إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعد، فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.
(الكارثة) النازلة العظيمة والشدة، وهي حدثٌ مفاجئٌ ومؤسفٌ جداً يؤثر في كثير من الناس. وتُجمع على كوارث، ويقال: كَرَثَتهُ الكوارِثُ يعني: أَقْلَقَتْه.
وإذا وقفنا مع هذه الكلمة، ورجعنا إلى أصلها اللغوي أبدت لنا حِكمةً عجيبة، وذلك أن أصل هذه الكلمة يعود إلى الأحرف الثلاثة الكاف والراء والثاء، ومما يُشتق من هذا الجذر كلمات مثل: اكترث بالأمر أو للأمر، وفلانٌ مُكترثٌ بالأمرِ أو غيرُ مكترث بِه... يعني مُهتَمٌ به، يَحمِلُ عِبئه، ومسؤوليته، أو ليس كذلك. قال أبو الحسين ابنُ فارس رحمه الله: الكاف والراء والثاء، ليس فيه إلاَّ كَرَثَهُ الأمرُ، إذا بلغ منه المَشَقَّة. اهـ نستنتج من ذلك حِكمةً مؤدَّاها أن الأمر الذي تكترثُ له، وتأخُذُ له أُهبَتَه، وتقومُ فيه بأمانته فإن عاقبته لا تكون كارثية، إذا لم تكترث أُصبت بالكوارث، وإذا قُمتَ بواجبك واكترثت واهتممت، جنَّبك اللهُ وقومَك كوارث الزمان وغِيَره، إلا ما شاء الله، مما لا قدرة ولا طاقة للبشر به.
هذا شأنُ البشر، وأما ربُّ البشر، فهو الذي {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ ولا يَؤُودُهُ حِفْظُهُما وهو العلي العظيم}. قال مجاهد: {ولا يؤوده حفظهما} أي لا يُكرِثُه. وهو تفسيرٌ وتعبيرٌ آخر عن قول شيخِه ابنِ عباس رضي الله عنه: {ولا يؤوده حفظهما} قال: لا يثقُل عليه. سبحانه وبحمده.
فهذا شأنُ الله سبحانه، فهو الذي لا يثقُلُ عليه من أمرِ خلقِه شيء، كما أنه لا يفوته من شأنهم شيءٌ سبحانه وبحمده، كُلَّ يومٍ هو في شأن. عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {كل يوم هو في شأن} قال: ((مِن شأنه أن يغفر ذنبا، وَيَكشِفَ كَرْبَا، وَيُجيبَ داعياً، وَيَرفَعَ قَوْماً، وَيَضَعَ آخَرين)) رواه ابنُ أبي عاصم في كتاب السُّنَّة.
وأما البشر، فإن الله سائلٌ كُلَّ راعٍ عمَّا استرعاه يوم القيامة: أَحَفِظَ أم ضيَّع. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سائل كُلَّ راعٍ عمَّا استرعاه حَفِظَ أم ضَيَّع)) رواه ابنُ حبان في صحيحه، وهو حديثٌ صحيح، وزاد في رواية مُرسَلة: ((حتى يسألَ الرجُلَ عن أهل بيته)).
قال أبوبكر التونسي:
سوء التصرف لِلقَلاقل باعثٌ وَهيَ الكَوارِثُ فَوقَ رأس الظالمِ
أحبتي في الله، وكما إنَّ المرء مُؤاخذٌ في حدود مسؤوليته عمَّا يقع فيها من تقصير أو عدم استعداد لما يحفظ أرواح الناس ومُمتلكاتهم؛ فإنَّ من الكوارث ما يكونُ ناتجاً عن حوادث طبيعية قدرية ليس للإنسان يدٌ في حدوثها، -ورُبَّما- ولا سيطرةٍ عليها كالزلازل والعواصف والفيضانات والبراكين وغيرها، وهُنا يكون الواجب تالياً لأمر الله وقضائه، يعني يجيء بعده، لأنه لا قُدرة للإنسان على دفعِ ما هو أعظم منه ومن قُدرته. هُنا تتضح أُخوَّةُ المؤمنين، وتأتي شِيَم العرب، وَتتلاحقُ مَراجِلُ الأبطال.
