اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :بركات الله

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : بركات الله

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

          الحمد لله رب العالمين، وتبارك اسمُه، وتعالى جَدُّه،  {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}الزخرف85، وسبحان الله وبحمدِه، لا نحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه  {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}الإسراء44.


          وأشهد ألا إله إلا الله العظيم الحليم، وأشهد أن محمداً عبدهُ الكريم، ورسولُه العظيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.


          أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل مُحدثةٍ بدعة.


 


          أيها المسلمون،  {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}يونس3، سبحانه لم يترك خلقه هملاً، ولم يُضيِّعهم سُدى، ولكنَّه صرَّفهم بقدرته، وتحكَّم فيهم بحكمته، وجعل لكل شيءٍ باباً، ولكل بابٍ سبباً. عطاؤه جزل، وسخاؤه جلل، وبلاؤه دُوَل، ولا يُسأل عمَّا يفعل.


          وقد يُعطي الله عبده ما تتعاظمه الأعين، وتتلعثم بِعَدِّه الألسُنُ، إلا أنه إنْ سلبه بركَتَه كان لا خير له فيه. وقد يقدِر على بعض أوليائه، إلا أنه يخلُفُهم بركة تجعل القليل كثيراً، والفأل كبيراً، والرضا عن الله وعن عطائه وفيراً...


          إنه البركة يا عباد الله، ما دخَّلت في قليل إلا كثَّرته، ولا في عليل إلا كمَّلته وجمَّلته، ولا في قبيل إلا سوَّدته، ولا في نقيرٍ أو قطمير إلا نوَّهت به، وأعلت من شأنه.


          فربكم جل جلاله رفيع الدرجات ذو العرش، هو الرزاق ذو القوة، والغني ذو الرحمة، والغفور ذو الفضل العظيم، تبارك اسمُه، وتعالى جدُّه، ولا إله غيره،  {اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}غافر64، ومعنى تبارك: أي تعاظَم وتقدَّس، وتنزَّه، وتزايدت بركاته. وإنما تُستخدم هذه الصيغة خاصة في حق الله تعالى، فلا يقال: تبارك فُلان، ولا تبارك علينا فلان، ذكرها الله في تسعة مواضع من القرآن، تدل على تعظيمه، وعلى تزايد خيره وإحسانه. ولم يذكرها إلا في سياق نعمةٍ عظيمةٍ من نِعَمِه، إذ إن إنزال القرآن من أعظم النِّعَم فقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}الفرقان1، وإفلاجُ رسولِه على تنطُّعات الكفار من أعظم نِعَمِه: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً{7} أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُوراً{8} انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً{9} تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} الفرقان، ومن أعظم آياته هذه الأفلاك الأجرام السماوية: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}الأعراف54، قال الأزهري: بركة الله علوُّه على كل شيء. ومن عظمته ومُلكِه أن المُلك له وحده وهو على كل شيءٍ قدير: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }الملك1، وبعد أن امتنَّ الله على عباده المؤمنين بذكر صنوف التكريم في جنات النعيم، وذكر جنتي من خاف مقام ربه، وأتبعهما بذكر جنتين من دون تينك الجنتين ختم سياق السورة بقوله جل في علاه: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }الرحمن78.


          وأعظم أعمال المؤمنين بعد إيمانهم بالله: الصلاة:


          فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. رواه الترمذي وأبو داود.


          وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. رواه مسلم.


 


          وكما أن ربُّنا جل جلاله هو مرجع الخيرات، ومصدر الحسنات فـكذلك كتابه كتابٌ مبارك، فهو خيرٌ كله، تعم بركته نواحي الخيرِ كلِّها، فكله خيرٌ من جهة بلاغة ألفاظه وحُسنِها، وسرعة حفظه، وسهولةِ تلاوته، وهو أيضاً خير لما اشتمل عليه من أفنان الكلام والحكمة والشريعة، وهو شفاءٌ للأبدان ولما في الصدور، قريب ممتنع، وسهلٌ لا يُعطي قيادَه، لا تشبع منه العلماء، ولا يخلق من كثرة الرد، سمعته الجن فقالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجباً، يهدي إلى الرشد}.. وهو في ذلك كله آيةٌ على صدق الذي جاء به من البشر؛ لأن البشر عجزوا عن الإتيان بمثله... ولذلك يتملكك العجب والإعظام لما ترى وصف كتابين عظيمين من كتب الله تعالى في القرآن إذ يقول: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ، وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}الأنبياء48-50 فكان وصفُ القرآن بأنه مباركٌ وافياً على وصف كتابِ موسى بأنه فُرقانٌ وضياء. إذ القرآن كثير البركات والخيرات، وفيه خير الدنيا والآخرة. قال الشيخ الأمين الشنقيطي في تفسيره عند هذا الموضع: فَنَرْجُو اللَّهَ تَعَالَى الْقَرِيبَ الْمُجِيبَ أَنْ تَغْمُرَنَا بَرَكَاتُ هَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ الْمُبَارَكِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا لِتَدَبُّرِ آيَاتِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْمَكَارِمِ وَالْآدَابِ، امْتِثَالًا وَاجْتِنَابًا، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.


