من أحكام الإحداد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.


أما بعد، فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.


 


أيها المسلمون، هذا موضوعٌ نتحدَّثُ عنه اليوم- قد يظن بعضُ الناس أنه لا حاجة له، وأنا أظنُّ أن له حاجةً تُسوِّغُ لي طرحَه على مِنبر الجُمُعة. وهو وإنْ كان لا يتناولُ كثيرين مِنَّا الآن بشكلٍ مباشر، فإنه -ولا بُدَّ- داخلٌ إلى بيتك أو متناوِلٌ بعض قرابتك بصورةٍ من الصُّوَر، وفي وقتٍ من الأوقات. أحبتي في الله، نحن نفِرُّ من الموت فراراً؛ نفِرُّ من ذِكره، نفِرُّ من الاستعداد له، ومع ذلك فإنه آتيك يا عبد الله- من قِبَلِ وجهِك، فلا يزيدُك فرارُك مِنه إلا قُرباً. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}الجمعة 8، وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} البقرة 35. فإذا مات العبدُ ترتَّب على ذلك أمورٌ، هي مِن محاسن هذه الشريعة، من تجهيزِه والصلاةِ عليه ودفنِه، ومِن قِسمةِ تركتِه، ومِن أحكامٍ تلحقُ بزوجِه، وهي التي يُسميها الفقهاءُ بأحكام الإحداد. وهو ما سنعرِضُ لبعضِه في هذه الخطبة. وذلك لأمور:


أولاً: لبيان حُكمٍ شرعيٍ يتعلَّقُ بطائفةٍ من المؤمنات يحتجن إلى معرفته، ويَكثُر الجهل والبدعة في تكليفهن -إذا وقع- بأمورٍ ما أنزل الله بها من سلطان، مما يزيد من مصيبة الواحدةِ منهن، ويسبب لها الكثير من الضيق والحرج.


ثانياً: للإشارة إلى بعض حكمة التشريع في مراعاته لهذه الأمور الحياتية، ولعنايته بقضية المشاعر، وترتيبه للأحكام الشرعية، والأجر والإثم، على التعامل معها، والمحافظة عليها.


ثالثاً: لا أقلَّ مِن أن تعرفَ بعضَ معاني آيتين في كتاب الله تحدثتا عن هذا الموضوع، وجُملة من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن تعرف هديَه فيه صلى الله عليه وسلم.


 


وعليه فنقول: أيها الإخوة المسلمون، الإحداد هو اجتناب المرأة المتوفى عنها زوجُها أثناء العدة كل ما يدعو إلى نكاحها من الطِّيب والكُحل وثياب الزينة، والخروج من منزلها إلا لحاجة.


والإحداد مشروع، دلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة، ودل عليه الإجماع، وفيه إظهارٌ لحق الزوج على زوجته، فإن حقه عليها في حياته عظيم، وكذلك فإن هذه الرابطة والصِّلة التي بينهما تستمر بعد وفاة الزوج، وتُراعى لحُرمتها أحكام الإحداد. وكذلك في إحداد المرأة على زوجها إغلاق لباب التشوُّف للنكاح في مدة عدة المرأة من زوجها المتوفى عنها. فلا تطمعُ هي بالزواج من رجلٍ غيرِهِ مُدَّةَ العِدة، ولا يَطمعُ فيها أحدٌ من الرجال.


 


والإحداد واجبٌ إذا تعلَّق بإحداد المرأة على زوجها. ولكنه أيضاً قد يكون من القريبة على أحدٍ من أقاربها، كأبيها أو ابنها، أو أخيها، أو ابن أخيها، أو ما أشبه ذلك، وهو في هذه الحالة مباحٌ، بشرطِ ألا تتجاوزَ مُدَّتُه ثلاثة أيام. أخرج البخاري وغيرُه عن حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ: قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ -خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ- فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا))


قَالَتْ زَيْنَبُ: فَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)) ثُم ذكر الحديث الثالث.