أيها المسلمون، أكَّدت هذه الشريعة الكريمة على أخوةِ المؤمنين في نصوصٍ كثيرة، يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }الحجرات10، ويقول سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}المائدة 55- 56، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }الأنفال72.
قال الإمام أبو جعفر ابنُ جرير: يقول تعالى ذكره: إن الذين صَدقوا الله ورسوله = "وهاجروا"، يعني: هجروا قومهم وعشيرتهم ودُورَهم، يعني: تركوهم وخرجوا عنهم، وَهَجَرَهُم قومُهم وعشيرتُهم =(وجاهدوا في سبيل الله)، يقول: بالغوا في إتعاب نفوسهم وإنصَابها في حرب أعداء الله من الكفار =(في سبيل الله)... (والذين آووا ونصروا)، يقول: والذين آووا رسول الله والمهاجرين معه، يعني: أنهم جعلوا لهم مأوًى يأوون إليه، وهو المثوى والمسكن، يقول: أسكنوهم، وجعلوا لهم مِن منازلهم مساكنَ إذْ أخرجَهم قومُهم من منازلهم =(ونصروا)، يقول: ونصروهم على أعدائهم وأعداء الله من المشركين =(أولئك بعضهم أولياء بعض)، يقول: هاتان الفرقتان، يعني المهاجرين والأنصار، بعضهم أنصارُ بعض، وأعوانٌ على من سواهم من المشركين، وأيديهم واحدةٌ على مَن كَفَرَ بالله، وبَعضُهُم إخوانٌ لبعضٍ- دون أقربائهم الكفار. اهـ.
وقد وَعَت الأمةُ ذلك، وكما حافظت على البُعد روحياً ومعنوياً، بل وحسياً عن الكافر فإنه بنفس المقدار كانت ولايةُ المؤمنين نُصبَ العين، وحُشاشة الفؤاد، ولنا في التاريخ القديم والحديث من ذلك عِبَراً، فمن ذلك:
حديث النبي صلى الله عليه وسلَّم الذي تلوناه مراراً، والذي يمتدح صلى الله عليه وسلَّم طائفةً من أصحابه بتواسيهم، وتساويهم عند الكُّرَب إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِى الْغَزْوِ، وَقَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِى إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّى وَأَنَا مِنْهُمْ)) متفق عليه. قال أبو العباس القرطبي: هذا الحديث يدل على أن الغالب على الأشعريين الإيثارُ، والمواساةُ عند الحاجة.اهـ. رضي الله عنهم.
وهكذا كان المسلمون يقوم بعضهم بمصالح الآخرين، ويحفظهم من الضيعة. عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((على كل مسلم صدقة)) قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: ((يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق)) قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: ((يعين ذا الحاجة الملهوف)) قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: ((يأمر بالمعروف أو الخير)) قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: ((يمسك عن الشر فإنها صدقة)) رواه البخاري ومسلم.
ومن جميل أخبار بعض العلماء وقيامهم بمثل هذه الواجبات العظيمة ما فعله الشيخُ ابن باز رحمه الله لما عيَّنه الملك عبد العزيز قاضياً على الدِّلَم فَقَدِمَ إليهم، وهو شابٌ ضرير في السابعة والعشرين من عمره، وعلم رحمه الله واجباته فقام للناس بمصالح الدين والدنيا، فكان قاضياً ومعلِّماً، وقائماً بكثيرٍ من مصالح الناس، حتى قال شاعرهم:
ليالٍ قد مضت والشيخُ فينا يبُثُّ العلم ينهضُ بالحياة
فيرعى الدين والدنيا جميعاً ويسعى جاهداً في المكرُماتِ
فلمَّا تُوفي أمير الدِّلَم ناصر الحقباني قام الشيخ بجمع الأهالي، ورتَّب طريقةً للشورى بينهم لاختيارِ أميرٍ جديد. فاختاروا عبد العزيز بن سيف أميراً عليهم؛ فكتب رحمه الله تأييداً لذلك، وأرسله إلى الملك عبد العزيز، فأقرَّه.
