اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :دروس من قصة اتخاذ المنبر النبوي

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : دروس من قصة اتخاذ المنبر النبوي

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ،  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}


أما بعد، فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.


 


أيها المسلمون، إن رسولَكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم لنورٌ يُستضاءُ به، هو رحمةٌ للعالمين، وحُجة على المعاندين، وهو رسولُ ربِّ العالمين. شرح الله له صدره، ووضع الله عنه وِزرَه، وجعل الذلة والصغار لمن عصاه وخالف أمره، فكيف بمن ازدراه أو سبَّه أو استنقص دينه وتابعي أمرِه، فبئس الفعلُ فعله، وبئس الغدرُ غدرَه.


وإن في تفاصيل سيرته، وآحاد تصرفاته ما يُبهر من حُسن التصرُّف، وكمال التعبُّد، وصِدق النصيحة... فكيف وهي آحاد، كيف يكون المُجمل من هديه صلى الله عليه وسلم.


نسلك في خطبتنا هذه مسلك الوقوف مع قصةٍ من خَبَرِهِ صلى الله عليه وسلم مستلهمين بعض ما فيها مما أوتيَه من الحكمة.


فقد أخرج الشيخانِ وغيرُهما عن أبي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ رضي الله عنه وَقَدْ امْتَرَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ؟؛ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لاَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فُلاَنَةَ -امْرَأَةٍ مِنْ الأَنْصَارِ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ-: ((مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ)) فَأَمَرَتْهُ؛ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا. [زاد مسلم: فعمل هذه الثلاثَ درجات]، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي)) رواه البخاري ومسلم، وغيرُهما.


وهذا الحديث أيها المسلمون- وهو أحدُ الأحاديث ليس من أشهرها، ولا مِن أكثرها علماً وفوائد، ومع ذلك فقد تضمَّن فوائد جليلةٍ عن نبيِّكم صلى الله عليه وسلم، نقف منها على ما يلي:


أولاً: أن هؤلاء القومِ من التابعين الذين امتروا يعني تجادلوا وتناقشوا في شأن المِنبر؛ لما اختلفوا ردوا الأمر الذي اختلفوا فيه إلى من له عناية بالأمر وعلمٌ به؛ فذهبوا إلى سهلٍ -رضي الله عنه وأرضاه- فسألوه. وكأن لسانَ سهلٍ رضي الله عنه يقول لهم: على الخبير سقطتَ، فقد قال لهم حالِفاً: وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهكذا كان شأن الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد بلغ حُبُّه من نفوسهم كُلَّ مبلغ، وكانوا يتقفَّرون ويتتبعون علمَه وحالَه؛ في عبادته، وفي بيته، وفي كلِّ شأنه صلى الله عليه وسلم؛ حتى قال لهم سهلٌ في هذا الحدث ما قال. فهو يعرف المنبر مِمَّ هو يعني خشبَه، والموضعَ الذي أُخِذ منه، ويعرف كذلك متى وُضِع، ويذكُرُ اليوم الذي وُضع لرسول الله صلى الله عليه وسلم المنبرُ فيه، ويعرف صانِعَه، وابتداء الأمر بصناعته... الخ ما هنالك. وإذا علمنا أن سهلاً كان عُمُره يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة، وأن المنبر إنما نُصب له في المدينة مُبكراً صلى الله عليه وسلم؛ فإن سهلاً كان إذ ذاك في حدود العاشرة من عُمُرِه رضي الله عنه وأرضاه. أحبتي في الله، هذا غُلام العاشرة قد بلغ أمرُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفسِه هذا المبلغ، ووقع منه فعلُه صلى الله عليه وسلم الموقع الذي جعله يحفظُه ولا ينساه مع تطاول العُمُر به، وبُعد الزمان. فلا إله إلا الله كم كان مقدارُه صلى الله عليه وسلم في نفوسهم، وبأي شيءٍ كانوا يُعظِّمونه صلى الله عليه وسلَّم في نفوس أبنائهم، حتى يبلغ الأمر بابن العاشرة أو قريباً منها مثل هذا المبلغ.