قال الشوكاني: فيه دليل على جوازِ الإحداد على غير الزوج من قريبٍ ونحوه ثلاث ليال فما دونها، وتحريمِهِ فيما زاد عليها. وكأنَّ هذا القَدرَ أُبيح لأجل حظِّ النفس ومُراعاتها، وغَلَبَةِ الطِّباع البشرية. اهـ نيل الأوطار.


 


أما الزوجةُ فَتَعتَدُّ مطلقاً، أربعةَ أشهرٍ وعشراً، وسواءً كان زوجُها المتوفى يُولد لمثله أو لا يُولد لمثله، وسواءً أكان يطأُ أم لا يطأ، وسواءً كان قد دَخَلَ بها أم لم يدخل بها، وسواءً كانت هي ممن يُولد لمثلها أم كانت ممن لا يولد له لِصِغَرِ سنٍ، أو كِبَر؛ لعموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }البقرة 234


أما المطلقات اللواتي يموتُ أزواجُهن، فإنْ كانت المطلقةُ (بائناً من زوجها) (قد انتهت عدتُها) فهذه لا إحداد عليها، لأنها ليست زوجة، وأما المطلقة الرجعية أي التي لم تنقضِ عِدَّتها من زوجها، فتعتد لأنها زوجة.


فإن كانت الزوجة حاملاً، فإن انقضاءَ عِدَّتِها وإحدادِها يكونُ بوضع الحمل قال تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}الطلاق4


 


وإن تركت زوجةُ المتوفَّى الإحداد في مدة عدتها، أو جُزءاً منه، فلم تلتزم بما أمرها الله بالالتزام به؛ فإنها تأثم بتركها للقيام بهذا الواجبِ أو بعضِه، ولكنَّ ذلك لا يمنع من تمام (وانقضاء) عدتها في وقتها المُحدَّد، ولا يجبُ عليها شيءٌ إلا أنْ تستغفرَ الله من تقصيرها في القيام بهذا الواجب. وهكذا مَن لم تعلم بموتِ زوجِها إلا بعد انقضاء زمن العِدةَ فلا عدة ولا إحداد عليها.


 


أيها المسلمون، هناك أمورٌ يجب على المرأة أن تجتنبها في حال الإحداد، ومن ذلك:


أولاً: الزينةُ في نفسِها، فلا تتجمَّلْ بوضعِ شيءٍ من أدوات التجميل والمكياج، ولا تلبس الحلي بجميع أنواعه كالقلائد، والخواتيم، والأساور ونحوها، وسواءٌ أكانت من الذهب أو من غيره، فهذه الزينات كلُّها مما يخدش في إحدادها.


 


ثانياً: تجتنب المرأةُ الطِّيب في مدة إحدادها، سواءٌ أكان دُهناً، أو كِريمَ عِطر، أو عطراً، أو بخاخاً، أو بخوراً، أو غيرَ ذلك.


 


ثالثاً: تجتنب المُحِدَّة ثيابَ الزينة؛ فيحرم عليها لُبسُ الثياب التي تلبسها النساء للأفراح والمناسبات كفساتين السهرة، والاسبورات وغيرها مما يُتجمَّل به. وما عدا ذلك من اللباس فيجوز لهن لُبسُه، وإنْ كان ملوَّناً، أو جميلاً.


 


رابعاً: وتجتنب الحادةُ الكُحلَ فلا تضع منه إلا أن يكون بها من ضررٍ لا يُعالج بغير الكُحل، فيجوز لها أن تضع منها للعلاج لا للزينة.


 


جاءت هذه الأمور الأربعة في حديث أم عطية رضي الله عنها -المتفق عليه- عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَلَا نَكْتَحِلَ، وَلَا نَتَطَيَّبَ، وَلَا نَلْبَسَ ثَوْباً مَصْبُوغاً إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، متفقٌ عليه.