ومن أعماله رحمه الله، شق بعض الطرق وتوسيعها، لمَّا كان الناس محتاجين لذلك بادر به، وأعان على إتمامه. وكان من أعماله هناك أن قام بهدم الجامع الكبير القديم وإعادة بنائه عام ثمان وخمسين، واستنهض همة الناس وكان عملاً جماعياً قلَّ نظيره، حيث تعاون الأهالي في البناء كلٌ بما يستطيعه من جُهد أو مواد، وألحق بالجامع غُرفاً لطلبة العلم المغتربين للسكن، وصار المسجدُ خلية علمٍ وعبادة.
وسعى الشيخ كذلك في فتح أول مدرسة نظامية هناك.
ولما دهمت السيول الدلم عام 1360 ودخلت البيوت، هُرع الناس إلى قاضيهم الأعمى –رحمه الله- فأمرهم بفتح الآبار المجاورة والشوارع للتصريف، وزال الخطر وسلمت البيوت. ومرةً أخرى ارتفع منسوب مياه السيول فأمر –رحمه الله- ببناء سدود ترابية وحواجز، وفَتْحِ الطرق المنحدرة، وخرج بنفسه مع الناس، وأمر بإحضار القهوة والتمر، وناداهم بإحضار الأدوات، فخرج الناس لإجابته، وتعاونوا، حتى فرَّج اللهُ الكُربة. وكذا واسى الناس وشاركهم في عام 1364 لما كثُر الجراد، فأمرهم بمكافحته، وكان يساعدهم على ذلك بنفسه، ويحضر لهم التمر، على قلته عند الناس في ذلك الزمان.
وكان رحمه الله في ذلك الوقت، يشارك في الاحتساب في السوق والشوارع مراراً برفقة طلبته، وكان يُرسل محتسبين للتأكُّد من دقة المكاييل والموازين، ولمنع اختلاط النساء بالرجال في السوق، وقام مرةً بتعزير سائق سيارة شرب الدخان في السوق.
أما جانب الشفاعة للمحتاجين، وكرمُ ذات اليد، السعيُ للفقراء فعن البحر حدِّث ولا حرج.
هذه أخوة الدين، أخوة المسلمين.
وقد رأينا في كارثة الرياض هذه، كما رأينا في كارثة جدة التي سبقتها من قيام بعض الشباب من أبناء هذه البلد، ومن إخواننا الذين يُقيمون من بيننا صنوفاً من الشهامة، ونُبل الطباع هو –والله أليق بهم من كلِّ ما سواه من الأخلاق. نعم عند العظائم تُظهر النفوس من أصلها وحقائقها ما يختفي عند السعة. وإن هذه الأخبار أولى بالنشر والإذاعة، وأولى بتعليق النفوس بها، ولفتِ الأنظار إليها من أخبار الفنانين، ولاعبي الكرة.
هذي المكارم لا قعبانِ من لبنٍ |
شيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالاً. |
إنما الناس في الكوارث أهلٌ |
بينهم من خطوبها أرحام |
خير ما توجد الروابط فيهم |
إذ تكون الروابط الآلام |
ومن أخبار هذه الأمة كذلك من ذلك، بل إن من معظم أخبار ذلك أخبار النُّصرة في الحق، ومنها: أن كعب بن مالك الأنصاري -رضي الله عنه- حث الأنصارَ على نُصرة عثمان رضي الله عنه لما تألَّب الأوباشُ عليه ليقتلوه، وقال لهم: يا معشر الأنصار كونوا أنصار الله مرتين. فجاءت الأنصارُ عثمان، ووقفوا ببابه؛ ودخل زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وقال له: هؤلاء الأنصار بالباب، إن شئتَ كُنّا أنصار الله مرتين. فرفض القتال، ورفض عُثمانُ رضي الله عنه أن تُهراق بسببه مِحْجَمَةُ دم، وقال: لا حاجة لي في ذلك، كفُّوا. وأخبرهم أنه رأى في منامه في يومه ذلك أبا بكر وعمر، وأنهما رضي الله عنهم أجمعين طلبا منه أن يُصبح صائماً، وأنه سيفطر عندهم.