 


ثانياً: أخرج ابنُ سعدٍ في طبقاته بإسنادٍ جيد عن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إذا خطب إلى خشبة ذات فَرْضَتَين... فكان يتكئ عليها؛ فقال له أصحابه: يا رسول الله، إن الناس قد كثُروا، فلو اتخذت شيئاً تقوم عليه إذا خطبت؛ نراك. فقال: ما شئتم. قال سهلٌ: ولم يكن بالمدينة إلا نجارٌ واحد، فذهبتُ أنا وذلك النجار إلى الخانِقَين؛ فقطعنا هذا المنبر من أثلِه؛ فقام عليه النبي صلى الله عليه وسلَّم...


وفي هذا أن رسولَكم صلى الله عليه وسلَّم كان يأخذ في عبادته بل في جميع شأنه صلى الله عليه وسلم- بالأيسر ما لم يحتج إلى ما سواه، وكان أبعد الناس عن التكلُّف صلى الله عليه وسلم. فكان في أول أمره صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً على الأرض ويتكئ على ذلك الجذع القريبِ من موضع صلاتِه صلى الله عليه وسلَّم، ثُم إنه لما كثُر الناسُ واحتيج إلى رؤيته ليكون وقعُ الكلام أبلغ، وليكون مدى الصوتِ أبعد= لم يتردد صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، بل بادر الأمر، وأمر ببناء المنبر، وكان منبره ثلاث درجات ليس بالمقصِّر عن الحاجة، ولا بالزائد عليها. وهكذا ينبغي على أتباعه صلى الله عليه وسلَّم أن يبادروا كُلَّ وسيلةٍ مشروعةٍ تُعين على بلاغ الدين، ويكون لها أثرٌ في الدعوة إلى سبيل الله وإلى نهجِ الرسول متى ما احتاج الناسُ إليها، مع ترك التكلُّف، والحِرصِ على بلوغ الغاية والمقصِدِ من أقربِ طريق.


وفي الحديث استجابتُه لطلب الصحابة رضي الله عنهم بذلك، فلا هو الذي استنكف من الأمر صلى الله عليه وسلم لما رأى مصلحته لأن غيره نبَّهه عليه، ولا ترك الصحابةُ الاقتراح عليه في أمرٍ فيه الخير، بل كانوا خير أعوانٍ ونصحةٍ له صلوات الله وسلامُه عليه، ورضي الله عن الصحب الكرام.


وفيه كذلك أن الداعيَ والمُربِّيَ والعالمَ لا حرج عليه أن يطلُب من الناس ما لا تكون منفعتُه عائدةٌ إلى شخصه ونفسِه، إذا كان يظن أن في ذلك مصلحةً، وكان ذلك لا يُزري به. ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بادر هذه المرأة، وسألها أن تأمر غلامها النجارَ أن يصنع له المنبر. وكان طلبُه من الواحد منهم يُعدُّ عند المطلوب مِنه مِن نِعَم الله عليه، ويفرح بذلك الطَلَبِ من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حتى تكون المِنَّة إنما هي مِن الرسول عليه، رضي الله عنهم وأرضاهم.


وفي قوله صلى الله عليه وسلَّم للمرأة: ((مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ)) تعليلٌ لطلبه من المرأة، ليكون ذلك أدعى لاحتساب أجره، وأسرع في تنفيذه، وأبعد من كون المطلوب لخاصة شأنِه صلى الله عليه وسلم، مع أنهم لو طلب منهم أرواحهم لما تباطؤوا في بذلها، ولكنه كان صلى الله عليه وسلَّم عف اليد واللسان، وكان صلى الله عليه وسلَّم يُعطي ولا يأخذ إلا ما أخذه بحكم الشرع من زكاةٍ وجزية ونحوِها، وكانت يدُه صلى الله عليه وسلَّم العُليا ويدُ كُلِّ أحدٍ سواهُ أسفلَ من يده صلى الله عليه وسلم.