وعن أُمِّ حكيم بنتِ أَسِيدٍ عن أمها: أن زوجها تُوفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجِلاء -بكُحْلِ الجَلَا- فأرسلت مولاةً لها إلى أم سلمة؛ فسألتها عن كُحل الجلاء؛ فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمرٍ لا بُدَّ منه يشتد عليك؛ فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار. ثم قالت عند ذلك أمُّ سلمة: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله صلى الله عليه و سلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلتُ على عينيَّ صَبِرَاً فقال: ((ما هذا يا أمَّ سلمة؟)) فقلت: إنما هو صَبِرٌ يارسول الله، ليس فيه طيب. قال: ((إنه يَشُبُّ الوَجْهَ يعني يُلوِّنُهُ ويُحسِّنُه- فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطِّيبِ، ولا بالحناء فإنه خِضابٌ)). قالت: قلتُ: بأي شيءٍ أمتشطُ يارسول الله؟ قال: ((بالسِّدر تَغْلِفِين بِهِ رَأسَكِ)) يعني تلطخيه به، رواه أبو داود والنسائي، وحسَّنه ابنُ القيم وابنُ حجر.


وقولُ أمِّ عطية: نُنهى، يعني على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلَّم إذ إنه هو المُشرِّع الذي تجبُ طاعةُ أمرِه.


وقولها: ولا نكتحل، وكذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصَبِر، وتعليلُه ذلك بأنه يُحسِّنُ الوجهَ؛ فيه دليل على منع الزينة للمرأة المُحِدة.


 


بل إنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلَّم نهيُ امرأةٍ احتاجت إلى الكُحل منه رَوَت ذلك زينبُ بنتُ أمِّ سلَمة عن أمُّ سلمة رضي الله عنهن قالت: وسَمِعتُ أمي أمَّ سلمةَ تقول: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله إن ابنتي تُوفي عنها زوجُها وقد اشتكت عينُها أَفَنَكْحُلُها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لا)) مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: ((لا)). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول)).


 قال حميدٌ (الراوي عن زينب): فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دَخَلَت حِفْشاً، وَلَبِسَت شَرَّ ثيابَها، ولم تَمَسَّ طيباً ولا شيئاً حتى تَمُر بها سَنَة، ثم تُؤتى بدابَّةٍ؛ حمارٍ أو شاةٍ أو طائرٍ فَتَفْتَضُّ به؛ فقَلَّما تَفتَضُّ بشيءٍ إلا مات، ثم تخرج، فتُعطى بعرةً، فترمي بها، ثم تراجِعُ بعدُ ما شاءت من طيب أو غيره. رواه أبو داود بهذه الزيادة، وأصله في الصحيحين. والحِفْشُ بيتٌ صغيرٌ قصيرٌ، سمي حِفْشاً لضِيقِه، فكانت المرأةُ تمكُثُ في هذا الحِفشِ عاماً كاملاً في شرِّ حال. وأصلُ اعتداد المرأة على وفاة زوجها عاماً كاملاً جاء به القرآن في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}البقرة 240، ثُم نُسخ هذا الحُكم بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}البقرة 234.


 


وقول أُمِّ عطية: ولا نتطيب، فيه دليل على منع المُحادَّة من الطِّيب وما كان في معناه.


وقولها: ولا نلبسُ ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْبٍ، فيه دليل على منعِها من الثياب التي يُقصد بها الزينة، وأما ما كان من الثياب لا يُقصد للزينة فلا حرج عليها فيه، ولو كان ملوَّناً، أو ثوباً حَسَناً، قال النووي: ورخص أصحابنا فيما لا يتزين به ولو كان مصبوغاً. وأما ثَوبُ العَصْب- فنوعٌ من برود اليمن فيه بياضٌ وسواد، والذي يظهر أنه من ثياب البِذلة، وليس من ثياب الزينة.


 


الأمرُ الخامس الذي تُنهى عنه المرأة المُحِدَّة: الخروجُ من المنزل، فيجبُ عليها أن تعتد وتبيتَ في المنزل الذي مات زوجُها وهي فيه. فإن جاءها الخبر وهي خارجةٌ من مسكنِها رجعَت إلى مسكنِها فاعتدَّت فيه، ولا يجوز لها أن تتحوَّل عنه إلا لعُذرٍ وحاجة. كأن لا يوافقُها أحدٌ من أقاربها على المُكث عندها، وتكون بمكانٍ مخوف، أو أن لا تأمن على نفسِها في بيتها، أو ينتهي إيجار البيت ولا مالَ يُستؤجرُ لها به ما تبقَّى من زمن عِدَّتها، ونحو ذلك، فحينئذٍ يجوز لها الانتقال إلى مكان تأمنُ فيه على نفسِها.


قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}البقرة234. قال أبو جعفر ابن جرير: وأما قوله: {يتربصن بأنفسهن}، فإنه يَعني به: يَحتَبِسْنَ بأنفسهن، مُعتَداتٍ عن الأزواجِ، والطِّيبِ، والزينةِ، والنُّقلَةِ عن المسكن الذي كُن يَسكُنَّه في حياة أزواجهن- أربعة أشهر وعشراً.


وروى الترمذي عن زينب بنت كعب بن عُجرة رضي الله عنها، وهي زوجةُ أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه- أن الفُرَيْعَةَ بنتَ مالكِ بنِ سِنان وهي أختُ أبي سعيدٍ الخُدري أخبرتها أنها: جاءت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تسألُه أنْ تَرجِعَ إلى أهلِها في بني خُدرة، وأنَّ زوجها خرج في طلب أعبُدٍ له أَبَقُوا حتى إذا كان بِطَرَف القَدُوم وهو جبلٌ بالسَّراة- لحقهم؛ فقتلوه. قالت: فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي؛ فإن زوجي لم يترك لي مسكنا يملِكُه، وَلا نَفَقَةَ. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)). قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنتُ في الحُجرة أو في المسجد ناداني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، أو أَمَرَ بي فَنُوديتُ له، فقال: ((كيف قُلتِ؟)) قالت: فرددتُ عليه القصةَ التي ذكرتُ له مِن شأن زوجي. قال: ((امكُثي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أجلَه)). قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشراً. قالت: فلما كان عثمان أرسل الي فسألني عن ذلك فأخبرتُه فاتبعه وقضى به... قال أبو عيسى (يعني الترمذي): هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرِهم، لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عِدَّتُها، وهو قولُ سُفيان الثوري والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاق. اهـ


 


أيها المسلمون، ويجوز للمرأة المُحدة على زوجها أن تُكلِّم الناس، وتجيبَ من طرَقَ البابَ، وأن تتكلَّم بالهاتف، وأنْ تنظُر إلى الرجال نظراً لا ريبة فيه= لا مانع يمنعُها من هذا البتة. ويجوز لها كذلك أن تغتسلَ، وتُنظِّفَ بدنَها، وثيابَها، وأن تُسرِّحَ شعرها، وأن تغسله بالشامبو، وأن تستخدم ما تحتاجُه من الكريمات ونحوِها، ما لم يكن طِيباً في نفسِه. ويجوز لها كذلك أن تخرج إلى فناء منزِلِها، وحديقةِ بيتِها، وأن تنظُر إلى القمر. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه- قال: طُلِّقَتْ خَالَتِى فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ؛ فَأَتَتِ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: ((بَلَى فَجُدِّى نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا)) رواه مسلم.


وأكثر العلماء يقولون: إن هذا الحُكم عامٌ يشمل المتوفى عنها زوجها أيضاً. فيجوز لها أن تخرُج من بيتها نهاراً للحاجة، ويجوز لها أن تذهب إلى عملها غير المحرَّم، أو أن تشتري الأغراض التي تحتاجها من السوق، دون توسُّع، وخروجٍ كثيرٍ، وقصدٍ للنزهة، ولكن بقدر الحاجة. فأما الليلُ فيجبُ عليها أن تلزمَ منزلها فلا تبيتَ إلا فيه، والله أعلم.


 


أسأل الله أن يُحسن لي ولكم العُقبى، في الدُّنيا والآخرة، وأن يُحسن ختامنا، وأن يرزقنا حُسن الفهم والتمسُّكِ بدينه وشرعه.




الحمد لله الذي لا إله إلا هو الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُواً أحد. وأشهد ألا إله إلا الله الكبير العظيم، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسولُه الرفيقُ الرحيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.


