتفقت نصوص الكتاب المقدس على موضع هذا الهيكل؟؟
الواقع يُثبت أنها اختلفت في ذلك، فقد اختلف فيه اليهود على أقوالٍ متعددة مبنية على نصوص مضطربة، فمن ذلك:
النص الأول:- يفيد أن مكان بيتِ الله (بيتِ سُكناه) هو على جبل جرزيم، وهو موضعٌ قُرب نابلس.
النص الثاني:- يفيد هذا النص أنّ بيت الله بناه يعقوب عليه السلام في المنطقة التي تعرف بـ "بيت إيل" وهي منطقةٌ تقع شمال القدس وجنوب رام الله.
النص الثالث:- جاء في سفر أخبار الأيام الثاني أن سليمان عليه السلام بنى بيت الرب في أورشليم (القدس) في جبل المُورِيَّا حيث تراءَى لأبيه داود، وأن داود هيأ له مكاناً في بيدر أرنان اليبوسي.
النص الرابع:- إنّ موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل بناء مذبح للرب، فبناه يوشع بن نون في جبل عيبال (يقع في نابلس اليوم)، كما أمر موسى، وكما هو مكتوب في سفر توراة موسى.
القول الخامس:-ذهب الحاخام ديفيد كمخي- من كبار شراح التوراة عاش بين 1160-1235م إلى أنّ المنطقة التي أقيمت فوقها الهياكل السابقة لا تزال خربة تماماً- أي في عصره- ولم تقم عليها أي أبنية ترجع للمسلمين أو النصارى، وهذا صريحٌ أنه في مكانٍ غير مكان المسجد الأقصى.
القول السادس:- ذهب بعض اليهود إلى أن الهيكل قد بني في غرب القدس: يقول عالم الآثار الأمريكي "غوردن فرانز" –وقد عاش سنتين في معهد الأرض المقدسة بالقدس-: "إن بعض اليهود يرون أن الهيكل قد سبق وتم بناؤه على شكل كنيس ضخم في شارع جورج الخامس في غرب القدس، وهؤلاء اليهود الذين يؤمنون بهذه النظرية يستدلون بقول إسحاق بن يعقوب عندما سئل أين بيتي؟ ويفسرون هذا النص بأنه يعني أن الهيكل لم يكن فوق الأرض الإسلامية اليوم، ولكنه في مكان آخر.
فإذا كان هذا اختلافُهُم؛ فَلِمَ يكاد يتفق يهود اليوم، وحكومةُ إسرائيل، وَمَنَ يُشايعهم ويعاضدهم مِن العالم على أن الهيكل هو في مكان المسجد الأقصى.
رابعاً: أن علماء وشراح كتاب يهود الذين زعموا بأن موضع الهيكل في جبل موريا قد اختلفوا اختلافا بينا في موضعه من ذلك الجبل... وهو أمرٌ نضرب عنه صفحاً لعدم فائدة الخوض في تفصيله الآن.
خامساً: الأسفار المقدسة عند اليهود تفيد أن الرب هو الذي أمر بهدم الهيكل، ولكنه لم يأمر بإعادة بنائه:-
فإذا سلمنا جدلاً بصحة روايات الكتاب المقدس حول بناء سليمان عليه السلام للهيكل، فيجب أن يسلّم اليهود بأن الله تعالى نفسَه هُوَ الذي أمر ببناء الهيكل وَهُوَ الذي قرّر هدم الهيكل ونفيه من الأرض عقاباً لسليمان عليه السلام باني الهيكل، لأنّه -حسب الكتاب المقدس- ترك عبادة الرب وحده لا شريك له، ومال إلى عبادة آلهة أخرى، ولم يقم بحفظ وصايا الله وفرائضِه بل مات مشركاً وثنياً، فضلاً عن سماحه لنسائه بعبادة الآلهة والأوثان من دون الله تعالى وتقديم القرابين لها.