وفيه كذلك أن هذا النجارَ الوحيدَ الذي لم يكن في المدينة سواه استطاع أن ينصُر الدعوة بمنشاره، ومنه نأخذ أن كثيراً من الناس ممن تخصصوا في أمورٍ متعددة قد يفتح الله على يد الواحِد منهم خصوصاً إذا قل نُظراؤه- ما لا يمكن لغيره أن يفعله، من تطوير آلة، أو ترشيد دعوة، أو اقتراح عمل، أو شفاعةٍ بمعروف لمصلحة الدعوة، أو تجنيب لِزلل.. ومَن أراد الله به خيراً استعمله ولو عند كسب رزقه- في طاعته سبحانه وتعالى.


وفيه أن سهلاً لما كان حدثاً صغيراً رضي الله عنه، لا يستطيع أن يقوم بالأمر، إلا انه لم يحرم نفسه من أجر المشاركة والمعاونة في الخير، فذهب مع النجار إلى الغابة ليقطعوا من أثلها ما صنع به الغلام منبره صلى الله عليه وسلم.


 


ثالثاً: يقول سهلٌ رضي الله عنه: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي)). وهذا فيه عظيمُ شأن الصلاة، وأنها من أوليات ما ينبغي تعليمُه، وتَكرارُ تعليمِه والأمرِ به. فها هو صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر ما أمكنه أن يؤديه عليه، ثم لما وصل إلى السجود نزل راجعاً إلى الخلف مستقبلاً للقبلة حتى سجد في أصل المنبر يعني في الأرض عند الدرجة الأولى من المنبر. وفيه عظيم أهمية الائتساء به في صلاته صلى الله عليه وسلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((صلوا كما رأيتموني أُصلي)) وأكثرُنا إنما يُصلي كيفما اتفق، لا يتحرَّى سُنة، ولا يتثبت من فِعلٍ، ولا يطمئن في رُكن، وإنما هذه أفعال المفرطين، الغافلين عن الرُّتَب العوالي، قد ادخرها الله لأقوامٍ لا يحكون رؤوسهم إلا بأثر، ولا يأخذون ولا يتركون في أمر دينهم إلا حذو القذة بالقذة من هديه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.


وفي تعليله لفعله صلى الله عليه وسلم الذي ورد في آخر الحديث: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي)) (أنه ينبغي للإنسان إذا صنع أمراً غريباً على الناس ولا سيما في العبادة فإنه ينبغي أن يُنبِّهَهُم على ذلك؛ لتطمئن قلوبهم، ولئلا يبقوا في حيرة) شرح البخاري للعثيمين: 2/ 603.


اللهم ارزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وارزقنا حُسن الائتساء بنبيِّك صلى الله عليه وسلم والاتباعِ له، قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}آل عمران31-32 .



 


الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم له الحمدُ والثناء، وأشهد ألا إله إلا الله ذو العزة والكبرياء، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه أكرمُ الكرماء وأبلغُ الفُصحاء، وأشفقُ النُّصحاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليماً.


         أيها المسلمون، وروى البخاري أيضاً عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَوْ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا؟ قَالَ: ((إِنْ شِئْتُمْ))، فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى الْمِنْبَرِ؛ فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ!! ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ. قَالَ كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَهَا. وفي رواية عند البخاري أيضاً قال جابر: فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ وَكَانَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ.


          وفي هذا فوائد:


          منها: أن طلب الأكمل للدين، وما تُراعى فيه المصلحة أمرٌ لا تُراعى فيه الخواطِر، بل يُمضى فيه على مقتضى مرضاة الله، وكلُّنا جنودٌ لهذا الدين، فإن كان المرءُ يوماً في المُقدِّمة، فربما اقتضت المصلحةُ يوماً أن يقوم غيرُه مقامَه، وعلى مَن يلي هذه الأمور أن يتصرَّف فيها بِمُقتضى مصلحة الإسلام، والدعوة إليه. ومع ذلك فإن هذا الأمر لا يمنع من حُسن التصرُّف، ومن ترضية الخواطِر. انظر يا عبد الله كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قطع خطبته، وهو يخطب بالناس خطبة الجُمُعة، ثُم ذهب إلى هذا الجذع الميِّت من النخل يُرضِّيه، ويُسكِّنُه، فصلوات الله وسلامُه عليك يا مَن علَّمتنا، وأدبتنا، وأحسنت إرشادنا لكل عالٍ من الخُلُق، وكُلِّ مرضيٍ من التصرُّفات. هذا جمادٌ يا قاسي القلب- يتألَّفُه رسولُ الله، ويترضاه، وأنت تستكبر أن تُرضي أباك أو أمَّك، أو تتعالى عن ترضية زوجتك وأولادك، أو تحتقر بعضاً من زملائك أو عمالك، وتقول: أنا أفعلُ ذلك؟! إذا لم يُعجبهم فليضربوا رؤوسهم في الجدران. فأين هذا من هذا، والله إن النفوس التي خلقها الله، والتي كلَّفنا بحُسن التصرُّف معها أولى وأحق بتطييب الخواطر، وبجميل التصرُّف من كل خشب وحجر. ولكن من كمَّل المقام الأول، فليس بمستغربٍ عليه أن يُكمَّل له المقام الثاني.