ومن ذلك الحادثة الشهيرة التي دفع الله ببركة النُّصرة فيها عن المسلمين شر الاحتلال وتخريبِ الديار أربعة قرون. وذلك أن ملك النصارى الأذفونش لما ملك طليطلة من بلاد الأندلس طَمِعَ في قُرطبة حاضرة المسلمين فيها، ولما أرسل له المعتمِد بن عباد في أيام الضعف والهوان أرسل ابنُ عباد الجزية للأذفونش ردَّها ولم يقبلها، وأرسل إليه يطلب منه تسليم القلاع الحصينة، وكانت امرأة الأذفونش حاملاً فطلب من ابنِ عبَّاد أن يُمكِّنها من الولادة في جامع قرطبة، لكنيسة كانوا يُعظِّمونها كانت في طرف الجامِعِ الغربي قبل بنائه. فكان أن غضب ابنُ عبَّادٍ من استخفاف الأذفونش هذا، وكَسَر المحبرة على رأس الرسول الذي أرسله الأذفونش واستنجد بيوسف بن تاشفين من ملوك المرابطين. وقال كلمته المشهورة، التي غار فيها لدينه، ولأمته وشعبه، فقال: لأن أرعى جِمالَ ابنِ تاشفين، خيرٌ من أرعى خنازيرَ الأذفونش.
يقول الذهبي رحمه الله: وَأَمَّا الأَنْدَلُس فجَرَتْ فِيْهَا حُرُوبٌ مزعجَة. وَكَانَتْ وَقعَة الزَّلاَّقَة بَيْنَ الْفِرِنْج، وَبَيْنَ صَاحِبِ الأَنْدَلُس المُعْتَمِد بنِ عَبَّاد، وَنجدَهُ أَمِيْرُ المُسْلِمِيْنَ يُوْسُفُ بنُ تَاشفين بجيوش الْبَرْبَر المُلَثَّمِين. فكان أن الْتَقَى الجمعَانِ، وَاصطدمَ الجبلاَنِ بِالزَّلاَّقَةِ مِنْ أَرْضِ بَطَلْيَوْس ، فَانْهَزَم الكَلْبُ، وَاسْتُؤْصِلَ جَمعُه، وَقَلَّ مَنْ نَجَا، فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِيْنَ وأربعِمائة، فَكَانَ العَدُوُّ خَمْسِيْنَ أَلْفاً فَيُقَالُ:مَا نَجَا مِنْهُم ثَلاَثَمائَة نَفْسٍ... وَجُرِحَ المُعْتَمِدُ فِي بَدَنِه وَوَجهه، وَشُهِدَ لَهُ بِالشَّجَاعَةِ وَالإِقدَام، وَغَنِمَ المُسْلِمُوْنَ مَا لاَ يُوصف.