سادساً: أن علم الآثار الحديث ينفي دعوى وجود الهيكل تحت المسجد الأقصى:-
فقد احتل اليهود الشطر الشرقي من القدس عام 1967م، ومنذ ذلك الزمن إلى اليوم وهم يحاولون العثور على أيّ أثر يدل على بقايا الهيكل المزعوم ويثبت مكانه تحت المسجد القدسي الشريف. لقد قامت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بإجراء حفريات وأنفاق تحت أسوار جبل بيت المقدس، وتحت أسوار المسجد الأقصى من جانبيها الغربي والجنوبي، وامتدت الحفريات إلى الأرضية الداخلية تحت ساحة المسجد، وتحت مسجد النساء داخل المسجد الأقصى، واستمرت الحفريات بشق نفق واسع طويل اخترق المسجد من شرقه إلى غربه، وأقام اليهود في النفق كنيساً يهودياً صغيراً افتتحه رسمياً رئيس الدولة ورئيس الوزراء الإسرائيلي عام 1986م. ولقد مرّت عمليات الحفر والتنقيب بعشر مراحل، كل مرحلة جديدة أشد شراسة من سابقتها، والسؤال: هل وجد علماء الآثار اليهود والأوربيون والأمريكان خلال عمليات الحفر والتنقيب أثراً واحداً يدل على الهيكل المقدس المزعوم؟ وهل وجدوا برهاناً أثرياً يثبت أن المسجدين الأقصى وقبة الصخرة قد أقيما على أنقاض ذلك الهيكل كما تزعم الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية؟
النتيجة أن الحفريات أثبتت وبمشاركة من عالم الآثار الأمريكي غوردن فرانز بتكليف من معهد الأرض المقدسة في القدس- عدم وجود أي دليل على أن المسجد الأقصى يقوم في موقع هيكل سليمان المزعوم. وصرَّحت بذلك الأمريكية "غريس هالسل" (والتي عملت محررة لخطابات أحد رؤساء أمريكا السابقين) والتي زارت القدس عدة مرات، والتقت مع العشرات من اليهود والنصارى الصهاينة في أمريكا والأراضي الفلسطينية المحتلة، وقابلت علماء آثار وباحثين من اليهود والأمريكان المهتمين ببناء الهيكل، تقول هذه الكاتبة: "إنّ علماء الآثار لم يجدوا أيّ أثر يشير إلى أين كان يقع الهيكل الأول أو الثاني".
في شهر آب –أغسطس– 1981م أعلن عن وجود نفق بعمق ستة أمتار يمتد من أسفل الحائط الغربي للمسجد الأقصى في الموقع المسمى بالمطهرة حتى يصل إلى سبيل "قايتباي" المواجه لمسجد قبة الصخرة. وأثارت وقتها وسائل الإعلام الإسرائيلية ضجة حول هذا النفق في محاولة بائسة للإيهام بأن اكتشاف النفق ينطوي على دليل أثري يخدم مزاعم اليهود في البحث عن هيكل سليمان، ولكن هل عادوا من ذلك بطائل؟!
لقد اعترف علماء الآثار اليهود أنفسُهم بكذب الادعاءات الإسرائيلية. وصرَّح عالمُ الآثار الإسرائيلي "مائير بن دوف" أن العثور على النفق لا يعد اكتشافاً، لأنه نفق معروف- منذ سنة 110 سنوات- ويعود اكتشافه إلى الكولونيل البريطاني "تشارلز وارين". وأفاد تقريرٌ أَعَدَّه مهندسُ إعمار المسجد الأقصى أنَّ هذا النفق تبيَّن أنه أثرٌ إسلامي خالص.
أيضاً، نشرت مجلة "جيروساليم ريبورت" في الفترة الأخيرة تصريحات لعالم الآثار اليهودي "إسرائيل فلنكشتاين" من جامعة تل أبيب يقول فيها: إن علماء الآثار اليهود لم يعثروا على شواهد تاريخية وأثرية تدل على وجود الهيكل أو أنّ الهيكل كان موجوداً بالفعل. وشكّك "فلنكشتاين" بفكرة وجود الهيكل، وعدّها مجرد خرافة ليس لها وجود أصلاً، وأنّ كتبة التوراة في القرن الثالث أضافوا قصصاً خيالية، ولم تحدث قط.
فهذه ستةُ أدلة كاملةٌ ليس فيها آيةٌ ولا حديث، وإنما هي استشهادٌ على القوم بما يعتقدون، وبأدلة يُسلِّم لها كُلُّ مُنصفٍ من بني البشر.