          وفيه كذلك: أن الذِّكر والقُرآن هو ما ينبغي أن يُبكى عليه لفواته، وأن نبي الله صلى الله عليه وسلَّم ما كان يعظهم ويذكِّرهم إلا بذلك. فهذه آياتُ الله التي منها ما يَهبطُ بالحجارة مِن خشية الله، والتي لمَّا افتقدها الجذعُ افتُضح أمرُه، وهُتك حجابُه وسِترُه ها هي تُتلى علينا بُكرةً وعشيَّاً، وما يذَّكَرُ إلا أولوا الألباب.


          وفي الحديث علامة من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم، قال الشافعي : ما أعطى الله نبيًا مثل ما أعطى محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فقال له رجل: أعطى الله عيسى إحياء الموتى. فقال الشافعي: أعطى محمدًا حنين الجذع حتى سُمع صوتُه، فهذا أكبر من ذلك.


          وفيه أن شأنه وبركته صلى الله عليه وسلم مما يُرغب فيه، وأن قُربه وملابَسَتَه صلى الله عليه وسلَّم نعيمٌ وأي نعيم، وأنَّ بركة أنفاسه عمَّت الإنسان والحيوان والجماد فقد كان رحمةً للعالمين. وكان الحسن البصري رحمه الله إذا حدَّث بهذا الحديث عن أنس رضي الله عنه يقول: يا معر المسلمين، الخشبةُ تحنُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم شوقاً إلى لقائه، فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إليه.

















وأُلقيَ حتى في الجمادات حُبُّه


فكانت لإهداء السلام له تُهدى


وفارق جِذعاً كان يخطُبُ عنده


فأنَّ أنين الأمِّ إذْ تجدُ الفقدا


يحنُّ إليه الجِذعُ يا قومُ هكذا


أما نحنُ أولى أن نحنَّ له وجدا


إذا كان جِذعٌ لم يُطِقَ بُعدَ ساعةٍ


فليس وفاءٌ أن نُطيق له بُعدا


         وفي حديث سهل بن سعد في رواية ابن سعد التي سبق ذُكر طرف منها، وإسنادُها جيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ((ألا تعجبون لحنين هذه الخشبة؟!)) فأقبل الناس وفَرِقوا من حنينها حتى كثُر بكاؤُهم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلَّم حتى أتاها، فوضع يده عليها؛ فسكنت، فأمر بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فدُفنت تحت منبره، أو جُعلت في السقف.


          وفي بعض الروايات: فأتاه فاحتضنه فسكن؛ فقال: ((لو لم أفعل لما سكن))، وفي رواية: ((لو لم أحتضنْهُ لحنَّ إلى يوم القيامة)).


          اللهم أوردنا حوضه، وارزقنا شفاعته، وارزقنا رؤيته ومرافقته في جناتك جنات النعيم.


          عن أنس قال : لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وقال ما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا.


 


 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 13-07-2010

الزوار: 893

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
هيكل سليمان.. أكذوبة الزمان
الخطب المتشابهة
من فقه الإنجاز.. (دروس قبل المشاريع)
دروس من أزمة الاقتصاد العالمي
الخطبة التالية
الهجوم على شبابنا بالخمور والمخدرات
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44669
[يتصفح الموقع حالياً [ 18
الاعضاء :0 الزوار :18
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3