وفي الشام في عام ثلاث وأربعين وخمسمائة من الخبر ما يقصه علينا ابن الأثير رحمه الله، قال: خرج ملك الألمان، من بلاد الإفرنج في جيوش كبيرة عظيمة لا تحصى كثرة من الفرنج إلى بلاد الشام. فاتفق هو ومن بساحل الشام من الفرنج فاجتمعوا وقصدوا مدينة دمشق ونازلوها، ولا يشك ملك الألمان إلا أنه يملكها وغيرها لكثرة جموعه وعساكره. فلما حاصروا دمشق، وكان الأمر فيها إلى معين الدين أنر، فهو كان الحاكم والمدبر للبلد والعسكر، وكان عاقلا ديِّنا، أحسن السيرةَ فجمع العسكر لحفظ البلاد. وحصرهم الفرنج وزحفوا إليهم، فخرج العسكر وأهل البلد لمنعهم. وكان فيمن خرج الشيخ الفقيه أبو الحجاج الفندلاوي شيخ المالكية بدمشق؛ وكان شيخا كبيراً، خرج راجلا، فرأى معينَ الدين، فَقَصَدَه وَسَلَّمَ عليه؛ فقال له: يا شيخ أنت معذور، ونحن نكفيك، وليس بك قوةٌ على القتال. فقال: قد بعتُ واشترى، فلا نُقيله ولا نستقيله. يعنى قول الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ...) الآية. وتقدم فقاتل الفرنج حتى قتل، رحمه الله. وقويَ أمرُ الفرنج وتقدموا فنزلوا بالميدان الأخضر، وضعُف أهلُ البلد عن ردِّهم عنه. وكان معين الدين قد أرسل إلى سيف الدين بن زنكي –أخو الملك العادل محمود_ يستغيث به ويستنجده، ويسأله القدوم عليه، ويعلمه شدة الأمر. فجمع سيف الدين عساكره، وسار مُجدا إلى مدينة حمص، وأرسل إلى معين الدين يقول له: قد حضرتُ، ومعي كلُّ مَن يُطيق حمل السلاح من بلادي، فإن أنا جئتُ إليك ولقينا الفرنج وليست دمشق بيد نُوَّابي وأصحابي وكانت الهزيمة والعياذ بالله علينا، لا يسلم منا أحد لبعد بلادنا عنا، وحينئذ تملك الفرنج دمشق وغيرها. فإن أردتم أن ألقاهم وأقاتلهم؛ فَتُسَلِّمَ البلد إلى من أثقُ إليه؛ وأنا أحلف لك، إن كانت النصر لنا على الفرنج، أنني لا آخذ دمشق ولا أقيم بها إلا مقدار ما يرحل العدو عنها، وأعود إلى بلادي. وأرسل سيف الدين إلى الفرنج الغرباء يتهددهم ويُعلمهم أنه على قَصْدِهم إن لم يرحلوا. وأرسل معين الدين إليهم أيضاً يقول لهم: قد حضر ملك الشرق ومعه من العساكر مالا طاقة لكم به، فإن أنتم رحلتم عنّا وإلا سلمتُ البلاد إليه، وحينئذ لا تطمعوا في السلامة منه. وأرسل إلى فرنج الشام يخوفهم فاجتمع فرنجُ الشام بملك الألمان وخوفوه من سيف الدين وكثرة عساكره وتتابع أمداده، وأنه ربما ملك دمشق فلا يبقى لهم مقام بالساحل؛ فأجابهم إلى الرحيل عن دمشق. فرحل ورحل فرنج الساحل، ببركة تعاون المسلمين، وقيام ملوكهم الصالحين بنصرة إخوانهم من المُعَرَّضين للهلكة والفتنة.
وقد كان للملك الصالح نور الدين محمود زنكي رحمه الله أخو سيف الدين هذا من ذلك أخباراً، منها لما اتصل الخبر بنور الدين بإفساد الفرنج في الأعمال الحَوْرَانيّة بالنّهب والسبي، فعزم على التأهب لقصدهم، وكتب إلى مَنْ دمشق يعُلمهم بما عزم عليه من الجهاد ويستدعي المعونة على ذلك بألف فارس تصل إليه. وأرسل إلى ملك تلك الناحية يقول له: إنني ما قصدت بنزول هذا المنزل طلبا لمحاربتكم ولا منازلتكم، و إنما دعاني إلى هذا الأمر كثرة شكاية المسلمين من أهل حَوْران، والعربان بأن الفلاحين أخذت أموالهم وسُبيت نساؤهم وأطفالهم بيد الأفرنج، وعدم الناصر لهم ولا يسعني، مع ما أعطاني الله، وله الحمد، من الاقتدار على نصرة المسلمين وجهاد المشركين، وكثرة المال والرجال، أن أقعد عنهم ولا أنتصر لهم.
