إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله.
أما بعد، فإن خير الحديث كتابُ الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتُها، وكُلَّ محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة.
أيها المسلمون، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب)) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وفي رواية للبيهقي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بشر هذه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بالدين، والتمكين في البلاد والنصر، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب)).
أحبتي في الله، هذه أمةٌ موعودةٌ في كتاب ربها، وعلى لسان أشرف وأعقل إنسان صلى الله عليه وسلم بالنصر على عدوِّها، وهي خيرُ أمةٍ أُخرجت للناس؛ فهي خيرُ أمةٍ لمَن دخل فيها وصار من أبنائها، وهي خيرُ أمة لِمَن خالفَها وانضوى تحت حُكمِها وقهرِها ولو لم يكن على دينِها، وهي خير أُمةٍ في وفائها وحُسن تصرُّفِها حتى في حروبها. نقول هذا ونحن نعلم أننا في زمن استضعاف، وأن كثيراً من أبناء الأمة وزعمائِها قد تركوا الكثير من دينِهم، وأن حال الأمة الآن ليس حالاً يسُر، ومع ذلك فإن من ينظُر إلى أحوال العالم الحالية، وإلى الهيئات الدولية المسخَّرة بأيدي الإمبريالية العالمية، والعبث العالمي: بالدواء، والسلاح، والسياسة، والشعوب، والموارد الطبيعية للطاقة ولغيرها، وتزوير الحقائق، وقلب الأمور، ومعاونة الظالم على المظلوم، ونُصرة اليهود المفسدين وتمكينُهم من رقاب العالمين= فإذا شفَّ نظرُك إلى ما وراء الستار الرقيق من الدعاوى التي يدعونها بنشر العدل والسلام والحرية، ورأيت ما وراءه من قُبح منظر، وسوء استغلال لكلماتٍ براقة، ومبادئ محترمة، في أسوأ وأبشع أنواع الظلم والهمجية إذا رأيت كُلَّ ذلك علمت كم هي حاجة العالم إلى هذه الأمة، إلى نورها، وإلى عدلها، وإلى تسامُحِها الحقيقي، وإلى قيامِها على الناس بالقسط {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}آل عمران110، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}النساء135.
أقدِّم بهذا الكلام إخواني في الله بين يدي حديثي عن استفتاء الأحد القادم في السودان، حيث إنه كان نتيجة الاتفاقية المشؤومة اتفاقية نيفاشا التي أوقفت حرب ما يزيد على عشرين سنة بين شمال السودان وجنوبه، كان من نتاج هذه الاتفاقية أن يُجرى استفتاءٌ في موعد محدد لسكان الجنوب ليُنظر إن كانوا يُريدون البقاء تحت حُكم دولة السودان، أم أنهم سيستقلون بحكومة لهم وحدهم. وقبل الخوض في غمار هذا الموضوع الشائك أريد أن أقول أني لا أدافع هنا أو أتحدَّث عن حكومةٍ بعينِها أساءت أم أحسنت، ولا أُريد أن أتورَّط أو أورِّط المنبر في الدخول متاهات السياسة ومصالِحِها النقية منها والقذرة، ولكني أذكُر جُملةً من المسلمات التي نتحاكم إليها، وأدافع عن قضية العروبة والإسلام، وأشرح في ضائع الوقت درساً علنا أن نستفيد منه لمستقبل الأيام، خصوصاً وقد أصاب بحدِّه أندونيسيا، واليوم هاهو يُصيب السودان، علنا أن نتعظ من ذلك ونتنبه. وليكن ذلك من هذه النقطة التي انتهينا إليها؛ فأقول:
أولاً: يا عباد الله، كانت الشمسُ لا تغيب عن ممالك أمة الإسلام، وكانت أعظمَ من بريطانيا العُظمى في زمن عظمتها، وسلطانُها أتم من سُلطان الأمريكان في إبان غطرستهم؛ فلم يزل بها جهلُها وبُعدها عن دينها، ولم يزل بها أعداؤها ومكرُهم الكُبَّار {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}إبراهيم46 قرأ السبعةُ إلا الكسائي: {لِتزولَ منه الجبال}، وقرأ الكسائي: {لَتزُولُ منه الجبال}، والمعنى أنهم لعظيم مكرهم وشدته أنه كافٍ لتذهب به عظائمُ الأمور، ويصلحُ لزحزحة الجبال عن أماكنها. رد الله كيدهم في نحورهم. أقول: لم يزل هذا الكيد حتى أضحينا دويلاتٍ متفرِّقة يُستضعفُ بنوها ويُشرَّدون، وفي دينهم وأرزاقهم في بلدانهم -بلادِ الإسلام- يُحاربون. ومع ضعف بلدان المسلمين وتفرُّقِها، ومع استجابتِها شبه الكلية لأعدائها فيما يطلبون، ومع ذهاب وإهدار ثرواتِها وأبنائها، مع كُلِّ ذلك لا يزال شبح الخوف من هذا الماردِ قائماً، الخوف من استيقاظه، ولملمته شتات أمرِه.. فهم لا زالوا بتقسيمِه مُغرمين، فمِن تيمور المغتصبة، إلى العراق السليب الذي اغتُصِبَ من أبنائه وسُلِّم إلى أعدائهم، إلى فِتَنٍ يُورى زنادُها في شطري اليمن، وفي لبنان، وفي بلاد المغرب العربي. وإذا علمتَ أن العراق أولُ قوةٍ عربية، وأن السودان أكبر بلدٍ عربية مسلمة من ناحية المساحة، وأنها مُجاورةٌ ومُتحكِّمةٌ في مصير أقوى قوى بشرية عربية مُسلمة أعني مصر بسبب أن منابع النيل تصل إلى مصر والسودان من الجنوب، وأن الاقتصاد السوداني من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، وموقع البلد كذلك المتاخِم لنا حيثُ أطماع يهود التي تبلغُ خيبر= علمتَ أن اللعبة تمشي خطواتها بنجاحٍ تام، وما نحن اليوم إلا في مرحلةٍ من مراحل هذه اللعبة التي يسلُكُها البطل المـُصطنع لكي يصل إلى نجاحه الباهر المدروس بعناية!! وهو الأمر الذي لن يكون بوعدِ الله، وبصدقِ رجال هذه الأمة الوَلود، ولكن متى هو؟ عسى أن يكون قريباً.
وكذلك من المفيد أن ننبه هاهنا إلى أن انفصال الجنوب كذلك ما هو إلا أول حلقات سلسلة الفصل القسري في السودان نفسها، فأولاً يتبع قضية الاستفتاء القضية العالقة المتعلقة بمدينة أبيي التي فيها منابع النفط في السودان، وكذلك لا ننسى قضية دارفور وهي القضية المعلَّقة إلى اليوم، وهي الورقة التي يتلاعب بها الغرب كثيراً، وكذلك كردفان ومنابع النيل الأزرق هي على أبواب مشورة شعبية، وهي صورةٌ مصغرة للاستفتاء الذي يجري بعد أيام في جنوب السودان. فإذا ذهب الجنوب، وأبيي، ودارفور، وجبال النوبة، والجبهة الشرقية= يكون ذهب من اقتصاد السودان، ومن مساحته أكثر من 60% من كلٍ منهما.
ولم يعُد خافياً على أحدٍ من المتابعين الدورُ الإسرائيلي في هذه المهزلة، ولم يعُد خافياً كذلك التشجيع الأمريكي للانفصال في حماسٍ غير مبرر إلا بالدوافع التي ذكرناها الآن. وآخر ذلك في يوم الأربعاء قبل أمس حيث تعهدت الحكومة الأمريكية بتقديم المساعدات للجنوب إذا تم الانفصال، وكأنهم يقولون لهم: لا تخشوا شيئاً ونحن معكم ندعمكم، ولكن لا تترددوا في الانفصال عن الجسد الإسلامي، ونحن نرعاكم. وصرح المسؤول الرفيع في الخارجية الأميركية جوني كارسون إذا آلت نتيجة الاستفتاء إلى انفصال الجنوب فإن الدولة الوليدة ستحظى بدعم سياسي واقتصادي من جانب الولايات المتحدة. ألا ساء ما يحكمون.