 


أي إخواني، ليتقِ الله بعضُ الناس الذين يُلزمون النساء المُحادَّات بأمورٍ تُعنِتُهن ما أنزل الله بها من سُلطان. فالبعضُ يزيد في أيام عدتها إن هي رأت أحداً من الرجال، والبعضُ يُحرِّمُ عليها رؤية الأطفال، وبعضهم يقول لها: لا تخرجي ولا حتى إلى المستشفى، والبعضُ يبتدعُ بدعاً من نحو قراءةِ الفاتحة عند الخروج من الإحداد، أو اعتقادِ لزوم صُنعِ وليمةٍ بهذه المناسبة، أو اعتقادِ لزوم لبسِ لونٍ معيَّنٍ من اللباس أبيضٍ أو أسود، وكل هذه تخرُّصاتٌ وتكلُّفات... ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال.


 


ثانياً: الإحدادُ خاصٌ بالنساء دون الرجال، وأما الإحداد في العصر الحاضر الذي وقع فيه بعضُ المسلمين من تنكيس الأعلام، وتغيير برامج الإعلام بما يُناسب المقام، وتعطيل الأعمال لوفاة زعيم من الزعماء في مدة معيَّنة= فليس من الإسلام في شيء، فإن الحِداد خاصٌ بالمرأة، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم،وهو أفضلُ الأنبياء، وأشرفُ الخلق، ولم يُحد عليه الصحابةُ رضي الله عنهم، ثم مات أبو بكر رضي الله عنه، ثم قُتل عُمرُ وعُثمانُ رضي الله عنهما فلم يُحد الصحابة على واحدٍ منهم. وهكذا التابعون وأئمة الإسلام، ولم يُحد عليهم المسلمون= فيكون هذا العملُ المذكورُ من البِدَع والتشبُّه بأعداء الإسلام، مع ما فيه مِن الأضرار الكثيرة، وتعطيل المصالح. والإحدادُ حكمٌ شرعيٌ لا بُد له من دليل، ولا دليل على هذه التصرُّفات، فهي مردودةٌ على فاعلها، ومَن أشار بها أو فعلها فهو مبتدعٌ آثِم. د. عبد الله الفوزان: منحة العلام: 8/ 76- 77.


 


ثالثاً: في طبع التقيات الصالحات من النساء= الوفاءُ لمن يُحببنه، وتجدُ منهن الحرصَ على التعاون، وإظهار المشاعر في الحُزن أكثر مما يكون في الأفراح؛ ولما أنَّ الشريعة منعتهُن من النياحة، ومن لطم الخدود وشقِّ الجيوب؛ فإنها فسحت المجال لهن بهذا الإحداد للقيام بعملٍ يشعرن معه بالتنفيس. ولأجل ذا تجدُ النساء يسألن إنْ كان يحق لهن الإحداد على غير الزوج، ويحرصن عليه. فإنْ كانت -يا عبد الله- تفي لك زوجُك وابنتُك بطوعها ورغبتها، وتظلُّ أياماً أو شهوراً في ذكراك بعد موتك، أفليس من حقِّهِن الوفاءُ لهُن في الحياة، وتقديم الخير والبرِّ والمعروفِ لهن. فمن يعرف مقدارَك، ويفرح لوجودك، ويألمُ ويحزنُ لِفَقدِك فهذا لا يُسيء إليه إلا لئيم، حاشاك الله من أخلاق اللؤماء. فاتقوا الله في نسائكم، ووفُّوا لهُن، واغمروهُن بودِّكم، وكرمِ أخلاقِكم، واحذروا أن تكونوا من قومٍ لما ماتوا فرِحَ أهلوهم بموتهم، بما تخلَّصوا من الأذية التي كانوا يجدونها منهم في حياتهم. فإنما يُحزن على مَن يضُرُّ فقدُه، ويطيبُ العيشُ بوجودِه.


 


أي عباد الله، {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} البقرة185


 

تاريخ الاضافة: 27-02-2010
طباعة