ونقول سابعاً في هذه العجالة: يا عباد الله، يا أيها المؤمنون، ألم تعلموا أنَّ المسجد الأقصى الذي يتنازعون حوله= أنه بُني قبل أن يخلق اللهُ نبيَّه سليمان عليه السلام بأزمان بعيدة، وقبل أن يبني أي معبدٍ أو هيكل!!. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يوجد هيكل سليمان تحت المسجد الأقصى كما يزعم اليهود، والمسجدُ الأقصى إنما بُني قبله. يقول الله تعالى: "إن أول بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين" سورة آل عمران:96، وجاء في الحديث الصحيح:أنّ أبا ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أيّ مسجدٍ وُضع في الأرض أوّل؟ قال: "المسجد الحرام" قال: قلت: ثمَّ أيّ؟ قال: "المسجدُ الأقصى" قلتُ: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة، ثمّ أين ما أدركتك الصلاة بعدُ فصلِّه، فإنّ الفضل فيه" متفق عليه.
وسواء أخذنا برأي من ذهب إلى أنَّ الباني الأول للمسجد الأقصى بعضُ ولد آدم أو إبراهيم عليهما السلام، فإن بين ولد آدم، وسليمان عليه السلام آلاف السنين، وبين إبراهيم عليه السلام وسليمان عليه السلام ما يقرب من ألف سنة. فهذا يعني أن المسجد الأقصى وُجد في جبل بيت المقدس، قبل أن تكون هناك قبيلة يهودا، أو يكون هناك يهود، وقبل أن يكون التاريخ اليهودي أصلاً، وأيضاً قبل بناء سليمان عليه السلام الهيكل كما يزعم اليهود، وهل من المعقول أو الجائز شرعاً أن يقوم نبي الله سليمان ببناء معبدٍ لله تعالى تحت المسجد القائم.
إذن، فيا عبد الله، إنَّ وجود المسجد الأقصى قبل الهيكل المزعوم من أقوى الأدلة التاريخية التي تبطل مزاعم اليهود وتكشف عن مدى تهافت أساطيرهم.
والحاصلُ أنَّ سليمان عليه السلام بنى لله تعالى بيتاً للعبادة هو المسجد الأقصى، ولم يبنِ هيكلاً كما يزعم اليهود. ويدل على ذلك الحديث النبوي الشريف، وهذا محل إجماع علماء المسلمين على مر العصور. يقول الصحابي عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن سليمان بن داود عليه السلام سأل الله ثلاثاً فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون الثالثة: فسأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه الله إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيّما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله عزّ وجلّ قد أعطاه إيّاه" رواه أحمد.
وأخرج النسائي وابن ماجة وابن خزيمة هذا الحديث مختصراً بلفظ: "إنَّ سليمان بن داود- صلى الله عليه وسلم- لمّا بنى بيت المقدس سأل الله عزّ وجلّ خِلالاً ثلاثة: سأل الله عز وجل حكماً يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمُّه" رواه النسائي وابن ماجه.
وقد ذهب أهل العلم من المؤرخين وغيرهم إلى أنَّ داود عليه السلام أراد بناء المسجد، بل وشرع في بنائه، لكنه عليه السلام توفي قبل أن يَتِمَّ بناؤه فأوصى إلى ولده سليمان بالمهمة، فبناه سليمان عليه السلام، وأتمه وأكمله بناءً عظيماً. وما قام به داود وسليمان عليه السلام، ما هو إلا تجديدٌ للبناء الأول.
قال شيخ الإسلام "ابن تيمية": "فالمسجد الأقصى كان من عهد إبراهيم عليه السلام، لكن سليمان عليه السلام بناه بناءً عظيماً، فكلٌ من المساجد الثلاثة –يقصد المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى– بناه نبي كريم ليصلي فيه هو والنّاس" اهـ مجموع فتاوى ابن تيمية: 27/ 351 .
======================
هذه الخطبة ملخَّصة من نسخة إلكترونية مِن كتاب: (الهيكل اليهودي المقدس.. خرافات بلا حدود) تأليف الدكتور صالح الرقب، أستاذ مشارك في العقيدة الإسلامية في الجامعة الإسلامية بغزة، الطبعة الأولى، 1423هـ- 2002م، مركز النور للدراسات والأبحاث، فلسطين- غزة.
ويمكن تحميل الكتاب من الرابط:
http://www.almsjd.com/upload/jewesh_haykal.zip