 


          أيها الإخوة في الله، وقد جعل الله أنبياءه ورُسُله مباركين كثيري الخير، يزداد بهم الخير، وتزدان بهم الأرض وتُقرن بجميل اتباعهم البركة، فقال عن نوح بعدما أنجاه وقومه من الكرب العظيم: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}هود48 يعني بالبركات عليه وعلى مَن معه أنْ يهبطوا واللهُ عنهم راضٍ، إذ كانوا أهل رحمةِ الله من أهل ذلك الدهر، وقال له: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ}المؤمنون29 فأنزلهم إنزالاً مُباركاً أي جعل نزولهم نزولا مباركاً، وجعل مَنزِلَهم منزلاً مباركاً على القراءتين، وجعلهم كثيراً بعد أن كانوا قليلاً، وأسبغ عليهم من النِّعَم والخيرات، ومن أعظم ذلك أن مكَّنهم من عبادته آمنين على أنفسهم، من بعد أن أهلك عدوَّهم.


          وقد بارك الله على إبراهيم وعلى إسحاق،  {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ}الصافات113، فثنَّى عليهما النِّعمة، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، وقال عنه وعن أهل بيته لما تعجَّبت امرأته من أن تلد وهي عجوز: {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ}هود73.


          وقال عن موسى لما أن رأى ناراً: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ{7} فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} النمل، وأقرب وأفضلُ ما قيل في معنى الآية ما قرره بعض المحققين من أنَّ مَن فِي النَّارِ مَلَائِكَةٌ وَحَوْلَهَا مَلَائِكَةٌ وَمُوسَى، وَأَنَّ مَعْنَى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ، أَيْ: الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ فِي ذَلِكَ النُّورِ، وَمَنْ حَوْلَهَا، أَيْ: وَبُورِكَ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ حَوْلَهَا، وَبُورِكَ مُوسَى لِأَنَّهُ حَوْلَهَا مَعَهُمْ، وَمِمَّنْ يُرْوَى عَنْهُ هَذَا: السُّدِّيُّ.


          وهو اختيار صاحب أضواء البيان.


          وقال عيسى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً{31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} مريم.


          وأعظم الأنبياء بركة، وأعمُّهم نفعاً وخيراً، وأولاهم بالبركة من ذاتُه مباركة، وخصاله مباركة، ودينُه دين الخير والبركة والثبات والاستقرار، مَن جاء بالقرآن والهُدى فصلوات الله وسلامُه وبركاتُه عليه.


 


          ومن الأعيان المباركة التي ذكر الله بركتَها في كتابه بيتُه المعظَّم؛ إذ يقول تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}آل عمران96، ومعنى الآية أنه وُضِع مُباركاً يحصل الثوابُ لقُصَّادِه، ويأمن حتى مَن دَخَله مِن الوحش والطير والبهائم، وتُضاعفُ فيه الحسنات، وتُجبى إليه الثمرات.


 


          وكذلك بارك الله المسجد الأقصى حرره الله وخلَّصه من ذل يهود-  وبارك ما حوله، إذ يقول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}الإسراء1، حيث جعل الله أرضه مباركة، وجعلها بلد الأنبياء، وبارك فيما حوله في الزرع والثمار، وفي النجاة من الفتن في آخر الزمان.


          وقد كتب الله في الأرض (أرضنا هذه) أرزاقها لما خلقها، واستودعها من بركته، كما قال جل جلاله: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ{9} وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ} فصلت، قال السدي: أنبت شجرها، وقدَّر فيها أقواته: أي أقوات أهلها مما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش، ولم يخُصَّ قوتاً دون قوت، بل عمَّ الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات.


 


          أرأيت يا عبد الله أعظمَ بركةٍ مِن تابِعٍ لشرعِ ربِّه، منتظمٍ أمر خالقِه، سُلك وهذه المباركات من الأشياء والأعمال في سلك عبودية الله وطاعته.


 


          أحبتي في الله، ومن أعظم أسباب نيل البركة في الرزق والمطعم: اكتسابه من الحلال، والحذر من أكل الحرام، وسخاوة النفس مع البعد عن الشح والحرص:


          فعن حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي.. ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا".


          وعن خولة بنت قيس -وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب- تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  إن هذا المال خضرة حلوة من أصابه بحقه بورك له فيه ورب متخوض فيما شاءت به نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار. رواه الترمذي، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.


          قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وَفِيهِ أَنَّ الْمُكْتَسِب لِلْمَالِ مِنْ غَيْر حِلّه لَا يُبَارَك لَهُ فِيهِ لِتَشْبِيهِهِ بِاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع.