ومن هذه الأخبار ما كان من أهل الحجاز والشام وشمال أفريقيا إبان غزو الفرنسيين لمصر، حيث كان الهجوم الفرنسي على مصر يُعتبر أولَ هُجوم صليبي على ولاية عربية من ولايات الدولة العثمانية في التاريخ الحديث، وعلى الفور أعلن السلطان سليم الثالث الجهاد على الفرنسيين الصليبيين (1213هـ/1798م) واستجاب لدعوته المسلمون في الحجاز، والشام، وشمال أفريقيا. فمن الحجاز خرجت جموع من المسلمين بقيادة محمد الكيلاني، يقول الجبرتي في حوادث (شهر شعبان عام 1213هـ/8 يناير إلى 5 فبراير عام 1799م): (لما وردت أخبار الفرنسيين إلى الحجاز وأنهم ملكوا الديار المصرية، انزعج أهل الحجاز وضجوا بالحرم وأن هذا الشيخ الكيلاني صار يعظ الناس ويدعوهم إلى الجهاد، ويُحرِّضُهم على نصرة الحق والدين؛ فاتعظ جملةٌ من الناس وَبَذَلوا أموالهم وأنفُسَهم، واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين وركبوا البحر إلى القيصر مع ما انضم إليهم من أهل ينبع وخلافه وكان مسلمو الحجاز خصوماً أشداء للجنرال "ديزيه" الذي عهد إليه "بونابرت" غزو الصعيد والقضاء على قوات الجهاد بقيادة "مراد بك" ، وقد صمموا على الظفر بإحدى الحسنيين: الاستشهاد أو الانتصار واتخذوا شعاراً لهم الآية القرآنية: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} سورة البقرة: آية 41.
فاتقوا الله عباد الله، وخافوا عواقب الذنوب، فإن الله يُمهل ويترك الناس تعمل بالمعاصي، حتى إذا تمادوا بها أخذهم بعذابه، ومسهم بنفحة من عقابه، والسعيد من كان قائماً بأمره، داعياً إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، مدافعاً الباطل بالحق، جعلني الله وإياكم منهم.
ابن دريد:
فَنِعمَ فَتى الجلّى وَمُستَنبِطُ النَدى وَمَلجَأُ مَكروبٍ وَمَفزَعُ لاهِثِ
عِياذُ بن عَمرو بنِ الحَليسِ بنِ جابِرِ ب نِ زَيدِ بنِ مَنظورِ بنِ زَيدِ بنِ وارِثِ
أَجَل آنَ عَمرُ اللَهِ أَن تَتَيَقَّظوا وَأَن تَتَلافَوا أَمرَكُم ذا النَكائِثِ
فَزِعتُم إِلى رَأيِ اِمرِئٍ غَيرِ زُمَّلٍ وَلا آنِحٍ عِندَ اِحتِمالِ اللَحائِثِ
لَعاً لَكُم إِن أَنأَ عَنكُم فَإِنَّني سَأُمحِضُكُم رَأيَ اِمرِئٍ غَيرِ غالِثِ
وَلا لُمتُ نَفسي في اِجتِهادِ نَصيحَةٍ لَكُم في قَديمٍ قَبلَ هذا وَحادِثِ
فإِن حالَ نَأيٌ دونَكُم وَتَعَرَّضَت غُروبُ خُطوبٍ لِلقُلوبِ نَواقِثِ
فَلَن تَعدِموا مِنّي نَصيحَةَ مُشفِقٍ وَرَأيَ عَليمٍ لِلأُمورِ مُماغِثِ