وفي الوقت الذي يُفتت فيه العالم الإسلامي نجد الغرب يتكتَّل، ويضم قوة بعضِه إلى البعض الآخر اقتصادياً وعسكرياً وديموغرافياً وسياسياً، فهل من مُعتبِر؟
ثانياً: إن عدد سكان السودان يا عباد الله أربعٌ وأربعون مليوناً، 70% منهم مسلمون من أهل السنة، وعدد النصارى 5 %، وعدد الوثنيين 25%. وهذا بحسب إحصاءات كتاب حقائق العالم بالنسبة لأعداد السكان في موقع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على الانترنت. وأما الجنوب فنسبةُ سكانه من المسلمين 24%، والنصارى يمثلون 17%، وأما الوثنيون فيمثلون نسبة 59% بحسب إحصائية نشرها التلفزيون السوداني. فإذا نسبة هؤلاء المتمردين الذي استنزفوا الجهود والأموال والرواح أقل من نسبة المسلمين على كُلِّ حال. وليس بين المسلمين وبين الوثنيين في الغالب من إشكال، إلا ما يكون بسبب مثيري الفتنة من الانفصاليين النصارى، وممن يؤزُّهم على ذلك. أفرأيتم يا عباد الله كيف تُنشأ الفتنة من لا شيء، وكيف تُضخَّم الأمورُ الصغيرة لصالح المصالح الكبيرة –أعني الكبيرة عند أصحابها-. إنها قصةٌ ليست وليدة الساعة، ولكنها لغمٌ استعماري زرعه البريطانيون قبل خروجهم من السودان، وتمت تغذيته بالإرساليات التنصيرية، والمؤسسات التي تعمل تحت ذرائع صحية وتعليمية واجتماعية. ونحن لا ننفي التقصير عن الحكومة هاهنا، ولكنا نركِّزُ على أن مناوئيها ليسوا أيضاً بالمصلحين، وأن طريق الإصلاح أيسرُ وأهونُ بكثير من تقسيم البلاد إلى قسمين أو أقسامٍ متعددة. والمهم أن السياسة الاستعمارية التي سلكتها بريطانيا قد سلكت ثلاث مراحل منذ إعادة احتلالها للسودان والحرب العالمية الأولى حيث فصلت الشمال عن الجنوب، وميَّزت في التعامل بين النصفين بحجة حاجة الجنوب إلى المزيد من الاهتمام، ثُم توالت الخطوات، ونفث السم والفتنة حتى تزايدت الصدامات بين أهل الشمال والجنوبيين وحتى وقعت الحرب. ولا أرى داعٍ للتطويل في هذا، ولكني أحببت أن أبيِّن أنه تاريخٌ مكتوبٌ، وتشهد به الوقائع والوثائق، وليس مجرد توهمات، أو عقدة مؤامرة.
ثالثاً: لا يجوز التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة، ولا يجوز لأحدٍ من مواطني دولةٍ ذات سيادة أن يتعاون مع عدوِّها بما يقوِّضُ أمنها ووحدتها، وإذا وقع ذلك كان خيانةً من المتعاون ومِن المعاوِن.. وإذا جاز أن يقع مثل هذا في أندونيسيا وفي السودان.. ولا ندري الدور بعدها على مَن؟ = فهل يجوز لليمنيين في ديترويت في أمريكا، أو الباكستانيين والهنود في الميدلاندز في غلاسكو وغيرها في بريطانيا، والمغاربة في فرنسا وهولندا ونحوِها.. أن يُطالبوا بحق تقرير المصير أيضاً. ومَن يُحرِّضُهم على ذلك، ويسبب في إثارة الفتن والقلاقل ماذا يكون جزاؤه عند دول التحضُّر والديمقراطية واحترام الكرامة الإنسانية؟!
رابعاً: أرض الإسلام أرضٌ خالدة لا يجوز التنازلُ الطوعيُّ عنها ولو لم يكن سكانها مسلمين. فإذا بُسط رداء الشريعة، وبلغ نورُها موضِعاً فلا يجوز التفريطُ فيه إلا بعد الدفاع والمدافعة، لا يختلف علماء المسلمين على ذلك. وبخصوص هذه القضية بعينِها أفتى جماعة تقدَّر بخمسين عالماً من علماء المسلمين بحرمة هذا الانفصال، وعدم جواز تمكين الغربيين من تحقيق أجندتهم في المنطقة. وكان مما قالوا:
لا يجوز ترك أرض خاضعة لسلطان المسلمين طوعاً بالمجان ليقيم عليها أعداء الشريعة دولة، ولا يجوز التسليم المسبق وتوطين النفوس على القبول بذلك {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}[محمد: 35]، {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 139-140]، و"أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أَحَقُّ، وشرط الله أوثق" كما قال صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز الرضا بما يسمى حق تقرير المصير وإن اتُّفِقَ عليه اجتهاداً أو اضطراراً، ولاسيما أن التزوير فيه غير مأمون إن لم يكن شبه مضمون.
على أن ما يسمى بحق تقرير المصير مرفوض شرعاً في البلدان الإسلامية غير المحتلة ولو في أبسط صُوَرِه التي هي إعطاء شعبٍ الحقَّ في اختيار نظامه السياسي الذي يشاء، فكيف إذا تضمن ظلمَ المسلمين من قبائل المسيرية العربية وغيرهم؟!، فكيف إذا غلب على الظن أن تكون الدولة الجديدة كافرةً معادية مقراً لأجهزة الاستخبارات الصهيونية والعالمية؛ التي يخشى أن تعيث في القرن الإفريقي فساداً؟!، وفوق ذلك ستكون الدولة الجديدة عاملاً ضاغطاً على مصر، وذلك بتحكمها في منابع النيل مما يزيد المصريين رهقاً ولو بعد حين إذا استقرت الأوضاع وتكاثرت السكان؟!، فكيف إذا كان فَصلُ الجنوب ذريعةً إلى تمزيق البلاد إِرَباً في أبيي وجنوب النيل الأزرق وكردفان وغيرها من ربوع السودان المضطربة الآن والتي تعلن فيها هذه المطالب؟!، فكيف إذا كان حق تقرير المصير إنما هو أداة عند دول الاستكبار تبتر به ما تشاء، وتمنعه عمن تشاء؛ كما في الشيشان وكشمير وتركستان الشرقية وغيرها. اهـ المرادُ نقلُه.