 


          عباد الله، وسماحةُ النفس بالبذل في سبيل الله من أسباب البركة:


          فعن أبي بن كعب قال:  بعثني النبي صلى الله عليه وسلم مُصدِّقا فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنةَ مخاض -وهي ما دخلت في السنة الثانية من الإبل- فقلت له أدِّ ابنة مخاض فإنها صدقتك. فقال ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها. فقلت له ما أنا بآخذ ما لم أومر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل، فإن قبله منك قبلتُه وإن رده عليك رددتُه. قال فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وأيم الله ما قام في مالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رسوله قط قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما علي فيه ابنة مخاض وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى علي وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك. قال فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها. قال فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها ودعا له في ماله بالبركة. رواه أبو داود، وقال الشيخ الألباني: حسن.


          ويُروى عن علي رضي الله عنه أنه مرَّ بجارية قد اشترت لحماً بدرهم، وهي تقول: زدني. فقال: زدها، ويحك!! فإنه أعظمُ لبركة الرِّبح.


 


          ومن أسباب حصول البركة الدعاء بحصولها، وأعظمه دعاء المصطفى عليه الصلاة والسلام، كما تقدّم في قصة الرجل، وكما جاء:   


          عن عروة بن أبي الجعد البارقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به شاة فاشترى له شاتين فباع إحداهما بدينار وأتاه بشاة ودينار فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة بالبركة فكان لو اشترى ترابا لربح فيه. رواه البخاري.


          وعن أبي هريرة قال:  أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بتمرات فقلت يا رسول الله ادع الله فيهن بالبركة فضمهن ثم دعا لي فيهن بالبركة فقال خذهن وأجعلهن في مزودك هذا أو في هذا المزود كلما أردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل فيه يدك فخذه ولا تنثره نثرا فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله فكنا نأكل منه ونطعم وكان لا يفارق حقوي حتى كان يوم قتل عثمان فإنه انقطع قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وحسنه الألباني.


          ولأجل بركة دعائه كانوا أحرص الناس على الاستزادة منه، ولو في السلام، فعن أنس أو غيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [كان يزور الأنصار، فإذا جاء إلى دور الأنصار جاء صبيان الأنصار يدورون حوله، فيدعوا لهم، ويمسح رؤوسهم ويسلم عليهم، فأتى إلى باب سعد بن عبادة فـ] استأذن على سعد فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا، ولم يسمعه، [وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد فوق ثلاث تسليمات، فإن أذن له، وإلا انصرف]، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، [فادخل يا رسول الله]، ثم أدخله البيت، فقرب له زبيبا، فأكل نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ قال: (أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون). رواه أحمد والطحاوي والبيهقي وابن عساكر وإسنادهم صحيح.


 


          وإذا رأيت من أخيك ما يُعجبُك فادعُ بالبركة، لا تُصبه بضُر، ((إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة فإن العين حق))، وقال: علام يقتل أحدكم أخاه إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة. ‌


 


          ومن أسباب حصول البركة: موافقة الأمر الشرعي، والصدق مع أداء الأمانة:


          عن حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت البركة من بيعهما. رواه أبو داود، وقال الشيخ الألباني: صحيح.


          وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: حدثني من لا أتهم من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا توضأ أو تنخم ابتدروا نخامته ووَضوءه فمسحوا بها وجوههم وجلودهم، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لم تفعلون هذا؟)) قالوا: نلتمس به البركة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره)).


          قال الحافظ في فتح الباري: وَفِي الْحَدِيث حُصُول الْبَرَكَة لَهُمَا إِنْ حَصَلَ مِنْهُمَا الشَّرْط وَهُوَ الصِّدْق وَالتَّبْيِين، وَمَحْقُهَا إِنْ وُجِدَ ضِدُّهُمَا وَهُوَ الْكَذِب وَالْكَتْم... وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الدُّنْيَا لَا يَتِمُّ حُصُولُهَا إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالِح، وَأَنَّ شُؤْمَ الْمَعَاصِي يَذْهَبُ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.


 


          أي عباد الله، التمسوا أسباب البركة بطاعة الله، واستعينوا على حوائجكم بالصدق والأمانة واللجأ إليه سبحانه، ولا بد مع ذلك أيضاً من حُسن التدبير، عن عمر رضي الله عنه قال: أيها الناس أصلحوا أموالكم التي رزقكم الله عز وجل، فإنَّ إقلالاً في رفق، خيرٌ من إكثارٍ في خُرق.

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 19-07-2010

الزوار: 3086

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
أبناؤنا والاختبارات
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
اعفُ عمَّن أساءَ إليك
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
ويلكم.. لا تتركوا لهم جنوب السودان-خـطبة الجمعة مكتوبة
أيها التغريبيون.. كفوا عن خديجة-خـطبة الجمعة مكتوبة
خطبة عيد الأضحى 1431-خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
الهجوم على شبابنا بالخمور والمخدرات-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :44669
[يتصفح الموقع حالياً [ 18
الاعضاء :0 الزوار :18
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3