كما أفتى بحرمة ذلك الشيخ يوسف القرضاوي بارك الله فيه، مبيِّناً أنه لا يجوز للمسلم السوداني أن يصوت لصالح الانفصال.. لأن الانفصال دائما وراءه الشر، والآن الغرب في عالم الاتحاد والتكتل.. ونحن في عالم يتشرذم للأسف.. السودان هذا البلد الكبير عليه مكائد لا تريد للسودان أن يبقى.
وفي فتاوى مشابهة قال المجلس الأوروبي لإفتاء والبحوث في أحد قراراته:
لا يجوز لأحد أن يتنازل عن أي جزء من أرض الإسلام، فأرض الإسلام ليست حقًا لرئيس ولا لأمير ولا لوزير ولا لجماعة من الناس، حتى تتنازل عنها تحت أي ضغط أو ظرف. وإنما الواجب على الأفراد والجماعات أن يسعوا بكل الوسائل لمقاومة الاحتلال وتحرير القدس الشريف، واستعادتها إلى دار الإسلام. وإذا عجز جيل من أجيال الأمة أو تقاعس، فلا يجوز له أن يفرض عجزه أو تقاعسه على كل أجيال الأمة القادمة إلى يوم القيامة، فيتنازل عما لا يجوز له التنازل عنه. اهـ
وورد سؤال إلى هيئة الفتوى في إدارة الإفتاء بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت. يقول فيه السائل:
ماحكم الإسلام في التنازل عن جزء من أرض المسلمين سبق اغتصاب غير المسلمين له وإقامة دولة عليه إذا كان التنازل مقابل الجلاء عن جزء محتل أيضاً من أرض.. المسلمين لإقامة دولة عليه منزوعة السلاح؟
أجابت اللجنة بما يلي:
لا يجوز التنازل لغير المسلمين على أي جزء من أرض المسلمين سواء أكان التنازل من أهل تلك الأرض أم من غيرهم ويحرم الاعتراف بالدولة التي تقام على ما يحتل من أرض المسلمين على الرغم من وجودها الفعلي على سبيل الاغتصاب والاحتلال. 5/ 259.
فإذاً هذا حُكمُ الشرع، وأقوال العقلاء، فأين أين مواقفُ النبلاء؟؟
ألا إن السكوت العربي والإسلامي حيال هذا الأمر خطيرٌ ومريب، وهو الأمر الذي يشكِّلُ خطراً على المنطقة بأسرها. ألا فلنتق الله في أنفسنا، ولننظر إلى مصالح الدين والدنيا قبل المصالح الخاصة، وإلا فإن التاريخ لا يرحم، والجبار لن يضيِّع حقاً، والحسابُ عسير.
الخطبة الثانية:
يا عباد الله، في هذا الوقت الذي نشهدُ فيه التصعيد الطائفي، وتعاضد الغرب الكافر مع نصارى الجنوب –وأذكِّر بأن كل نصارى السودان لا يبلغون 5%- وأن نصارى الجنوب يبلغون 17% من تعداد الجنوبيين فقط. نذكِّر بأن الإسلام كان دائماً حافظاً لحقوق أهل الذمة، مدافعاً عنهم ضد عدوِّهم، مع كثرة ما أحدثوا من البلابل في بلاد المسلمين. وهنا ألفت النظر إلى أنه بالتزامن مع أحداث السودان وقعت في الأسبوع الماضي أحداث الاسكندرية المؤسفة، ووقع التفجير في النصارى فقتل جملة من الأبرياء الذين نخالفُهم في معتقدهم، ولكنا لا نستبيح ولا يجوز لنا قتلهم، وبمثل هذه الطريقة. فكيف كان الموقف الرسمي والشعبي من هذه التفجيرات اللامسؤولة، والتي لا يُعلم مَن نفَّذها إلى الآن.. كلنا يعلم أنه لم تكن موضع شماتة، فضلاً عن التأييد والاحتفاء، ولكن تكلَّم علماء مصر، ومسؤولوها مبينين عظيم استنكارهم لها، بل وتكلَّم عدد من علمائنا منهم مفتي عام المملكة وغيره من علمائنا مبينين حرمة ذلك وعظيم خطره، مع أننا لا ناقة لنا في هذا الموضوع ولا جمل، وليس لنا مع نصارى مصر جوار ولا أرحام.. إلا إنه بيانُ عظمة هذا الدين، وتكفُّله بمصالِح العالم، فاللهم أصلح شأننا، وردنا إليك رداً جميلاً.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن...